دراسات قانونية

دراسة قانونية مميزة حول التجاوز في الإباحة

التجـــاوز فـي الإباحــة

المؤلف : سامية عبد الرزاق خلف
الكتاب أو المصدر : التجاوز في الاباحة

معنــى التجـــاوز فـي الإباحــة
لأجل الإحاطة بمعنى التجاوز لابد من بيان معناه اللغوي والشرعي والاصطلاحي .
أولا” : التجاوز لغةً
الاجتياز في اللغة السلوك ، يقول جزت الموضع جوازا” أي سلكته وسرت فيه(1) . وتجاوز بهم الطريق وجاوزه جوازا” ، خلفه كما في قوله تعالى } وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْر){2) ويقال انه التجاوز عن الذنوب ومحوها ، أي دفع الله سبحانه وتعالى الأسقام والبلايا عن العبد(3). أو هو التعدي او النفاذ او الحدة او المضاء . وهذا كله ادنى الى التعدي ، والغلو من الجريان او السلوك ، يقول نفذت الطعنة أي جاوزت الجانب الآخر (4) .
ثانيا” : التجاوز شرعا”
أختلف فقهاء الشريعة الاسلامية في تحديدهم لمفهوم مصطلح التجاوز، فتارة يريدون به تعدي حدود الشيء او الخروج عليه ، وتارة يريدون به العفو والتسامح عن الذنوب والخطايا ، وأكثر من ذلك نجد ان الفقيه نفسه يتبع ذات الاسلوب في مؤلفه الواحد. فيقول الطوسي ( إذا جنى جاني على يد عبد غيره في حال الرق . . . فأنه يجب على الجاني في حال الرق ثلث قيمة العبد وقت جنايته ، مالم يتجاوز ثلث الدية ، فان تجاوز وجب عليه ثلث الدية)(5) ثم يقول في مصباح المجتهد ( اللهم تجاوز عن خطيئتي وتصفح عن جرمي)(6) . ويقول النووي عن ابن ماجه ان رسول الله (ص)Å قال ( أن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه )(7) ، وفي موضع آخر يقول ( اذا بدر من الزوج أو الزوجة نشوز اسكنوا الى حاكم فاذا تجاوز الأمر حده الى التشاتم أو الضرب بعث الحاكم حكمين ليجمعا بينهما أو يفرقا )(8) .

وقول الحطاب ( ان الله قد تجاوز لأمة نبيه عن الخطأ والنسيان )(9) ، وفي الغصب يقول الحطاب ( ان الشيء المثلي المغصوب يقوم بقيمته يوم غصبه وهو تجاوز الحد في الظلم ويعني انه يضمن القوم ولو كان الغاصب قتل المغصوب تعديا” )(10) .

وفي باب دخول مكة يقول الشيخ المفيد ( اللهم تجاوز عن خطيئتي وان تضع عني وزري ، .. وفي موضع آخر يقول اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك انت الأعز الأكرم )(11).

وعن ابو ولادة عن الإمام الصادق عليه السلام في الصلاة على الميت والدعاء له يقول ( اللهم تجاوز عن سيئاته وزد في حسناته واغفر له وارحمه )(12). وفي الصيال يقول الحلي ( … اذا صال عليه صيد فدفعه وأدى الدفع الى القتل فلا ضمان ، ولو تجاوز الى الأثقل مع الأندفاع بالأخف ضمن)(13).
ويرى بعض المفسرين ان المقصود بقوله تعالى } تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون{ (14) ،ان حدود الله محارمه وأحكامه،وسميت حدا” لأنه يمنـع
دخول غيره فيه ، أي يمنع التخطي الى ما وراءها (15) .
وعن الطوسي والشافعي ان كلمـة ( فلا تعتـدوها ) تعني ( لا تجاوزوها )(16) .
ثالثا” : التجاوز اصطلاحا”
يعني خروج الفاعل من دائرة المباح بعد دخولها(17) ، او هو تجاوز الحد المادي للظرف المبيح(18) ، أو تخطي الحدود المقررة للاباحة قانونا”(19) ، أو هو استعمال قوة أكثر من اللازم أو الخروج على حد التناسب(20)، كما يعرف بأنه الخروج بالحق عن حدوده سواء عمدا” أو عفوا”(21) . وعلى أية حال ومهما اختلفت التعريفات بشأن التجاوز فهناك تساؤل مهم لابد من إثارته، وهو ، متى تنتهي الإباحة التي كانت قائمة لتبدء حالة التجاوز؟ . إن معرفة اللحظة التي يبدأ عندها التجاوز من السهولة بمكان من الناحية النظرية ، ولكن المسألة تدق من الناحية العملية ، أي حينما يوضع الفاصل بين نهاية الإباحة وبداية التجاوز.

فالقاعدة العامة بهذا الصدد ان التجاوز يبدأ حين تنتهي حدود الإباحة المقررة للواقعة ، ولكن التطبيق العملي يختلف من سبب لآخر من ناحية ، وبالنسبة للسبب الواحد بحسب الظروف المقترنة به من ناحية أخرى ، إذ ليس بالإمكان وضع قاعدة عامة تخضع لها جميع اسباب الاباحة ، ذلك لأن ظروف السبب الواحد الشخصية والموضوعية لا تدخل تحت حصر، والتي يلزم جميعها ان تكون محل اعتبار عند تكييف الواقعة وتقدير العقوبة . إذا” حدود الإباحة التي يتعين على الفاعل مراعاتها تختلف من سبب لآخر ، فكل سبب من أسباب الإباحة يحمل بذاته حدوده المقررة ، ولمعرفة مدى تحقق مراعاة تلك الحدود يلزم الرجوع الى سبب الإباحة ذاته. وأسباب الإباحة وأن كانت جميعها مقررة من أجل حماية المصلحة القانونية إلا إنها تختلف في تطبيقات تلك المصلحة التي يتعلق بها ويحميها ، فالقانون يضع لكل سبب شروطا” ويجعل الأثر المترتب عليه مرهون بتوافر جميع الشروط المتطلبة قانونا” ، فإن تخلف أحدها انتفى سبب الإباحة واكتسب الفعل فورا” صفة عدم المشروعية مما يقتضي مساءلة المتهم عنه، ومن ثم كان لزاما” التحقق من دخول الفعل في نطاق الحق أو الإباحة محددا” على وفق شروطه القانونية وهذه الحدود متنوعة بتنوع الحقوق لذا يجب البحث في كل حق على حدة واستخلاص القيود التي ترد عليه وذلك بالرجوع إلى مفهوم الحق ذاته(22).

لذا يمكن وضع معالم عامة يستهدي بها القضاء لتحديد تلك اللحظة ، وذلك بالاعتداد بطبيعة سبب الإباحة ذاته من جهة ، وبجميع الظروف المقترنة به من جهة أخرى . فقد يحدث أن يتوفر سبب الإباحة ثم لا تتطابق حدود الواقعة المرتكبة مع حدود ذلك السبب ، مثال ذلك ان يتجاوز الموظف او المكلف بخدمة عامة حدود اختصاصه ، او يقتل المدافع المعتدي في غير الحالات التي نص عليها القانون حصرا” ، كأن يقتل السارق الذي لا يحمل سلاحا” والذي لا تعد جريمته من الجنايات(23) .

نخلص مما تقدم ذكره الى ان هناك اختلافا” في مصطلح التجاوز لغةً وشرعا” ، فالبعض من فقهاء اللغة العربية عبر عنه بالعفو عن الذنوب والخطايا ، بينما أراد به البعض الآخر سلوك الطريق والسير فيه. أما فقهاء الشريعة الاسلامية فنرى انهم حينا” يقصدون به تعدي حدود الشئ والخروج عليه ، واحيانا يريدون به العفو عن الذنوب . أما في القانون فيدهب الشراح الى ان التجاوز او التعدي(24) ، يعني الخروج على حدود الاباحة المرسومة قانونا” وذلك باستخدام قوة لا تتناسب مع حدود الحق ، وهدا ما يبدو غالبا” على تعريفهم للتجاوز.
_____________
1-العلايلي ، عبد الله / الصحاح في اللغة والعلوم ، بيروت ، دار الحضارة العربية ، 1974 ، ص221 ؛ الفراهيدي ، الخليل بن أحمد / كتاب العين ، ط2، ج3،مج8 ،تحقيق مهدي المخزومي وأبراهيم السامرائي ، بيروت ، مؤسسة دار الهجرة ، 1410هـ ، ص164 ؛ ابن منظور ، ابي الفضل جمال الدين / لسان العرب ، ط1 ، مج5، بيروت ، دار الأحياء التراث العربي ، 1956 ، ص327.
2- سورة الأعراف / الآية “138” . ينظر أيضا” – ابي حيان ، أثير الدين أبي عبدالله الأندلسي / البحر المحيط ، ج5 ، الرياض ، مكتبة النصر الحديثة ، دون تاريخ ، ص188 .
3- العسكري ، أبو هلال / الفروق اللغوية ، ط1 ، قم ، مؤسسة النشر الأسلامي ، 1412هـ ، ص363 .
4- أبن منظور / المصدر نفسه / مج3 ، ص515 .
5- الطوسي ، أبي جعفر بن محمد بن الحسن / الخلاف ، تحقيق سيد علي الخراساني وآخرون ، ط1 ، ج5 ، قم ، مؤسسة النشر الاسلامي ، 1417هـ ، ص 165 .
ينظر أيضا – الطوسي / الرسائل العشر ، تحقيق واعظ زادة الخراساني ، قم ، جامعة المحققين ، 1404هـ ، ص79.
6- الطوسي / مصباح المجتهد ، ط1 ، بيروت ، مؤسسة فقه الشيعة ، 1412هـ ، ص624 .
7- رواه بن ماجه والبهيقي باسناد حسن نقلا عن – النووي ، محي الدين / المجموع في شرح المهذب ، ج2 ، دون مكان ، دار الفكر ، دون تاريخ ، ص267 ؛
ينظر أيضا :
العسقلاني ، ابن حجر / تلخيص الحبير ،ج4 ، دون مكان، دار الفكر ، دون تاريخ ، ص113 ؛ الخطيب ، محمد الشربيني / مغني المحتاج ، ج1 ، دون مكان ، دار احياء التراث العربي ، 1958 ، ص110.
8- النووي ، محي الدين – المجموع في شرح المهذب ، دون مكان ، دار الفكر ، دون تاريخ ، ج16 ، ص453 .
9- الرعيني ، الحطاب / مواهب الجليل ، ج3 ، بيروت ، دار الكتب العلمية ، دون تاريخ ، ص368 .
10- الرعيني ، الحطاب / المصدر نفسه ، ج7 ، ص318 .
11- الشيخ المفيد / المقنعة ، 1 مج ، قم ، جامعة المدرسين ، 1410هـ ، ص400 .
12- العاملي ، محمد بن جمال الدين مكي / الذكرى ، 1 مج ، طبعة حجرية غير مرقمة الصفحات ، 1272هـ ، ص59 .
13- العلامة الحلي / قواعد الاحكام ، ط1 ، ج1 ، قم ، مؤسسة النشر الاسلامي ، 1413هـ ، ص462 .
14- سورة البقرة / آية “229 ” .
15- ابن نجيم ، زين الدين المصري الحنفي / البحر الرائق – شرح كنز الدقائق ، ج5 ، مصر ، دار الكتب العربية الكبرى ، دون تاريخ ، ص 2 .
16- السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر / الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ط1 ، ج1 ، طهران ، المطبعة الإسلامية ، 1956، ص116 .
17- د. محمد عوض – قانون العقوبات – القسم العام ، الاسكندريه ، دار المطبوعات الجامعية ، 1985 . ، ص91 .
18- د. رمسيس بهنام / الجريمة والمجرم والجزاء ، الأسكندريه ، منشأة المعارف ، 1973 ، ص299 .
19- د. فخري الحديثي – شرح قانون العقوبات – القسم العام ، بغداد ، مطبعة الزمان ، 1992 ، ص 109 .
20- د. محمد محي الدين عوض – القانون الجنائي مبادئ الاساسية ونظرياته العامة في التشريعين المصري والسوداني ، القاهرة ، المطبعة العالمية ، 1963، ص616 .
21- د. عثمان سعيد عثمان – استعمال الحق كسبب للاباحة ، القاهرة ، دون ناشر ، 1968، ص490 .
22- د. محمود نجيب حسني – شرح قانون العقوبات ـ القسم العام ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1989 ، ص167 ؛ د. جلال ثروت – قانون العقوبات ـ القسم العام ، بيروت ، الدار الجامعية ، 1989 ، ص223 ؛ د. علي عبد القادر قهوجي – قانون العقوبات – القسم العام ، بيروت ، الدار الجامعية ، 1985 ، ص136 .
23- د. يسر انور علي – النظرية العامة للتدابير والخطورة الاجرامية ، مجلة العلوم القانونية والاقتصادية ، ع1، س13 ، القاهرة ، مطبعة جامعة عين شمس ، 1971 ص583 .
24- استعمل قانون العقوبات المصري مصطلح تعدي بدلا” من مصطلح تجاوز في المادة / 251 ، وكذلك قانون العقوبات الليبي في المادة / 73 ، وهو المصطلح الذي ورد في القرآن الكريم والدي أريد به الخروج على الحدود أو تخطيها .

شروط التجاوز في الإباحة
… بأن لكل سبب من أسباب الإباحة شروطا” مقررة في القانون يلزم مراعاتها ، وان إنتاج سبب الإباحة لأثره يعني خروج الفعل من نطاق القاعدة التجريمية ودخوله في نطاق الإباحة أو المشروعية ، وأن ذلك مرهون بتوافر جميع الشروط التي يقررها القانون في ذلك الشأن. كذلك فأن انتاج حالة التجاوز لأثرها مقيد ايضا بتحقيق ما يتطلبه القانون من شروط ، وشروط حالة التجاوز في الإباحة أثنان هما ، توافر سبب الإباحة أولا” ، والخروج على حدود ذلك السبب ثانيا”(1)
أولا”: توافر سبب الإباحة
هذا الشرط يفترض بالقطع أن سبب الإباحة قد تحقق بكامل شروطه ، فلا يصح القول بتجاوز الحق إلا مع قيام دلك الحق(2) ، أي قيام حالة الإباحة فعلا” ، لأن البحث في حدود الإباحة لا يكون إلا بعد التحقق من توافر الشروط العامة كافةً المنصوص عليها قانونا” ، حتى يسوغ البحث في تجاوز حدودها ، ذلك إن تجاوز حدود الحق لا يتصور مع انعدام ذات الحق(3) ، فاذا لم يثبت ذلك الوجود اضيفت الى الواقعة ذاتها صفة اللامشروعية ، ولا يكون هناك مجال لبحث مراعاة الحدود ، لأن ذلك يعد بحثا في حدود حق لم يوجد اصلا”.

وبذلك تنتفي حالة الإباحة ، وينتفي معها التجاوز ، وتكييف الواقعة على انها جريمة عادية متحققة بكافة عناصرها ، خالية من الإباحة ، ومن ثم التجاوز وما يترتب عليه من الحكم بالتخفيف عند التجاوز(4). لذا ينبغي الفصل بين شروط الإباحة من جانب ( الشروط المنشأة لحالة الإباحة )(5). وبين الحدود المنصوص عليها قانونا” من جانب آخر ( الشروط الحدية )(6) . فحالة الدفاع الشرعي مثلا” تنشأ بمجرد توافر هذه الشروط ، غير إن توافر الإباحة لا يعني إباحة الدفاع مطلقا” ، فالذي يحدد هذه الإباحة هو الشرط الحدي الذي يبين حدود فعل الدفاع(7).

فاذا تخلف هذا الشرط حصل تجاوز في الدفاع رغم توفر حالة الدفاع الشرعي ، وهكذا بالنسبة لسائر اسباب الإباحة الأخرى . وتطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز في العراق في قرار لها ( ان المتهم المدان لم يكن وهو يطلق النار على المجني عليه في حالة دفاع شرعي أو متجاوزا” لها لأن اطلاق النار جرى من الخلف ومن مسافة قريبة جدا” )(8) وهذا ما قررته ايضا محكمة النقض المصرية في قرار لها ( اذا كان المتهم قد بادر الى اطلاق النار على المجني عليه اذ رآه بين الأشجار دون ان يكون قد وقع منه أي فعل ايجابي يخشى منه المتهم وقوع جريمة من الجرائم التي يجوز فيها الدفاع الشرعي ، فأنه لا يكون وقتئذ في حالة دفاع شرعي وبالتالي لا يكون اطلاق النار تجاوزا”(9) .

ثانيا” : الخروج عن حدود الإباحة
لا يعرف القانون حقوقا” مطلقة بغير حدود ، ولا يكفي لإباحة الفعل أن يكون مرتكبه صاحب حق بل يجب عليه التزام حدود هذا الحق أيضا” . ويلزم للقول بتجاوز حدود الإباحة ان يقترن توافر الإباحة اقترانا” زمنيا” مع تعدي حدود الإباحة ، فلا يسوغ ان يقع التجاوز بعد زوال الظرف المبيح ، لأن ارتكاب الواقعة التجاوزية عندئذ ينشيء جريمة عادية.

يقع تجاوز حدود الإباحة ، أما بتعدي حدود ما هو مقرر لممارسة الحق او لإداء الواجب أو الدفاع الشرعي ، فالشارع في جميع هذه السباب وضع حدودا” أوجب الألتزام بها. ويترتب على ذلك أن الخروج عليها أو عدم الألتزام بها كمن لا يستعمل حقا” ، ذلك لأن غاية النظام القانوني هي التوفيق بين مصالح الأفراد والمصلحة العامة ، فلا يسمح بطغيان مصلحة على أخرى إلا في حود تلك الغاية. وتتفق شروط الإباحة سواءا” ما كان منها ضروريا” لقيام الإباحة ، أو لبقاء الواقعة في حدود الإباحة بأن تخلف أي منها يعني تخلف الإباحة ، فتخلف شرط صفة الوظيفة العامة في الموظف العام وهو من الشروط المنشئة للإباحة يعادل من حيث أثره في عدم إباحة الواقعة تخلف شرط الألتزام بحدود القانون وهو شرط حدي.

وينحصر الفرق بين الشروط المنشئة للاباحة والشروط الحدية في ان الفاعل عند تخلف شرط منشيء لا يدخل دائرة الإباحة ، أما عند تخلف الشرط الحدي فأنه يخرج من هذه الدائرة بعد دخولها(10). غير ان توافر الشروط المنشئة للإباحة وتخلف الشروط الحدية يؤدي الى انتفاء الإباحة ، ولكنه لا يؤدي الى انتفاء الظرف المبيح ، ومثال ذلك من يكون في حالة دفاع شرعي ثم يقتل المعتدي حيث لا يكون القتل مباحا” له ، لا يصح القول في منطق القانون بأنه لم يكن أصلا” في حالة دفاع شرعي ، وكل ما يمكن أن يوجه اليه هو تجاوز حدود حقه في الدفاع الشرعي. وتطبيقا لذلك قضت محكمة التمييز في العراق في قرار لها ( إن العسكري المتهم الذي استنجدت به الفتاة يكون في حالة تجاوز الدفاع الشرعي في قتله المجني عليه السائق الذي حاول ارتكاب جريمة خطف الفتاة بسيارته)(11) .
________________
1- د. محمد نعيم فرحات -النظرية العامة لعذر تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي ، القاهرة ، ار النهضة العربية ،1981 ، ص270 .
2- د.محمود محمود مصطفى / شرح قانون العقوبات – القسم العام ، القاهرة ، مطبعة جامعة القاهرة ، 1983،ص258 .
3- د. فخري الحديثي – شرح قانون العقوبات – القسم العام ، بغداد ، مطبعة الزمان ، 1992 ، ص174 ؛ د. يسر أنور علي و د. علي راشد – شرح النظريات العامة للقانون الجنائي ، القاهرة ، مطبعة الاستقلال الكبرى ، 1973 ، ص582 ؛ د. محمود ابراهيم اسماعيل – شرح الاحكام العامة في قانون العقوبات ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1959، ص 487 وما بعدها .
4- د. ضياء الدين الصالحي / حق الدفاع الشرعي في القانون العراقي والالماني – مجلة القضاء ، ع 1 ، س42 ، 1987 ، ص 135 وما بعدها .
5- يقصد بالشروط المنشأة ( الشروط اللازم توافرها لقيام أو لنشوء حالة الإباحة ، كشرط وجود الخطر الحال ، وشرط تعذر الألتجاء السلطات العامة ، وشرط انعدام أي وسيلة أخرى لدفع الخطر في حق الدفاع الشرعي مثلا”) .
6- يقصد بالشروط الحدية ( شروط الألتزام بحدود القانون أو الحق وعدم تجاوزها ) .
7- د. محمد عوض – قانون العقوبات – القسم العام ، الاسكندريه ، دار المطبوعات الجامعية ، 1985 ، ص 91 .
8- قرار رقم 160 / جنايات ، 975 في 3/1/1976 – مجموعة الأحكام العدلية ، ع1 ، س7 ،
1976 ، ص293 .
9- نقض رقم 182 / مجموعة أحكام النقض ، جنائي س12 ، 1961 ، ص905 .
10- داود سلمان العطار / تجاوز الدفاع الشرعي في القانون المقارن ، القاهرة ، جامعة القاهرة ، 1977 ، ص 111 .
11- قرار رقم 129 / موسعة ثانية / 92 في 30/9/1992 – اورده ابراهيم المشاهدي / المختار من قضاء محكمة تمييز العراق ، بغداد ، مطبعة الزمان ، 1998 ، ص47 .

صــــور التجــاوز فـي الإباحـــة
مع إقرار غالبية القوانين العقابية لحالة تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي ، فقد جسد البعض منها، كالقانون العراقي والمصري هذه الحالة من الوجهة الذهنية للمتجاوز في صورتين هما: التجاوز بنية سليمة ، والتجاوز بسوء نية ، وقد حدا اغلب الشراح(1) حدو تلك القوانين فقرروا ان الحال لا يخلو من احد امرين ، فأما أن يكون التجاوز عمديا” ، أي مقترنا” بسوء النية ، وهنا يسأل الفاعل عن جريمة عمدية ، وأما ان ينشأ عن أهمال ، فيسأل عن جريمة غير عمدية ، ويرون ان ضابط التفرقة بين نوعي التجاوز هو توافر العمد او توافر الخطأ غير العمدي.

بينما ذهب جانب آخر (2) ان التجاوز أما ان يكون بنية سليمة أو بسوء نية ، ويرون ان التجاوز ما دام بنية سليمة فهو يمكن ان يأتي في صورتين ، الأولى صورة العمد ، والثانية صورة الخطأ غير العمدي ، وينتقدون الأتجاه الأول بأنه يجعل من التجاوز العمدي في جميع حالاته مقترنا بسوء النية . أما الحالة الثانية والتي يحدث فيها التجاوز بسوء نية فهي تعد ضمن حالات التعسف في استعمال الحق(3) ومن ثم فهي تنفي الإباحة تماما” ، أي يكون الفعل جريمة عادية غير مشمولة بالتخفيف ، نظرا” لأن الفاعل يستغل حالة الاباحة فيمضي في تحقيق غرض غير الغرض الذي اباحه له القانون .

ان منطق الرأي المتقدم يدعو الى طرح سؤال مفاده ، ما علاقة اساءة استعمال الحق او التعسف فيه بتجاوز حدوده ؟ وهل ان عبارة التعسف في استعمال الحق مرادفة لعبارة مجاوزة الحق ام لكل منهما مدلولها الخاص ؟ وهل يختلف الأمر في القانون المدني عنه في القانون الجنائي؟ .

ذهب جانب من الشراح(4) الى ان التعسف في استعمال الحق لا يخرج بصاحبه عن حدود الحق ، فهو يراعي الحدود المادية او الخارجية او الموضوعية المرسومة للحق ، ولكنه يخالف الغاية او الغرض الذي شرع من اجله الحق ، اما التجاوز فهو استعمال الشخص لحقه على نحو يتعدى او يتجاوز الحدود الخارجية المرسومة قانونا” للحق . إذ إن الفارق بين الاثنين ظاهر ، فبينما يكون التعسف مشروع في ذاته ولكنه معيب في غرضه ، يكون التجاوز غير مشروع في ذاته أصلا” ، أي انه يخرج به ان يكون حقا” ولا تعسفا” في استعماله ، وانما يكون اعتداءا” واستعمالا” لما ليس حق(5) .

وجانب من الشراح(6) ذهب الى ان فكرة التجاوز تمثل جزءا” من فكرة التعسف او جانبا” منها ، وان التجاوز والتعسف يمثلان شيئا” واحدا” . بينما ذهب البعض الآخر(7) الى ان الصورة الحقيقية للتعسف في استعمال الحق هي تلك التي يتجاوز فيها الشخص حدود الحق المقررة قانونا” بسوء نية ، أي اذا جاوز الغرض او الغاية التي توخاها المشرع في تقريره الاباحة ، ومن ثم فهو لا يستفيد من الاباحة ، وهذه هي الصورة الحقيقية للتعسف في استعمال الحق ، حيث تظهر نيته الاكيدة في إحداث ضرر اشد مما يستلزمه ذلك الحق.

ومن خلال ما تقدم بيانه وبغية الإجابة عن السؤال السابق ، يمكن القول ان المتجاوز لحدود الاباحة يعد متعسفا” في استعمال حقه في صورة واحدة من صور التعسف وهي عندما يكون صاحب الحق قاصدا” إحداث ضرر بالغير والتي يمكن مقابلتها بالنسبة لمتجاوز حدود الاباحة مع الشخص الذي يكون قاصدا” إحداث ضرر اشد مما تستلزمه ضرورة البقاء في حدود الاباحة . هذا من جانب ومن جانب آخر ، فقصد الإضرار بالغير ليس هو المعيار الوحيد لإساءة استعمال الحق ، فرجحان الضرر الذي يصيب الغير على المنفعة العائدة لصاحب الحق ، وعدم مشروعية المنفعة ، هي أحوال يلزم القانون المدني فيها صاحب الحق بتعويض الضرر ، وماعدا ذلك يكون صاحب الحق غير مسؤول عما يصيب الغير من ضرر اذا استعمل حقه استعمالا” جائزا”. وهذا ما نصت عليه (المادة 6) من القانون المدني العراقي بقولها ( الجواز الشرعي ينافي الضمان ، فمن استعمل حقه استعمالا” جائزا” لم يضمن ما نشأ عن ذلك من الضرر) .

أما في مجال القانون الجنائي ، فأن صاحب الحق لا يضمن حتى وان لحق بالغير ضرر مادام استعماله لحقه كان ضمن الشروط القانونية المنصوص عليها للبقاء في حدود الحق ، سواء الخارجية منها او الغائية ، وبذلك يظهر التعسف في استعمال الحق في مجال القانون الجنائي جليا” ، عندما يتجاوز صاحب الحق تلك الحدود ، بحيث يرتكز تعسفه على اساسين أولهما معنوي أو نفسي أو غائي متمثلا” بسوء النية ، وثانيهما مادي متمثلا” بتجاوز الحدود المادية أو الخارجية المقررة للحق(8) .

وعلى ذلك اذا ألتزم من يمارس الحق بحدوده الغائية كان حسن النية وإن ادى فعله الى تجاوز الحدود المادية او الخارجية للحق ، اما اذا حاد عنها فهو سيء النية خلافا” لما يراه جانب من الشراح (9) (من ان التجاوز يتحقق بمخالفة الشروط المادية او الموضوعية او الخارجية لأستعمال الحق وليس مخالفة الغاية ، حيث يرى ان مخالفة الغاية أو المصلحة من تقرير الحق ينطبق على التعسف في أستعمال الحق وليس على التجاوز) .

ويرى جانب من الشراح العراقيين(10) ان التجاوز الذي نصت عليه (المادة 45) من قانون العقوبات العراقي بعبارة ( . . . واذا تجاوز المدافع عمدا” أو اهمالا” حدود هذا الحق او اعتقد خطأ انه في حالة دفاع شرعي فأنه يكون مسؤولا” عن الجريمة التي ارتكبها . . . ) يأتي في ثلاثة صور ، الأولى: صورة التجاوز العمدي ، والثانية هي : صورة الخطأ غير العمدي ، أما الصورة الثالثة للتجاوز فهي صورة اعتقاد المدافع انه في حالة دفاع شرعي.

ومن جانبنا نعتقد ان ما ذكرته (المادة 45) من قانون العقوبات العراقي بشأن اعتقاد الفاعل خطأ انه في حالة دفاع شرعي ، لا يمكن عده صورة مستقلة للتجاوز ، وإنما هو يمكن أن يمثل صورة التجاوز بحسن نية …”. وبهذا الصدد يذهب جانب من الشراح(11) (الى ان الغلط في الاباحة يمكن ان يأتي في صورتين، الأولى هي صورة الغلط في الاباحة ذاتها ، أي عندما يعتقد الفاعل خلافا” للواقع قيام حالة الاباحة ، والثانية هي صورة الغلط في حدود الاباحة ، ويتحقق ذلك عند قيام سبب الاباحة في الأصل ، إلا ان الجاني يتجاوز حدوده معتقدا” خلافا” للواقع انه ما زال فيها ، وثمة فارق بين الأثنين ، فبينما الأولى متعلقة بنشوء الحق ، تحدث الثانية بعد نشوء الحق) .

كما يذهب هذا الجانب من الشراح ايضا” الى انه ليس لهده التفرقة أهمية الا حيث يرتب القانون عليها وبنص صريح اثرا” من حيث المسؤولية كما في حالة تجاوز حدود الدفاع الشرعي). كما نعتقد ان ما أراد به المشرع العراقي في (المادة 45) هو اشراك الشخص المعتقد انه في حالة دفاع شرعي بناءا” على أسباب معقولة بالمسؤولية في حالة تجاوزه ، لأن الشخص الذي يعتقد أنه في حالة دفاع شرعي ويمارس افعال دفاعه بناءا” على دلك ، يمكن ان يلتزم حدود الحق ويمكن ان يتجاوزها ، وادا تجاوز يمكن ان يكون تجاوزه ناتجا” عن عمد او عن خطأ غير عمدي (اهمال) .

وما يؤيد ذلك ان المشرع العراقي اباح الدفاع الشرعي الناتج عن الأعتقاد بوجود خطر في (المادة 42/1 ) بقوله (لا جريمة اذا وقع الفعل استعمالا” لحق الدفاع الشرعي ويوجد هذا الحق اذا توافرت الشروط الآتية 1- اذا واجه المدافع خطر حال من جريمة على النفس او المال او اعتقد قيام هذا الخطأ وكان اعتقاده مبنيا” على اسباب معقولة ) وبنفس الشروط الاخرى في حالة مواجهة خطر حقيقي كتعذر الألتجاء الى السلطات العامة ، وانعدام أية وسيلة أخرى لدفع الخطر ، وإلا فأن المشرع يكون قد ناقض نفسه ، فهو يبيح الفعل ويجرمه في نفس الوقت ، والظاهر من نص (المادة 45 ) انه يساوي المعتقد في المسؤولية مع المتجاوز عمدا” أو اهمالا” . ومما لاشك فيه ان التجاوز ينشئ جريمة تستوجب مسؤولية فاعلها ، وعندما نقول ان الاعتقاد بوجود خطر هو صورة للتجاوز ، فذلك يعني اننا حكمنا مسبقا” على المدافع المعتقد بوجود خطر بالاجرام قبل ان يتجاوز ، أي حتى وهو ملتزم حدود الدفاع.

وبهذا الصدد يدهب جانب من الفقه المصري الى انه (يجب عدم الخلط بين التجاوز وبين الخطر الوهمي ، فالأول ينصرف الى الاخلال بشرط التناسب ، أما الثاني فينصرف الى الاعتقاد خطأ بتوافر شروط الاعتداء)(12) عليه نعتقد صحة الرأي(13) الذي يقرر ان التجاوز بحسن نية يمكن ان يكون على صورتين : عمدية وغير عمدية ، وهذا ما سنبحثه تباعا” .
أولا” : التجاوز العمدي
يتوافر العمد قي التجاوز عندما يتعدى الشخص بصورة واضحة حدود الإباحة وهو يعلم بذلك ويريده ، أي يشترط علم الفاعل بحقيقة أفعاله من جانب ، وارادة أحداث النتيجة المعاقب عليها قانونا” من جانب آخر(14) ذلك لأنه ( من الجائز ان يكون هناك شخص غير جاد فيما أتاه من افعال عن وعي بها ، فلا يمكن في هذه الحالة اعتبار انه اراد النتائج المجرمة قانونا” رغم انه أتى الأفعال عن علم وتمثل في ذهنه النتيجة المترتبة عليها)(15). وبناءا” على ذلك يمكن تعريف التجاوز العمدي بأنه ( علم المتجاوز حسن النية بحقيقة ما يأتيه من أفعال لا تتناسب وما يقتضيه استعمال الحق او تحقيق الغاية منه مع اتجاه ارادته الى أحداث النتيجة المعاقب عليها قانونا”)(16).

على ان التجاوز العمدي قد يكون مباشرا” عندما يكون السلوك التجاوزي واضحا” وكافيا”بذاته لأحداث النتيجة ، وقد يكون احتماليا” عندما يكون السلوك التجاوزي ليس كافيا” بذاته لأحداث النتيجة ، وانما كان من الممكن على المتجاوز ان يتوقعها ، أي ان المتجاوز يتوقع حدوث النتيجة على انها أمر ممكن قد يحدث وقد لا يحدث.

وأبرز مثال على التجاوز الأحتمالي في مجال أسباب الإباحة هو استخدام المدافع في الدفاع الشرعي للأجهزة الآلية في الدفاع عن الأموال والتي سيتم الحديث عنها في الفصل اللاحق. ويكون التجاوز بحسن نية عمديا” عندما يستخدم المتجاوز قوة أزيد مما تتطلبه مقتضيات الحالة ، ظانا” ان تصرفه هذا هو السبيل الوحيد والضروري لإستخدام حقه ، وان القانون يخوله ارتكاب ما ارتكبه ، ففي حالة الدفاع الشرعي مثلا” قد يعتقد المدافع ان ما يستخدمه من قوة هو السبيل الوحيد والملائم لرد الأعتداء ، أو ان يعتقد الزوج ان ما قام به من ضرب زوجته هو السبيل لتأديبها وان ترك أثرا” في جسمها(17) .

ثانيا” : التجاوز غير العمدي
يعني الخطأ في التجاوز ، إخلال المتجاوز بواجبات الحيطة والحذر التي يفرضها القانون ، وعدم حيلولته تبعا” لذلك دون ان يفضي تصرفه الى احداث النتيجة الجرمية ، في حين كان ذلك في استطاعته وكان واجبا” عليه.

فاذا تجاوز الفاعل بناءا” على اهمال منه أو تقصير وكان قدرا متوسطا” من الحيطة والحذر يكفي لبقاءه في حدود الإباحة ، نشأت عندئذ الجريمة التجاوزية غير العمدية ، اذا اراد الفعل ولم يرد النتيجة ، كما لو قبض الموظف أو المكلف بخدمة عامة على شخص بناءا” على أمر صحيح بالقبض عليه ولكن هذا الموظف أهمل في فتح القيد من يدي هذا الشخص مما أدى الى هلاكه جوعا” .

والقول بتجاوز الحدود أو عدم تجاوزها هو من اختصاص قاضي الموضوع ، حيث يتطلب ذلك بحثا” في وقائع الدعوى وما احاط بها من ظروف وملابسات ، ثم استظهار مدى التجاوز والذي لا يكون بنسبة واحدة حيث يختلف مداه قربا” أو بعدا” من هذه الحدود.
__________________
1- د. عثمان سعيد عثمان – استعمال الحق كسبب للاباحة ، القاهرة ، دون ناشر ، 1968، ص498 ؛ د. محمود نجيب حسني – أسباب الإباحة في التشريعات العربية ، القاهرة ، معهد الدراسات العربية العالمية ، 1962 ، ص228 ؛ د. محمد زكي ابو عامر/قانون العقوبات اللبناني،بيروت،الدارالجامعية،1981 ، ص256.
2- د. محمد نعيم فرحات -النظرية العامة لعذر تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي ، القاهرة ، ار النهضة العربية ،1981 ، ص501 ؛ د. م مأمون محمد سلامة – قانون العقوبات – القسم العام ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1979 ، ص232 ؛ .
3- تفترض فكرة التعسف في استعمال الحق ، وهي فكرة تقوم على اساس من نسبية الحقوق او تقييدها لسوء استعمالها ، وجود فعل يدخل في حدود مضمون الحق ، أي عدم الخروج على حدوده، ولكن هذا الحق قد ينقلب الى عمل غير مشروع وذلك عندما يكون هناك انحراف في غرضه او نتيجته ، كأن لا يقصد صاحب الحق من استعمال حقه سوى الإضرار بالغير كمن يغرس اشجارا” عالية كثيفة في ملكه لمجرد حجب الضوء عن جاره ، بغض النظر عن المنفعة التي تعود على صاحب الحق ، ويعد القضاء انعدام الفائدة قرينة على وجود قصد الإضرار بالغير ، وقد يستعمل الشخص حقه ليس بقصد الإضرار ولكن عندما يكون هناك تفاوت بين المصلحة او المنفعة التي تعود لصاحب الحق وبين الضرر الذي يلحق بالغير ، أو ان تكون المصلحة غير مشروعة في ذاتها ، ومع ذلك يعد الشخص متعسفا” في استعمال حقه ، وهذا ما جاءت به المادة /7 من القانون المدني العراقي بقولها ( 1- من استعمل حقه استعمالا” غير جائز وجب عليه الضمان.
2- ويصبح الحق غير جائز في الأحوال الآتية:
أ- اذا لم يقصد بهذا الأستعمال سوى الإضرار بالغير.
ب- اذا كانت المصالح التي يرمي هذا الاستعمال الى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب مطلقا مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها.
ج- اذا كانت المصالح التي يرمي هذا الأستعمال الى تحقيقها غير مشروعة ).
مزيدا من التفاصيل ينظر :
ابراهيم سيد احمد / التعسف في استعمال الحق فقها” وقضاءا” ، الاسكندريه ، دار الفكر الجامعي ، 2002 ، ص 700 وما بعدها ؛ د. احمد سلامه/ المدخل لدراسة القانون ، القاهرة ، مطبعة نهضة مصر، 1963 ، ص378 ومابعدها ؛ د. حسن كيرة / الموجز في المدخل لدراسة القانون ، الأسكندريه ، منشأة المعارف ، 1960 ، ص345 وما بعدها.
4- د. سعيد مبارك / التعسف في استعمال الحق – مجلة القانون المقارن ، ع21 ، بغداد ، جمعية القانون المقارن العراقية ، 1989 ، ص64 ؛ د. فتحي الدريني / الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده ونظرية التعسف في استعمال الحق ، دمشق ، مطبعة جامعة دمشق ، 1967 ، ص27 ؛ د. حسن كيرة / المرجع السابق ، ص 346 ؛ د. هلالي عبد اللاه احمد / تجريم في فكرة التعسف … ، ص 112 .
5- د. هلالي عبد اللاه احمد – شرح قانون العقوبات ـ القسم العام ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1987 ، ص 62 .
6- د. عثمان سعيد عثمان / المرجع السابق ، ص492 ؛ د. علي راشد – القانون الجنائي ، ط2 ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1974،ص503.
7- د. محمد نعيم فرحات / المرجع السابق ، ص 458.
8- في نفس المعنى ينظر: د. رمسيس بهنام – الجريمة والمجرم والجزاء ، الاسكندريه ، منشأة المعارف ، 1973، ص459.
9- د.هلالي ، عبد اللاه احمد / تجريم فكرة التعسف … ، ص 231 .
10- د. فخري الحديثي – الاعذار القانونية المخففة للعقوبة ، رسالة دكتوراه ، بغداد ، جامعة بغداد ، 1979 ، ص173 ؛ د. ماهر عبد شويش / الأحكام العامة في قانون العقوبات ، الموصل ، دار الحكمة للطباعة والنشر ، 1990 ، ص362 ؛ د. حميد السعدي – شرح قانون العقوبات الجديد ، ج1 ، بغداد ، مطبعة المعارف ، 197،ص344 ؛ د. ضياء الدين الصالحي – حق الدفاع الشرعي في القانون العراقي والالماني – مجلة القضاء ، ع1 ، س42 ، 1987 ، ص 142 .
11- د. محمد زكي محمود / آثار الجهل والخلط في المسؤولية الجنائية ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1967 ، ص 273 وما بعدها .
12- د. احمد فتحي سرور – الوسيط في قانون العقوبات ـ القسم العام ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1989 ، ص268 .
13- ينظر ص 27 من الرسالة .
14- د. محمد نعيم فرحات / المرجع السابق ، ص505 .
15- د. عبد الرؤوف مهدي / المسؤولية الجنائية عن الجرائم الأقتصادية ، الأسكندريه ، منشأة المعارف ، 1976 ، ص271.
16- د. محمد نعيم فرحات / المرجع السابق ، ص506.
17- قرار رقم 501 في 11/5/1976 – مجموعة الأحكام العدلية ، ع2 ، س7 ، 1977 ، ص371.

تكييف التجاوز في الإباحة
ظهرت ثلاثة اتجاهات في تكييف حالة التجاوز بوصفها ظرفا” يقترن بالواقعة التجاوزية فهو ليس سابقا” عليها أو لاحقا” لها ، وحكمه في القانون يتمثل في تخفيف(1)العقوبة بحق المتجاوز ، الاتجاه الأول يرى ان التجاوز هو ظرف قضائي ، في حين ذهب الاتجاه الثاني الى انه عذر قانوني ، أما الأتجاه الثالث فقد وقف موقفا” وسطا” بين الأتجاهين السابقين، وهذا ما سنتولى بحثه تباعا” .
أولا” : التجاوز ظرف قضائي
يرى جانب من الشراح(2) ان التجاوز هو ليس عذرا” قانونيا” مخففا” ، وانما هو ظرف قضائي مخفف ، بأعتبار ان استخدامه جوازي للمحكمة ، فعلى الرغم من ان غالبية القوانين تنص عليه وتحدد سببه إلا انها تترك للمحكمة السلطة المطلقة في التخفيف من عدمه ، كما هو الشأن بالنسبة لسائر الظروف القضائية ، ومن دلك مثلا” ما قررته (المادة 45) من قانون العقوبات العراقي والتي نصت على ( . . . وانما يجوز للمحكمة في هذه الحالة ان تحكم بعقوبة الجنحة بدلا” من عقوبة الجناية ، وان تحكم بعقوبة المخالفة بدلا من عقوبة الجنحة ) وبموجب هذا النص يكون القانون قد منح القاضي سلطة الحكم على المتجاوز سواء كان التجاوز عمدا” أو اهمالا” .

كما ذهب بهذا الاتجاه جانب من الفقه المصري(3) بالأستناد الى نص (المادة 251 ) من قانون العقوبات المصري والتي نصت على ( . . . ومع ذلك يجوز للقاضي اذا كان الفعل جناية ان يعده معذورا” اذا رأى لذلك محل ، وان يحكم عليه بالحبس بدلا” من العقوبة المقررة في القانون ) من أن حكم هذه المادة لا يعدو ان يكون ظرفا” قضائيا” مخففا” من قبيل ظروف الرأفة ، وذلك لأن القانون في مثل هذه الظروف يترك تقدير طبيعتها ومن ثم توافرها من عدمه للقاضي الذي يملك في ذلك سلطة تقديرية مطلقة ، وما (المادة 251) إلا امتداد لسلطة القاضي التقديرية .

ثانيا” : التجاوز عذر قانوني
يذهب انصار هذا الاتجاه(4) الى ان حكم التجاوز هو عذر قانوني وليس ظرفا” قضائيا”، ويرون ( ان مبدأ التخفيف في ذاته ليس جوازيا” للقاضي كما يعتقد البعض ، رغم ان المشرع لم ينص على وجوب التخفيف ، ويرون أيضا ان السلطة الجوازية للقاضي هي في تحديد مقدار التخفيف الذي يتفاوت تبعا” للاعتبارات المختلفة في تحقيق العدالة وتفريد العقاب. كما يذهب انصار هذا الاتجاه ايضا” الى ان القاضي مهما كان اختياره وكانت سلطته في التقدير فهو لا يملك تطبيق هذا العذر والتخفيف بمقتضاه إلا في حالة التجاوز وهي حالة عينها القانون على وجه التخصيص .
ثالثا” : التجاوز ذو طبيعة خاصة
في هذا الأتجاه يرى جانب من الشراح(5) ان التجاوز ذو طبيعة خاصة يجمع بين خصائص كل من العذر القانوني والظرف القضائي ، فهو يتفق مع الأعذار القانونية في ان الشارع قد نص عليه وقصره على حالة معينة وهي تجاوز حدود الإباحة ، ويتفق مع الظروف القضائية من حيث ان للقاضي اذا ما تحقق من توافر شروطه ، الخيار في تخفيف العقوبة بحسب ظروف كل واقعة على حدة .

كما وصفه البعض منهم(6) بأنه عذر قانوني – قضائي ، بمعنى انه عذر مخفف يسهم فيه كل من المشرع والقاضي بنصيب على وفق طبيعة وقدرة كل منهما ، فالأول يملك التقرير والثاني يملك التقدير. وفي اعتقادنا ان هذا الأتجاه الأخير هو الأقرب للصواب في أعتبار التجاوز عذرا” من نوع خاص يجمع صفات الأعذار القانونية والظروف القضائية ، فهو يتفق مع العذر في ان الشارع خصه بالنص وقصره على حالة معينة ، ويتفق مع الظروف في ان التقدير فيه متروك للقاضي ، فله تحري وقائع العدر والتثبت من تحققها ، وله تقرير وجودها او عدم وجودها ، ومن ثم تقدير العقوبة .
____________
1- اسباب التخفيف نوعان : اعذار قانونية وظروف قضائية ، النوع الأول يميزها ان التخفيف فيها وجوبيا او ملزما للمحكمة يحدده المشرع بنص قانوني في حالات معينة ، بحيث يلزم القاضي بالنزول بالعقوبة عن حدها الأدنى .
أما النوع الثاني فهو غير محدد على سبيل الحصر ، ويمكن للقاضي استظهارها بمقتضى سلطته التقديرية ومن ثم النزول بالعقوبة عن حدها الأدنى اذا وجد ظروفا تستدعي ذلك.
د. فخري الحديثي / الأعذار القانونية المخففة للعقوبة ، رسالة دكتوراه ، بغداد ، جامعة بغداد ، 1979 ، ص 3 ؛ د. علي حمزة عسل / الظروف القضائية المخففة في التشريع العراقي ، رسالة ماجستير ، بغداد ، جامعة بغداد ، 1990 ، ص38 ومابعدها .
2- د. حميد السعدي – شرح قانون العقوبات الجديد ، ج1 ، بغداد ، مطبعة المعارف ، 1970، ص 344 ؛ د. فخري الحديثي – شرح قانون العقوبات – القسم العام ، بغداد ، مطبعة الزمان ، 1992، ص174 .
3- علي زكي العرابي / شرح القسم العام من قانون العقوبات ، مصر ، مطبعة الاعتماد ، 1925 ، ص84 ؛ د. محمد مصطفى القللي / في المسؤولية الجنائية ، مصر ، مكتبة عبد الله وهبة ، 1945 ، ص370.
4- د. سمير الشناوي / النظرية العامة للجريمة والعقوبة في قانون الجزاء الكويتي ، الكويت، مطبعة وزارة الداخلية ، 1988، ص381 ؛ د. محمود ابراهيم اسماعيل – شرح الاحكام العامة في قانون العقوبات ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1959، ص487 ؛ د. علي راشد – القانون الجنائي ، ط2 ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1974، ص633.
5- د. هلالي عبد اللاه احمد / شرح قانون العقوبات – القسم العام ، القاهرة ، دار النهضة العربية ، 1987 ، ص365 ؛ د. محمد نعيم فرحات -النظرية العامة لعذر تجاوز حدود حق الدفاع الشرعي ، القاهرة ، ار النهضة العربية ،1981 ، ص438 ؛ د. مأمون محمد سلامة – قانون العقوبات – القسم العام ، القاهرة ، دار الفكر العربي ، 1979، ص234 ومابعدها.
6- د. السعيد مصطفى السعيد – الاحكام العامة في قانون العقوبات ، ط4 ، القاهرة ، دار المعارف ، 1962 ، ص216 ؛ د. يسر أنور علي و د. علي راشد – شرح النظريات العامة للقانون الجنائي ، القاهرة ، مطبعة الاستقلال الكبرى ، 1973 ، ص585.

حــدود عقوبــة التجــاوز فـي الإباحــة
تقضي القواعد العامة عند تحقق التجاوز وقيام المسؤولية ، ان يعاقب الفاعل على تجاوزه بالعقوبة المقررة للجريمة المرتكبة ، لكن العدالة تقضي ايضا” ، ان تراعى ظروف التجاوز ، بوصفها ظروف اباحة ، ويتم تخفيف العقوبة على اساس تلك الظروف . وبذلك فقد نصت كثير من القوانين على تخفيف عقوبة التجاوز في الاباحة ، وان تباينت مواقفها من حيث النص عليها ، سواء في مقدار العقوبة او في نوعها ، فمنها ما رأت لزوم تخفيف العقوبة والنزول عن حدها الاقصى المقرر لها في حالتها الاعتيادية ، وبدرجات متفاوتة ايضا ، كالقانون العراقي (المادة 45 ) عقوبات والمصري (المادة 251 ) عقوبات ، في حين رأت اخرى وجوب الاعفاء من العقاب بالكلية اذا اقترن التجاوز بحالة نفسية افقدت الفاعل السيطرة على ارادته ، بان كان التجاوز ناتجا عن اضطراب ورعب ، وان تعرضت بعضها لاحدى حالات الاباحة وهي ممارسة حق الدفاع الشرعي فقط ، كالقانون السوري (المادة 227 )عقوبات واللبناني (المادة 228 ) عقوبات ، والقانون الالماني (المادة 33) عقوبات ، اما قانون العقوبات الايطالي فهو لم يعالج التجاوز العمدي ولا التجاوز غير العمدي، ولكن في حالة وقوع تجاوز تعد الجريمة غير عمدية ، اذا كان القانون يعاقب عليها بهذه الصفة .

اولا” : تخفيف عقوبة التجاوز العمدي
ان التجاوز العمدي ، ينشئ جريمة تجاوزيه عمدية ، وذلك بانصراف ارادة المتجاوز حسن النية إلى احداث السلوك التجاوزي ونتيجته ، ومتى استظهرت المحكمة ذلك فان عليها ان تعد المتهم معذورا” ، على وفق نص (المادة45) من قانون العقوبات العراقي ، وان تحكم عليه بعقوبة الجنحة اذا كان الفعل التجاوزي العمدي قد شكل جناية ، وبذلك يكون للقاضي السلطة التقديرية بالحكم بين الحد الاقصى والحد الادنى لعقوبة الجنحة(1) التي نزل اليها ، حسبما يترائى له من ظروف وملابسات الواقعة ، وحسب درجة التجاوز ، حيث يمكن ان يصل بالعقوبة إلى حد الحبس اكثر من ثلاثة اشهر . كما يمكن ان يحكم بعقوبة المخالفة (2) بدلا” من عقوبة الجنحة ، اذا كان التجاوز العمدي قد نتج عنه جريمة الجنحة ، متدرجا” بين حديها الاقصى والادني ، طبقا” لقناعته ومن خلال ماعرض عليه من ادلة ووقائع ، وهذا ما قضت به محكمة التمييز في العراق في قرار لها ( بادانة المتهم على وفق المادة (405 ) من قانون العقوبات العراقي وبدلالة المادة (45) منه لقتله المجنى عليه ، وحكمت عليه بالحبس الشديد لمدة سنتين ، لتجاوزه حق الدفاع الشرعي)(3) .

ثانيا” : تخفيف عقوبة التجاوز غير العمدي
ان تحقق التجاوز في الاباحة بنشاط غير عمدي امر طبيعي ، بأن يكون ذلك ناتجا” عن اهمال ، فليس من المنطقي ان يطالب المتجاوز بالتمهل ، ووزن افعاله بميزان دقيق عليه تتجه اغلب القوانين إلى تخفيف عقوبة المتجاوز بأهمال ، بالنص على ذلك صراحة ، كالقانون العراقي في (المادة 45) منه بقولها ( واذا تجاوز المدافع عمدا او اهمالا …)، وسواءا” أكانت محصلة هذا الاهمال جناية ام جنحة ، فان للقاضي النزول بالعقوبة المقررة للجريمة ، …. كذلك نص قانون العقوبات المصرى على ذلك في (المادة 251) بقوله (…دون ان يكون قاصدا” احداث ضرر اشد مما يستلزمه هذا الدفاع … ) وفي حالة الجناية فقط ، وذلك بالنزول بالعقوبة إلى حد الحبس الذي يمكن ان يصل إلى (24) ساعة استنادا” لنص (المادة 18) منه او الحبس الذي يمكن يصل الى ثلاثة اشهر ، استنادا” لنص (المادة17).

وبهذا الصدد يذهب جانب من الفقه المصري(4) ، ان المحكمة متى سلمت بتوافر اركان الدفاع الشرعي ، فلها ان تختار بين امرين ، اما تطبق (المادة 251) اذا رأت ان المتهم جديرا” بالتخفيف ، اما اذا رأت ان المتجاوز في تجاوزه لايستحق التخفيف طبقت عليه (المادة 17) الخاصة بظروف الرأفة . كما نص قانون العقوبات الليبي على تخفيف عقوبة التجاوز غير العمدي فقط ، في (المادة 73) منه بقولها ( اذا تعدت خطأ الافعال المنصوص عليها بالمواد السابقة … يعاقب مرتكبها بعقوبة الجرائم الخطئية…) وكذلك ما نصت عليه (المادة 55) من قانون العقوبات الايطالي بقولها (اذا ارتكبت احدى الوقائع … متجاوزه بغير عمد … ) . وكذا الحال في قانون عقوبات اليمن ، حيث نصت (المادة 30) منه على انه ( اذا تجاوز الشخص باهمال حدود الاباحة او الضرورة أو الدفاع الشرعي ، يعاقب على هذا التجاوز اذا كان القانون يجرمه بوصفه جريمة غير عمدية ) .

ثالثا” : تخفيف عقوبة التجاوز المبني على اعتقاد خاطىء
انفرد قانون العقوبات العراقي بالنص صراحة على اباحة الدفاع الشرعي المبني على اعتقاد خاطىء وبشرط توافر الأسباب المعقولة ، في (المادة42/1) منه ، كما أنه تميز بالنص على حالات ثلاث للتجاوز في (المادة 45) ، فضلا” عن نصه على حالة التجاوز العمدي وحالة التجاوز بأهمال ، فانه لم يغفل ان يقع التجاوز من شخص اعتقد خطأ انه في حالة دفاع شرعي ، وما يدلل على ذلك ، انه سبق هذه الحالات بعبارة ( و اذا تجاوز ) ثم اتبعها بعبارة ( فانه يكون مسؤولا”) وهذا ان دل على شئ ، فإنما يدل على ان المشرع اراد بيان مسؤولية الشخص الذي يعتقد انه في حالة دفاع شرعي ، وبالطبع بعد ان يكون ذلك الأعتقاد قد بني على أسباب معقولة ، وإلا فلا قيام لحالة الدفاع الشرعي أصلا” ، ومن ثم فلا مجال للحديث عن التجاوز فيما بعد .فالشخص الذي يعتقد انه في حالة دفاع شرعي لا يختلف عن الشخص الذي يكون حقيقة في حالة دفاع شرعي ، فالامر لا يخلو ان يكون واحدا” من ثلاث حالات ، فهو اما ان يمارس افعال دفاعه بدون تجاوز ، واما ان يتعمد التجاوز ، واما ان يتجاوز خطأ او بدون قصد ، ومثال الحالة الاولى ، ان يشاهد حارس ليلي شخصا” متوجها” نحوه ، فينادي عليه مستعلما” عن هويته ، فاذا لم يجبه اطلق النار في الهواء ، فاذا لم يستجب لذلك واستمر بالتقدم نحوه ، اطلق النار صوب ساقيه ليعجزه عن الحركة .

ففي جميع هذه الاحوال يعد الحارس ملتزما” حدود الدفاع الشرعي ، اما انه يطلق النار مباشرة عليه في أي مكان من جسمه ، فذلك تجاوز عمدي ، او انه يهمل في تسديد الضربة لساقه ، فيصيب أسفل بطنه ، فذلك تجاوز خاطئ ، او غير متعمد . وبهذا الصدد قضت محكمة التمييز في العراق في احد قرارتها قائلة (…يتضح بانه لم تتوفر في الحادث حالة الاستفزاز الخطير من جانب المجنى عليه ، كما ذهبت اليه محكمة الجنايات ، وانما كان المتهم قد اعتقد خطأ انه في حالة دفاع شرعي ، عندما اطلق الرصاص علي المجنى عليه في حين انه تجاوز هذا الحق ، لان الوضع الذي كان فيه عندما اطلـــق الرصاص ، لا يبيح له توجيه النار إلى وجه المجنى علـيه ، فتصـبح اصابة المتهم للمجنى عليه في محل خطير من جسمه ، اكثر مما يستلزمه حق الدفاع الشرعي ، وعليه واذ ان العقوبة التي فرضتها المحكمة على المدان على وفق (المادة 405) من قانون العقوبات العراقي وهى الحبس لمدة سنتين ، جاءت مناسبة مع كيفية وقوع الحادث ، لذلك قرر تصديقها تعديلا” بالاستدلال بـ (المادة 45) منه ، وبدلالة (المادتين 128 و 130) (5) .

وفي قرار لمحكمة جنايات بابل كانت قد ادانت المتهم على وفق (المادة 405 ) من قانون العقوبات العراقي ، وبدلالة (المادة 45) منه وحكمت عليه بالحبس لمدة سنة واحدة لتجاوزه حق الدفاع الشرعي ، الا إن محكمة التمييز عدت الواقعة قتل عمد على وفق (المادة 405) قائلة (حيث لم يثبت انه كان في حالة تجاوز الدفاع الشرعي ) رغم ان ما ذكرته في حيثيات حكمها يدل بصورة واضحة على ان المتهم كان في حالة اعتقاد خاطئ انه في حالة دفاع شرعي ، وفي مواجهة خطر حال ، وان ذلك كله مبني على اسباب معقولة . فقد ورد في قرار محكمة التمييز (لدى التدقيق والمداولة وجد ان المتهم وكما ورد في اقواله واعترافه في كافة ادوار التحقيق والمحاكمة ، انه كان جالسا” في ارضه الزراعية وحضر المجنى عليه واستفسر منه عن سبب حضوره ، رغم انه كانوا قد هددوه سابقا” بالقتل، ورغم ان الطريق المذكور لا يؤدي إلى دار المجنى عليه ، فأجابه ان لا احد يمنعه من السير في هذا الطريق ، وشاهده يمد يده تحت عباءته التي كانت ملفوفة على جسمه ، وكانت البندقية العائدة للمتهم بالقرب منه ، فاخذها واطلق منها ثلاث اطلاقات اصابت المجنى عليه مقتلا” ، فسقط مفارقا” الحياة ، وقد تعزز هذا الاعتراف بمحضر الكشف على محل الحادث ومخططه، وبالتقرير الطبي التشريحي لجثة المجنى عليه ، ومحضر ضبط السلاح وتقرير الادلة الجنائية) (6) . يتضح مما سبق ان المتهم كان في حالة اعتقاد بتوافر خطر حال على نفسه ، فالتهديد المسبق بالقتل من قبل المجنى عليه وذويه ، وقدومه لمكان تواجد المتهم ، ومد يده تحت عباءته الملفوفة على جسمه ، كلها اسباب معقولة لاعتقاد المتهم بتوافر الخطر الحال ، إلا انه تجاوز ذلك بقتله المجنى عليه عمدا” .

إغلاق