دراسات قانونية

المقاربة الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي (بحث قانوني)

المقاربة الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي

كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة الجيلالي اليابس بسيدي بلعباس – الجزائر
نيابة العمادة للدراسات ما بعد التدرج والبحث العلمي
والعلاقات الخارجية
قسم الماجستير ( 2006-2010)
التخصص : القانون الدولي والعلاقات الدولية
تاريخ المناقشة : 04 مارس 2010
من إعداد الطالب : :
ذ عبد المومن بن صغير

تحت إشراف الأستاذ الدكتور
نعيمي فوزي .

مقدمـــة:

من المسلم به أن كل دولة من دول العالم المختلفة تسعى إلى إحداث قفزة نوعية نحو بلوغ التنمية( )بجميع أبعادها، لاسيما النمو والتقدم الاقتصاديين، والذي يلزم لتحقيقه توافر مجموعة من العوامل وتضافرها، سواء كانت قانونية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية ( )،ويأتي في مقدمة تلك العوامل “الخبرة الفنية والعلمية” أو التكنولوجيا، بالإضافة إلى “رأس المال”، الذي يعتبر شريان التنمية الاقتصادية في العصر الحديث وينقسم المجتمع الدولي من الناحية الاقتصادية إلى قسمين رئيسين: أحدهما متقدم، يملك رأس المال والخبرة العلمية والفنية، وآخر نام يحتاج لأحد العنصرين أوكليهما معا، وعليه يمكن أن تنشأ علاقة اقتصادية قانونية بينهما، فالبلدان النامية لطالما عجزت عن تحقيق التنمية بالاعتماد على إمكانيتها الذاتية بسبب ضعف الادخار المحلي تارة، وانخفاض مستوى الدخل القومي تارة أخرى، فضلا عن غياب التكنولوجيا “التقنيـة” الحديثة التي تعتبر رأس كل تقدم، لذلك تظهر الحاجة إلى ضرورة استقطاب المال الخارجي للإسهام في عملية التنمية الاقتصادية .

في المقابل فالدول المتقدمة بحاجة إلى إيجاد أسواق تستثمر فيها رؤوس الأموال الفائضة لديها، من هنا يعد انتقال رأس المال والخبرة العلمية والفنية أحد أهم المعالم الرئيسية التي يرتكز عليها الاقتصاد العالمي في وقتنا الراهن، خاصة في ظل بزوغ العولمة المالية وتحرر الأسواق، ولعل القناة الرئيسية التي يتجسد عبرها هذا الانتقال هي ما اتفق على اصطلاحه بالاستثمار الأجنبي( ).

وقد مر الاستثمار الأجنبي بعدة تطوات تاريخية ساهمت بشكل كبير في البحث عن الوسائل والأدوات القانونية لإضفاء صبغة الحماية الدولية عليه، وقد تكرس ذلك تاريخيا ابتداء من ظهور بعض القواعد العرفية الدولية التقليدية للقانون الدولي، والتي تبلورت من خلال ما وضعته من قواعد تنظم الوضع القانوني للأموال الأجنبية عموما، وهو ما تجسد في الحد الأدنى للحماية الدولية الموضوعية والإجرائية.

بعد ظهور العولمة وتطور العلاقات الاقتصادية الدولية من خلالبروز الشركات المتعددة الجنسيات ( ) وسيطرتها على الاقتصاد العالمي بصفة عامة، وأثرها على توجهات الاستثمار الدولي بصفة خاصة، وفي خضم تلك الظروف اتضح للدول النامية مدى قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية وعجزها عن توفير الحماية الضرورية واللازمة للاستثمارات الأجنبية من خلال انعدام الحماية ضد المخاطر غير التجارية الواقعة في ظل الظروف الاستثنائية بالإضافة إلى محدودية التعويض في إطار الأعراف الدولية، أضف إلى ذلك الصعوبات والإشكاليات التي تثيرها ممارسة الحماية الدبلوماسية في حالات انعدام وتعدد الجنسيات وكذا اعتبارات الدولة السياسية.

إن التغير الذي حدث في العلاقات الدولية، وما صاحب ذلك من تطور خاصة في الميدان الاقتصادي الدولي هو الذي أدى إلى ظهور فكرة التخلي عن الأعراف الدولية كسبيل لحماية الاستثمارات الأجنبية ، فالدول النامية قد تشكل لها هاجس إزاء هذه الأعراف التي لم تشارك في وضع قواعدها( ) والتي لم تكن تراها إلا مظهرا من مظاهر تكريس الهيمنة الاستعمارية، فهذه القواعد قد وضعت خصيصا لحماية وتغليب مصالح الدول المصدرة لرؤوس الأموال على حساب الدول المستوردة لها من خلال مرحلة تاريخية أعطت فيها الدول الأوربية لنفسها حق تنظيم الشؤون الدولية، وسلطة مراقبة قواعد القانون الدولي، مما دفع بالكثير منها وخاصة حديثة الاستقلال إلى التشكيك في تلك القواعد معتبرة إياها مجرد مرحلة استعمارية تميزت فيها العلاقات الدولية بالهيمنة والاستقلال، الأمر الذي دفعها إلى المطالبة بإعادة النظر فيها واستبدالها ( ).

فالدول النامية كانت ترى انه لا معنى لوجود قواعد القانون الدولي التقليدي، ما لم يكن لهذه الدول الحق في فرض سيادتها على ثرواتها الطبيعية،حيث أرتبط مفهوم مبدأ سيادة الدولة من وجهة النظر التاريخية بظهور الدولة الحديثة فبعد أن كان الاتجاه القديم يرى أن للدولة سيادة مطلقة، ولا يقيدها في ذلك إلا إرادتها، استقر الفقه التقليدي على أن سيادة الدولة مقيدة بما تفرضه قواعد القانون الدولي العام من التزامات تعلو على إرادة الدول، غير أن غالبية الفقه الحديث يتمسك بمفهوم السيادة كركيزة أساسية لحماية مصالح الدول، ولضمان ممارستها لسيادتها الدائمة على مواردها وثرواتها الطبيعية، والتي تعود ملكيتها للدولة صاحبة الإقليم، تستعملها بكل حرية بما يتلاءم مع مصالحها ومتطلبات تنميتها، فسيادة الدولة على مواردها وثرواتها الطبيعية تستند على مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى مبدأ التساوي في السيادة بين جميع الدول، ولكل الدول وفقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة، وما تقره قواعد القانون الدولي العام( ) وذلك تجسيدا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي، وحقها في التأميم ومراقبة الأشخاص الأجانب الموجودين على إقليميها، في حين كانت ترى الدول المصدرة لرؤوس الأموال بأن القانون الدولي يمنح للأجانب حق التمتع بالحد الأدنى من الحماية الدولية لا يجوز للدولة المضيفة تجاهله .

وفي خضم المواقف المتعارضة واتسام الوضع الدولي بالتعقيد( )،كان لابد من ضرورة وضع قواعد دولية جديدة يتم من خلالها وضع حدود لحرية وسلوك ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات، خاصة وإن القانون الدولي قد شهد صراعات بين البلدان المستقبلة للاستثمار و المستثمرين الرامين إلى وضع حدود لحرية البلدان المستقبلة للرأسماليين.

وسعيا نحو محاولة التوفيق بين المصالح المتضاربة، بدا من الضروري التفكير في إيجاد نظام دولي شامل وموحد لتنظيم الاستثمارات الأجنبية، حيث ظهرت جهود المجتمع الدولي سواء على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي في إطار ما يعرف ب”محور الجهود الجماعية الدولية”، وذلك للبحث عن آليات دولية فعالة يتم بموجبها وضع إطار دولي عادل ومتوازن لضبط سلوك الشركات المتعددة الجنسيات من جهة وحماية المصالح المشتركة من جهة أخرى.

وقد ظهرت بوادر التفكير في إيجاد مشروع عالمي موحد للاستثمارات الأجنبية إلى بداية الثلاثينات بعد الأزمة التي عرفها الاقتصاد العالمي، مما دفع بعصبة الأمم المتحدة عام 1929 إلى تبني الفكرة، و قد تمحور موضوعها حينه حول إنشاء ميثاق متعدد الأطراف يكون بمثابة النمط السلوك( )، ثم توالت الجهود والمحاولات الدولية الساعية لوضع قواعد منظمة لنشاط الاستثماري على المستوى الدولي ، سواء من قبل المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية “NGOS”، واعتبر ميثاق هافانا الذي انشأ المنظمة الدولية للتجارة( ) في سنة 1948 كأول محاولة للتنظيم على المستوى الحكومي للاستثمارات الدولية .

ثم جاءت محاولات أخرى في إطار المنظمات الدولية الحكومية ،مثل ما هو الشأن بالنسبة لمؤتمر التجارة والتنمية سنة 1964، وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية سنة 1965، كما وضعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE ” مشروع اتفاقية حماية الأموال الأجنبية التي تمت الموافقة عليه في 12نوفمبر1967، ودور الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 ، وكذا الإعلان الثلاثي الصادر عن منظمة العمل الدولية عام 1977.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد بادرت منظمات دولية حكومية اقتصادية ومالية على غرار ما قامت به المنظمات السياسية السابقة مثل الأطروحة التي تقدم بها صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي، والخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي، بالإضافة الاتفاق حول إجراءات الاستثمار في إطار المنظمة العالمية للتجارة “OMC”.

ولنفس السبب بذلت محاولات من اجل وضع تقنين شامل للقواعد التي تنظم حقوق وواجبات هذه الاستثمارات على المستوى العالمي، وضبط حرية سلوك ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات والتقيد من تصرفها إزاء تعاملها مع البلدان النامية خاصة فيما يتعلق بطرح قضايا تتعلق بالتعويض في حالة التأميم وإعادة التفاوض حول عقود الامتيازات وخاصة المتعلقة باستغلال المواد الأولية ( )، وذلك من قبل منظمات دولية غير حكومية.

وقد كان لهذه المنظمات دور فعال ومشاركة قوية في إرساء السياسات المتعلقة بالاستثمارات الدولية، ورغم أن هذه المساهمات ليست بطبيعتها حكومية وليست ملزمة إلا أنها تشكل مقاربة جديدة في التعامل مع المواضيع المصيرية ،التي لها علاقة مباشرة بحياة الشعوب ومستقبلها التنموي ( ) .
بعد الجهود العالمية نحو إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية ، اتجهت الدول إلى العمل الإقليمي وقد ظهرت مجموعة من المحاولات الجهوية، نذكر على سبيل المثال تقنين اندين في أمريكا اللاتينية الذي ظهر على مستوى الدول المستقبلة لرؤوس الأموال ، ومبادرة اللجنة الأوروبية ، بالإضافة إلى تنظيم الاستثمار على المستوى العربي . منذ ذلك الوقت والمجتمع الدولي يسعى جاهدا نحو الوصول إلى ميثاق عالمي متعدد الأطراف لحماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية، غير انه فشل قي تحقيق تلك الغاية لصعوبة التوفيق بين ضرورة توفير معاملة عادلة وضمان معاملة فعالة لها من جهة، واحترام سيادة الدول المضيفة خصوصا الدول النامية من جهة أخرى، مما أوجد تباينا في مواقف الدول حول التعامل مع هذه الاستثمارات،فالدول الغربية المصدرة لرأس المال ترى أن انتقال الحر لرؤوس الأموال الخاصة على أسس تجارية يؤدي إلى النمو المتوازن للاقتصاد العالمي، ومن ثم يدعم مجهودات التنمية في الدول المتخلفة. لذا فان هذه الدول تعترض على محاولات الدول المضيفة إخضاع الاستثمار الأجنبي لرقابتها أو فرض قيود عليه، بينما الدول النامية المستوردة لرأس المال لا تحبذ ترك الحبل الغارب للاستثمارات الأجنبية، بل لابد من أن يكون تشجيع هذه الاستثمارات في إطار خطة الدولة الاقتصادية والأهداف التي تبتغي تحقيقها من جراء تشجيعها للاستثمارات الأجنبية مما يقتضيه ذاك من إخضاع هذه الاستثمارات لما تفرضه الدولة من قيود وضوابط تخدم أهدافها القومية( ) .
وبسبب فشل المجتمع الدولي بدا واضحا أن فكرة توقيع اتفاق دولي لحماية الاستثمارات الأجنبية، أضحى أمرا مستعصيا إن لم نقل مستحيلا، لذلك لم يكن أمام الدول إلا البحث عن وسائل قانونية أخرى لتحقيق هذه الغاية ولكن في نطاق أضيف من العالمية فكان الاتجاه نحو إبرام الاتفاقيات الثنائية بغرض حماية وتشجيع هذه الاستثمارات وتعتبر الاتفاقيات الثنائية أهم وسيلة ناجعة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية، حيث أصبحت في العصر الحديث الأكثر استعمالا على مستوىالعلاقات الاقتصادية الدولية، ولعل الدور الكبير الذي تضطلع به هو الذي كان سببا رئيسيا في توسعها( ).
يتمثل دور هذه الاتفاقيات في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية من خلال ما تحتوي عليه هذه الاتفاقيات عموما على تعريف جد واسع للاستثمار.وذلك بهدف تمكين الدول المصدرة للرساميل خاصة من ضمان حماية فعالة لها( ) .
كما تنص الاتفاقيات الثنائية في مجال معاملة الاستثمار على مبدأ المعاملة الوطنية وشرط الدولة الأكثر رعاية، وتؤكد تلك الاتفاقيات على أن أفضل المبدئيين يطبق على الاستثمارات المعنية، والنص على هذين المبدئيين يكتسي أهمية خاصة في حالة ما إذا كان البلد المستقبل للاستثمار يمنح للمستثمرين الأجانب مزايا لا يمنحها لرعاياه، كما تلعب الاتفاقيات الثنائية دورا كبيرا في منع الازدواج الضريبي الذي يشكل أهم عقبة تعترض سبيل المستثمر الأجنبي.
أسباب اختيار الموضوع:
مما سبق فقد جاء اختياري لموضوع البحث: “المقاربة الثنائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي و ما دفعني إلى هذا الاختيار عدة اعتبارات منها:
– الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها الاتفاقيات الثنائية في العصر الحديث، حيث أصبحت أهم وسيلة فعالة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية.
-إن الاتفاقيات الثنائية تضم أحكام سهلة مماثلة لتلك التي ينص عليها القانون الوطني، وإنها تعطي للمستثمر الأجنبي حرية واسعة ومعاملة أفضل من تلك التي توفرها له المشروعات الدولية لتوحيد القواعد الدولية لمعاملة الاستثمارات الأجنبية.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتميز بالمرونة والبساطة والدقة في تحديد الحقوق والالتزامات وتنوعها وذلك لأنها تستجيب لرغبة المتعاقدين وتراعي ظروفهما المشتركة ، من خلال محاولة إقامة وتثبيت التوازن بين مصالح الأطراف المتعاقدة.
-تضم الاتفاقيات الثنائية آليات قانونية سهلة لتسوية النزاعات بين الدولة والمستثمر الأجنبي، فهي تجنب الخلاف بين الدولتين المتعاقدتين حول تكييف وتطبيق أحكام الاتفاقية مما يقلل من المنازعات بينهما، خاصة في ظل عدم توصل المجتمع الدولي إلى إنشاء آليات لهيئة التحكيم العالمية تتولى توحيد الحلول القانونية بشأن منازعات الاستثمار.
-إن ضعف الأنظمة القانونية الوطنية في التصدي للمعوقات التي تعترض سبيل الاستثمارات الدولية، هو الذي شجع إلى اللجوء لإبرام الاتفاقيات الثنائية التي تحتوي على أحكام تكفل للاستثمار الأجنبي الحماية القانونية له، خاصة في منع الازدواج الضريبي.
-ضعف القواعد العرفية الدولية التقليدية في توفير الحماية الضرورية واللازمة للاستثمار.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتضمن ضمانات إجرائية لحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، فهي تحيل إلى التحكيم الدولي الذي يكفل بدوره تسوية النزاعات بطريقة سريعة وسهلة، كما أنها تضفي عليه حماية قوية بخلاف ضعف الحماية القانونية لأنظمة الاستثمار الوطنية، فبالرغم من قيام العديد منبلدان بإصلاحات قانونية، منها منح المعاملة المتساوية للاستثمارات الأجنبية والوطنية، ومنع المصادرة والنص على التعويض السريع والكافي والفعال عند حدوث التأميم، إلا أنها مازالت تعاني من السماح الضمني بالمصادرة التعسفية، ومن ضعف النظام القضائي الذي يفرغ مفهوم التعويضالسريع والكافي من محتواه، هذا إضافة إلى أن إلزام المستثمر الأجنبي بإتباع طرق فض النزاعاتعبر الوسائل التقاضي المحلية، يجعل ذلك المستثمر أمام قضاء ضعيف ومعيب يقلص من ثقته في مناح الاستثمار.
-إن الاتفاقيات الثنائية تتضمن مسألة حرية إنهاء الاستثمارات التي تعتبر عامل من عوامل تشجيع، حيث تحتوي على حلول وسطى في موضوع الإنهاء، وهي حلول تتمثل أساسا في إمكانية إنهاء المستثمر لمشروعه الاستثماري كليا أو جزئيا، وأن لا تعترض الدولة المستقبلة على ذلك الإنهاء، إلا أنه يمكن لها تنظيم ذلك الإنهاء أخذة في ذلك أهداف خططها الاقتصادية بعين الاعتبار.
تلك هي أهم الاعتبارات التي حملتني على البحث في موضوع:” المقاربة الثنائية لجماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي “، وإثناء انجازي لهذا العمل واجهت العديد من الصعوبات أهمها:
-قلة المراجع والمعلومات المتعلقة بالموضوع ، وخاصة المراجع المتخصصة ، فهو موضوع حديث على مستوى المكتبة الجزائرية على الأقل ولم يلق عليه الضوء سابقا من طرف الباحثين والمهتمين بمجال الاستثمارات الدولية.
-وجود بعض المراجع شبه متخصصة في الموضوع ، ولكن بلغات أجنبية خاصة الفرنسية والإنجليزية وهو ما شكل لي صعوبة كبيرة في مجال الترجمة إلى اللغة العربية لاسيما الترجمة في المعنى.
-إن مجموعة من المراجع العربية تناولت هذا الموضوع ولكن من جانب جزئي ضيق جدا عن موضوع دارستي، فعالجت مسألة الاستثمار الأجنبي والاتفاقيات الدولية المتعددة الأطراف بينما دراسة الاتفاقيات الثنائية تبقى لها خصوصياتها التي تميزها عن غيرها من الاتفاقيات الدولية الجماعية.
-إن ارتباط هذا الموضوع بمواضيع معقدة لها علاقة وطيدة بمفهوم الاستثمار الأجنبي ، خاصة وأن عملية الاستثمار هي عملية مركبة تجمع بين المفهوم القانوني والاقتصادي ، كما أن هذه المواضيع في حد ذاتها متباينة فمنها ذو الطابع السياسي ومنها الاقتصادي بالمعنى الفني ومنها المالي وكذا التجاري ، وهذه الأسباب جميعها تعيق الدراسة النظرية لتطبيق اتفاقيات الاستثمار الثنائية.
تحديد إشكالية الدراسة:
تتمثل المشكلة في أن موضوع البحث عن نظام دولي موحد خاص بالاستثمارات الأجنبية يطرح معادلة صعبة، تتجلى في صعوبة التوفيق بين المصالح المتضاربة للدول النامية و الشركات المتعددة الجنسيات، فالأولى – أعني الدول المضيفة – تسعى إلى خلق مناخ استثماري ملائم من أجل جذب وتشجيع الاستثمارات الأجنبية الخاصة، ولا شك أن وجود قدر كاف من الحماية لرأس المال الأجنبي، ووجود طريقة ملائمة لتسوية المنازعات والتعويض عن الأضرار يشكل أحد العوامل الجوهرية في خلق مناخ جيد لنجاح الاستثمارات الأجنبية هذا من جهة، ومنجهة أخرى تحبذ المحافظة على مبدأ سيادتها، وعدم ترك مجال واسع وحرية للدول المصدرة للرساميل (الشركات متعددة الجنسيات ).
وإذا كان النظام القانوني الذي يحكم الاستثمارات الأجنبية في الدولة المضيفة من شأنه أن يلعب دورا هاما في تشجيع واجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية، و يقدم ضمانا لازما لها، غير أن عدم ثقة المستثمر الأجنبي بهذه التشريعات (الأنظمة القانونية الوطنية) جعل منها أداة قانونية غير فعالة.
من أجل ذلك كان من الطبيعي و اللازم البحث عن الوسائل المناسبة لتشجيع الاستثمارات الأجنبية و بصفة خاصة الوسائل الوسائل التي تمنح المستثمرين الاطمئنان الذي ينشدوه، وذلك لتوفير الضمان والحماية لاستثماراتهم في مواجهة المخاطر غير التجارية التي قد تتعرض لها هذه الاستثمارات في الأقطار المضيفة.
ودعما لهذا الاتجاه فقد ابتدعت عدة وسائل قانونية لإسباغ حماية موضوعية و إجرائية على الاستثمارات الأجنبية في الدول المضيفة ، وذلك استنادا إلى بعض المبادئ القانونية المقررة بمقتضى العرف الدولي من أجل توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية.
و نتيجة لتطور الحياة الاقتصادية الدولية فقد بدا واضحا عدم قدرة القواعد الدولية التقليدية المقررة بمقتضى العرف الدولي في توفير الضمان الكافي و الحماية اللازمة لرأس المال الأجنبي، لذلك بدا من الضروري البحث عن نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية خاصة و أن وظيفة القانون الدولي لم تعد تقتصر في المجتمع الدولي المعاصر على تنظيم العلاقات بين الدول فحسب، و غنما أصبحت مطالبة أيضا ببلوغ غاية معينة تتمثل في تحسين الظروف التي تعيشها الشعوب على كافة المستويات عن طريق تنميتها ، فقد تدخل المجتمع الدولي في تنظيم الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية، ووضع القواعد القانونية الكفيلة بحمايتها، سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي.
يمكن القول بصفة عامة أن المحاولات الجماعية متعددة الأطراف تقوم على أساس التسليم بالفوائد التي تعود على جميع الدول من وجود و انتشار الاستثمارات الأجنبية الخاصة، وأنها تتوخى غاية واحدة هي وضع مجموعة من المبادئ القانونية الموحدة بين الدول المصدرة لرؤوس الأموال و الدول المستقبلة لها، تكون بمثابة قواعد دولية تنظم سلوك الدول في مواجهة الاستثمارات الأجنبية الخاصة ، غير أن ذلك قد باء بالفشل ، و لإعطاء الموضوع حقه في الدراسة و التحليل ينبغي تحديد الإشكالية التي تطرح لتكون محلا لتناول الموضوع بالبحث ، فكانت في شكل تساؤلات علىالنحو التالي:
-ما هي أسباب و دوافع لجوء الدول إلى إبرام اتفاقيات الاستثمار الثنائية؟ و إلى أي مدى نجحت المقاربة الثنائية في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية ؟
-ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الاتفاقيات كآليات بديلة و فعالة لتنفيذ الاستثمارات الأجنبية ؟
– هل سيؤدي نجاح الاتفاقيات الثنائية إلى اعتبار الأدوات المتعددة الأطراف والجهود الدولية التي بذلت وسعت في إيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية أدوات تجاوزها الزمن؟ ولا تمثل سوى معلما من حقبة انتقالية في تطور القانون الدولي للاستثمارات، وخاصة في ظل التطور الذي عرفته العلاقات الاقتصادية الراهنة؟.
الجواب يتوقف على مدى التقدم الذي تحققه اتفاقيات الاستثمار الثنائية.
منهج البحث:
يتعين على الباحث عند قيامه بإعداد أي بحث بصفة عامة اختيار الأسلوب أو المنهج الذي يمكنه من الوصول إلى النتيجة التي يهدف إليها، ومن جانبنا فقد رأينا من بين مناهج البحث، وهو أسلوب تاريخي وصفي تحليلي، فهو أقرب المناهج إلى تحقيق النتيجة التي نهدف إليها من دراستنا، حيث اعتمدت في دراستي لإنجاز هذا العمل المتواضع على المنهج التاريخي ، حيث استعرضت مختلف التطورات التي حصلت على مستوى الاستثمارات الدولية من خلال الجهود الدولية العالمية و الإقليمية التي بذلت نحو إيجاد نظام دولي موحد و منظم للاستثمارات الأجنبية ابتداء من 1929 إلى غاية آخر المحاولات التي قامت بها منظمة التعاون و التنمية الاقتصادية OCDE عام 1995.
و التزمت قدر الإمكان التقيد بحدود الإشكاليات القانونية موضوع الدراسة ، معتمدا في ذلك على الأسلوب الوصفي من خلال تعداد حقائق و مزايا و أدوار الاتفاقيات الثنائية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي ، وكذا الأسلوب التحليلي ، تحليل المبادئ القانونية الخاصة بالحماية الموضوعية و الإجرائية للمال الأجنبي، و المقررة بمقتضى أحكام العرف الدولي لمعرفة مدى كفاية هذه المبادئ في توفير الحماية اللازمة و الكافية للاستثمارات الأجنبية.
كما أجرينا تحليلا لنصوص عدد من الاتفاقيات الدولية متعددة الأطراف والثنائية التي تعنى بحماية الاستثمار وتشجيعه، وعلى ضمان المخاطر التي يواجهها المستثمر في الأقطار المضيفة.
و قد قمنا بمناقشة الأفكار و تحليلها وفق ترتيب محدد من شأنه أن يخرج هذه الدراسة سعيا منا لإضفاء تكامل البناء و تناسق الأفكار قدر ما استطعت، كان واقعنا في ذلك تقديم عمل أكاديمي يضاف إلى سابق الأعمال لتشكل جميعها رصيد علمي متنوع ، يثري المكتبة و ينير السبل أمام كل دارس طالب للمعرفة و العلم.
هدف البحث و خطة الدراسة:
لعل من بين أهم الأهداف التي نسعى لتحقيقها من جراء دراستنا لموضوع البحث ” دور الاتفاقيات الثنائية في تطوير قواعد الاستثمار الأجنبي وتنفيذه ” تبيان دور وأهمية الاتفاقيات الثنائية في تطوير النظام القانوني للدولي للاستثمارات الأجنبية، حيث تشكل أداة أساسية لتنظيم الاستثمار الأجنبي وحمايته و تشجيعه، حيث أتاح هذا النوع من المعاهدات تحديد ماهية الاستثمار، وكذا ضمان الحقوق المتعلقة به بخصوص حق الملكية، تحويل الأرباح، وكذا التعويض في حال نزع الملكية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى عملت هذه الاتفاقيات على رفع الحد الأدنى للحماية الدولية العرفية الموضوعية والإجرائية، وبالتالي ما يميز هذه المعاهدات هو القواعد و الإجراءات الواردةفيها بشأن تسوية المنازعات، بحيث تستبعد تطبيق القواعد المتعلقة بنظام الحماية الدبلوماسية، وذلك إما بالتخلي عن الشروط المتصلة بممارستها أو بالتخفيف منها، ولهذا فهي تسعى لإخراج المنازعات المتعلقة بهذه الاستثمارات بين الدول المستقبلة والمستثمرين الأجانب من دواليب الآلية التقليدية للحماية الدبلوماسية، فالقواعد المتصلة منها بجنسية المطالبات واستنفاذ طرق الطعن الداخلية غير ضرورية هنا، وهذا ما يفضي إلى فرق واضح من نظام الحماية الدبلوماسية، فالأجراء هنا ذو طابع مباشر ودولي، وتعد الاتفاقية متعددة الأطراف لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى أحسن مثال يضرب في هذا الصدد.
وفي نظام تسوية المنازعات الخاصة بالاستثمارات الدولية، وخصوصا عندما تكون العلاقات القانونية تأخذ طابعا عبر دولي، و ذلك غالبا بوجود دولية نامية كأحد الأطراف وشخص خاصينتمي لبلد مصنع كطرف ثان، فإن الآليات الخاصة بتسوية النزاعات في هذا الإطار تتجنب الوقوع في قاعدة سمو القانون الوطني لأحد الأطراف، وذلك بالخضوع لقواعد دولية خاصة محايدة.
و لذا تنص بعض بنود معاهدات الاستثمار الثنائية على التسوية المباشرة للنزاعات المتعلقة بالاستثمارات التي قد تنشأ بين المستثمر الأجنبي والدولة المستقبلة أمام هيئات تحكيم دولية معينة، أو هيئة منشأة لهذا الغرض أو أمام “المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار بين الدول ورعايا الدول الأخرى”،كما قد تحيل بعض معاهدات الاستثمار الثنائية بخصوص تفسير أو تطبيق نص ذي صلة بالمعاهدة إلى هيئات تحكيم بين دولة جنسية المستثمر (شركة أو حامل أسهم) و الدولة المضيفة، و يكون لكل منهما الحق في اللجوء إلى هذه الهيئات، و هكذا توفر هذه المعاهدات وسائل انتصاف للأفراد المستثمرين تجاريا في الخارج، مما يجعل استثماراتهم أكثر أمنا، بحيث يمكن لهم اللجوء بموجبها مباشرة إلى هيئات تحكيمية في حالة نشوب أي نزاع مع الدولة المضيفة بشأن هذه الاستثمارات، شريطة أن توافق الدولة المدعى عليها و دولة المواطن المستثمر على هذه الإجراء.
و لبيان و جلاء تلك المعاني و الأفكار، ارتأيت معالجة هذه الدراسة ضمن فصلين مقسمين كما يلي:
الفصل الأول: تناولت فيه الأسباب والدوافع الرامية إلى اللجوء لاتفاقيات الاستثمار الثنائية، فكان المبحث الأول منه يخص قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية للقانون الدولي في توفير الحماية اللازمة والضرورية للاستثمار الأجنبي، و فيه وقفت على المظاهر التي تجسدت فيها هذه الحماية، ثم التطرق بعد ذلك إلى العوامل التي ساهمت على قصور القواعد الدولية العرفية في حماية الاستثمارات.
أما المبحث الثاني فقد خصص لفشل المجتمع الدولي نحو إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية، و فيه أشرت إلى مظاهر الجهود الدولية سواء على المستوى العالمي و الإقليمي و الوطني في وضع قواعد منظمة للنشاط الاستثماري، ثم ذكرت ذلك في نوع من التحليل إلى أسباب فشل هذه الجهود و المحاولات.
الفصل الثاني:فقد خصص لبيان ماهية الاتفاقيات الثنائية ودورها في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية، حيث تطرقت إلى تحديد ماهية الاتفاقيات الثنائية، انطلاقا من المبادئ العامة التي تحكم المعاهدات الدولية وفقا للقانون الدولي، فقمت بتعريف هذه الاتفاقيات الثنائية انطلاقا من المبادئ العامة التي تحكم المعاهدات الدولية وفقا للقانون الدولي، فقمت بتعريف هذه الاتفاقيات،وتبيان الخصائص التي تحكمها وتميزها عن غيرها من المفاهيم والمصطلحات المشابهة لها، ثم تناولت الإطار القانوني لمفهوم الاستثمار في ظل هذا النوع من الاتفاقيات، بالإضافة إلى ذكر القواعد الموضوعية التي تحكم تنظيم الاستثمار في ظل الاتفاقيات الثنائية، وذلك في نوع من التفصيل في المبحث الأول. في حين تطرقت في المبحث الثاني إلى إبراز دور الاتفاقيات الثنائية في تطوير النظام القانوني الدولي للاستثمارات الأجنبية من خلال تبيان دور الاتفاقيات الثنائية في حماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي. وفيه تطرقت في فرع أول إلى الحماية الموضوعية للاستثماراتالأجنبية الخاصة في الاتفاقيات الثنائية، والتي تجلت في الحماية الاتفاقية ضد مخاطر التأميم و نزع الملكية، وتناولت بعد ذلك الاتفاق على قدر التعويض وأوصافه.
أما في الفرع الثاني فقد تطرقت فيه إلى الحماية الإجرائية للاستثمارات الأجنبية في اتفاقيات الاستثمار الثنائية ، من خلال تبيان مبررات و أسباب اللجوء إلى التحكيم في ظل منازعاتالاستثمار، ثم إلى دور هذه الاتفاقيات في حل منازعات الاستثمار، ثم إلى دور هذه الاتفاقيات في حل نزاعات الاستثمار، بالاعتماد على التحكيم الدولي، إما بصفة متممة أو رئيسية،وقد تطرقت في مطلب ثان إلى حدود الاتفاقيات الثنائية في منع الازدواج الضريبي، و فيه تناولت مشكلة الازدواج الضريبي وأثره في إعاقة المستثمر الأجنبي، ثم إلى مكافحة الازدواج الضريبي في ظل هذه الاتفاقيات ، مع ذكر نماذج بعض الاتفاقيات الثنائية المبرمة بين دولتين في مجال منع الازدواج الضريبي.
و استعرضنا في خاتمة عامة أهم النتائج المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة.

الفصل الأول: أسباب ودوافع اللجوء إلى اتفاقيات الاستثمار الثنائية.

في الماضي لم تكن هناك حاجة قانونية لإبرام اتفاقيات ثنائية خاصة بالاستثمار الأجنبي نظرا لأن النظام القانوني للاستثمارات الأجنبية ارتبط في نشأته التاريخية بالنظام القانوني للأجانب، أي أن القواعد التي كانت تقوم عليها حماية الاستثمارات الأجنبية هي نفسها التي كانت تنظم الوضع القانوني للأجانب عموما من خلال ما تبنته التشريعات الوطنية ومبادئ العرف الدولية، أو بعض الاتفاقيات الثنائية ذات النمط التقليدي( )، والتي كانت تعرف باتفاقيات الصـداقة و التجـارة و الملاحـة ( ) Traites of freindship commerce and navigation
أو معاهدات الإقامة بالإضافة إلى اتفاقيات التعاون العامة والتي لم تكن تنظم الاستثمار لوحده بل كانت تتناول مجالات متنوعة وعديدة توازنه في الأهمية، أي كافة أوجه النشاط الاقتصادي تطبيقا لتكريس مبدأ حرية ( ) التجارة الدولية على الاستثمارات الأجنبية الخاصة.
وبعد تطور العلاقات الاقتصادية الدولية و ظهور العولمة الاقتصادية، أصبح للاستثمار الأجنبي أهمية بالغة خاصة في الميادين السياسية والاقتصادية، وذلك لمواجهة أوجه النشاط التجاري الأخرى، وكان لابد من ظهور الاتفاقيات الثنائية الخاصة بحماية وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وقد بدأت الدول في الوقت الحاضر تفضل اللجوء إلى إبرام هذا النوع من الاتفاقيات الدولية، نظرا لعجز هذا النوع عن مواجهة زحف تطورات المعاصرة والراهنة وما تمخض عنها من تشعب المشكلات وتعقدها، حيث احتلتالاتفاقيات الثنائية مكانة هامة في مقدمة اهتماماتها، من أجل وضع آلية قانونية فعالة لتنفيذ ( ) الاستثمارات الأجنبية.
من هنا فإن دراستنا لهذه الأسباب والدوافع ستنصب على:
-قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية عن توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية، وهذا ما سنتناوله في المبحث الأول.
-فشل المجتمع الدولي في الوصول إلى نظام موحد للاستثمارات الأجنبية، الذي سنتطرق إليه بالتفصيل في المبحث الثاني.

المبحث الأول: قصور القواعد الدولية العرفية التقليدية عن توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية.

على الرغم من أن القواعد الدولية العرفية تحتل مكانة بارزة في إرساء قواعد القانون الدولي، حيث تمثل مصدرا مهما من مصادره، إلا أنه قد أثيرت حملة عنيفة ضدها وأصبحت محلا للمنازعة الشديدة إثر استقلال العديد من الدول النامية فيما يتعلق بمضمون العرف الدولي( ) ، وطبيعته الملزمة.
إن الأعراف الدولية في نظر الدول النامية عاجزة عن خلق آليات قانونية فعالة وناجعة لضبط سلوك وعلاقات الدول، خاصة على المستوى الدولي( )، كما أن هذه القواعد لابد أن تحظى بالقبول والاعتراف من جانب الدول أو أغلبها، لأن لها إلزامية مثل المعاهدات الدولية، ولا تختلف عنها إلا في الرضا الضمني،وعدم مشاركة الدول في وضع قواعدها قد جعله محلا للمنازعة والحملة العنيفة ضد اعتباره أحد مكونات المصادر( ) الدولية للقانون الدولي.
هذا الطرح ليس من الممكن تصوره بخصوص تكوين القاعدة العرفية الدولية في المجال الاقتصادي فقد عملت الأعراف الدولية على إنشاء قواعد مقننة لسلوكيات معينة، خاصة فيما يتعلق ببعض المعاملات التجارية الدولية، كان لها انعكاس ايجابي بالغ الأثر في عولمة القواعد الاقتصادية عبر الدولية.
من أمثلة الأعراف الدولية نجد تلك العادات الموضوعة من طرف رجال الأعمال في مجال التجارة الدولية، والتي أصطلح على تسميتها l’ex Mercator، والتي أصبحت مع مرور الزمن، شروطا مألوفة وعادات دولية في مجال الأعمال( ).
غير أن القواعد الدولية العرفية للقانون الدولي، تبقى عاجزة عن توفير الحماية اللازمة والضرورية للاستثمارات الأجنبية ، وذلك لفشلها وإخفاقها في مواكبة التطور الذي عرفه المجتمع الدولي كما ونوعا في ظل التغيرات الدولية الجديدة( )، فضلا عن خلوها في وضع ضمانات وامتيازات تشجيع الاستثمارات الدولية، ويذكر أن حماية هذه الأخيرة ارتبطت في نشأتها بتنظيم الوضع القانوني للمال الأجنبي عموما، من خلال بعض القواعد العامة( ).
قبل التطرق إلى العوامل التي ساهمت في قصور الحماية الدولية العرفية التقليدية للاستثمار الأجنبي لابد من إعطاء صورة عن المظاهر التي تجسدت فيها هذه الحماية.

المطلب الأول: مظاهر حماية الاستثمارات الأجنبية في ظل القواعد الدولية العرفية:
تتمتع الدولة كقاعدة عامة في إطار ممارستها الدولية بموجب نطاق القانون الدولي، وتكريسا لمبدأ السيادة في مجال اختصاصها الإقليمي بحق اتخاذ جميع إجراءات أخذ الملكية بجميع صورها سواء المصادرة( ) أو التأميم في مواجهة الاستثمارات الأجنبية، هذا المبدأ منصوص عليه في أغلب دساتير وقوانين الاستثمار الوطنية، وقد أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة .
غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة، حيث تفرض الأحكام العرفية للقانون الدولي قيودا على الدولة، وهو ما اصطلح على تسميته بقيد الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، والذي يقضي بأنه: لكل أجنبي يقيم على إقليم دولة أن يتمتع بقدر من الحقوق تعتبر الحد الأدنى لما يجب على كل دولة أن تعترف به لهم وفق القواعد الدولية العرفية.
ومعنى ذلك:أنه عند قيام الدولة بتحديد مركز الأجانب( ) الموجودين على إقليمها، فإن حريتها في هذا الشأن ليست مطلقة، إذ أنها تلتزم وفق قواعد العرف الدولي، بالاعتراف لهم بكافة الحقوق التي تدخل في نطاق الحد الأدنى الذي يفرضه القانون الدولي لمعاملة الأجانب( ).
وبالرجوع إلى الممارسات الدولية نجد ما يدعم ويؤسس ذلك، حيث أيدت محكمة العدل الدولية الدائمة قيد الحد الأدنى في كثير من أحكامها، فقضت في حكمها الصادر: في 25 مايو 1926، في النزاع بين ألمانيا وبولندا بشأن مصالح الرعايا الألمان المقيمين في سيليزيا العليا البولندية بقولها:” إن معاملة الرعاياالألمان المقيمين في بولندا، يجب أن تكون متفقة مع الأحكام التي يفرضها القانون الدولي العرفي على كل دولة بشأن معاملة الأجانب( ) “، وأضافت المحكمة قولها:”بان نزع ملكية المصانع الألمانية في هذه المنطقة دون تعويض هو أمر يخالف القانون الدولي.”
وقد تأكد هذا القيد أيضا بالنص عليه فيما عقدته مختلف الدول من معاهدات مثل: اتفاقية لوزان الخاصة بالإقامة والاختصاص القضائي المنعقدة في : 24 جويلية 1923، والمعاهدة المنعقدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا في ديسمبر 1923، وأيضا اتفاقية منتورو سنة 1937، والمتعلقة بإلغاء الامتيازات الخاصة في مصر( ).
لكن رغم أن القانون الدولي يفرض على الدول في حظيرة المجتمع الدولي ضرورة مراعاة واحترام الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، إلا أنه ما زال هناك خلاف حول تحديد مضمون الحد الأدنى والحقوق التي يشملها( )، فقد اثبت الواقع الدولي أنها فكرة غامضة وغير محددة حيث لا توجد قاعدة متفق عليها عموما عن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، فهي فكرة متروكة لتقدير الأعراف الدولية.
غير أنه قد ظهرت محاولات فقهية دولية سعت من خلالها إلى وضع تفسيرات بخصوص هذه المسألة، فتعددت بذلك الاتجاهات، فيرى البعض أن هذه الفكرة تجد تطبيقها في معاملة الأجانب على قدم المساواة مع الوطنيين، باعتبار أن الأجانب لا يسعهم المطالبة بوضع أفضل من وضع الوطنين أنفسهم.
في حين يرى جانب أخر من الفقه من خلال وضعه لمعايير وأسس عامة لتحديد هذه الفكرة فيجد أن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب ، فكرة تتبلور في المعاملة التي توازي المستوى المعتاد للشعوب المتمدنة، أو المستوى الأدنى للمدنية، والتي من خلالها يتم الكشف عن الاتجاهات العامة للدول المتمدنة في معاملة الأجانب( ).
كما جرت محاولات أخرى حول تحديد مضمون الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، وذلك من قبل إدارة القانون الدولي العام، بوزارة الخارجية السويسرية، حيث جاء فيها:” أن مبدأ المعاملة العادلة والمنصفة، ليسسوى تعبير عن المعيار الدولي التقليدي المسمى بشرط الحد الأدنى والذي يكفل حدا أدنى من الحقوق للمستثمرين الأجانب، بما في ذلك حقوقهم المالية، ومعنى ذلك أن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب، يعني توفير المعاملة المنصفة للمستثمرين في أدنى الحدود”.
غير أن أخطر تفسير أعطي لهذا المفهوم ما ذهبت إليه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بتأكيدها أن هناك حدا أدنى من العدالة ينبغي أن توفره الدولة للأجنبي، حتى ولو كانت لا توفره لمواطنيهافإذا كان النظام القانوني لتلك الدولة لا يتفق، وذلك المستوى على الرغم من أن شعب ذلك البلد قد يكون قانعا به، أو مرغما على العيش في ظله، فإنه لا يمكن إرغام أي بلد أخر على قبول نظاما لا يوفر سبيلا مرضيا لمعاملة مواطنيه فيه( ).
ويتضمن الحد الأدنى لمعاملة الأجانب .في مجال الحماية الدولية لأموالهم، بعض القواعد الموضوعية، والمتمثلة في حق الدولة لأخذ ملكية المال الأجنبي والقيود الواردة على هذا الحق، وكذا القواعد الإجرائية والتي تتجلى في نظام الحماية الدبلوماسية.

الفرع الأول: الحد الأدنى للحماية الموضوعية.
يعتبر نظام الحد الأدنى لمعاملة الأجانب من أقدم الأنظمة القانونية التي عرفها القانون الدولي، والجماعة الدولية ومقتضى هذا النظام هو الاعتراف للأجنبي بحد أدنى من الحقوق، لا يجوز لأية دولة عضو في المجتمع الدولي أن تنزل عنه وإلا انعقدت مسؤوليتها الدولية ( )في هذا الشأن.

وعليه إذا سلمنا بمبدأ ممارسة الدولة لسيادتها وفق اختصاصها الإقليمي:
فما هي القيود التي يفرضها العرف الدولي على الدولة في مجال مباشرتها لإجراءات أخذ ملكية المال الأجنبي؟
وما هي الضمانات التي عسى أن يتمتع بها الأجانب إزاء حرمانهم من حق ملكية أموالهم بصفة نهائية أو مؤقتة؟
وتبعا لذلك تتفرع دراستنا في هذا الفرع إلى بندين رئيسيين على النحو الأتي:
-مدى حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي كقاعدة عامة، والقيود الواردة على هذا الحق.
-الجـزاء المترتب على عـدم مراعاة الدولة للقيود التي يفرضها القانـون الدولي العـرفي.

البند الأول: مدى حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي والقيود الواردة على هذا الحق.

أولا :إقرار المبدأ وتحديد نطاقه.

لقد أقر العرف الدولي على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي كقاعدة عامة، بوصفه إجراء يدخل في صميم اختصاصها الإقليمي النابع من حقوق السيادة، وقد أشار إليه الأستاذ دوبي DUPUY كمحكم الوحيد في القضية C/GCALASIATIC-TESCASO LIBYEN، على أنه:”حاليا من حق الدولة من إجراء التأميم غير معارض، وممارسة هذا الاختصاص يعتبر تعبيرا عن السيادة الوطنية ووفقا للقانون الدولي ( )”.

وقد عبر وزير الخارجية الأمريكي HULL عام 1939 عن هذا المعنى في مذكراته التي بعث بها إلى سفير المكسيك في واشنطون بمناسبة إجراءات نزع الملكية، التي اتخذتها المكسيك في مواجهة الأمريكيين من أصحاب الأراضي الكائنة بها، تطبيقا لقانون الإصلاح الزراعي، حيث أشار إلى مدى حق حكومة المكسيك في اتخاذ هذه الإجراءات من حيث المبدأ حينما قرر أن حكومتي قد أكدت حق الدول دائما في تحديد مشاكلها الاجتماعية والزراعية والصناعية، وهذا الحق يشمل حق السيادة المقرر لأي حكومة في نزع الملكية الخاصة بالأموال الموجودة داخل حدودها تحقيقا للمصلحة العامـة، وقد استعان الفقـه الأمريكـي في تأييـد هـذا الاتجـاه تحت تسمية نظريـة قـرار الدولـة( )THE ACT OF STATE DOCTRINE .

ومقتضى هذه النظرية – والتي قامت لمواجهة إجراءات المصادرة ونزع الملكية الصادرة عن الحكومات الأجنبية- بقولها:”إن مقتضيات الحياة الدولية والمجاملة اللازمة بين الحكومات تستلزم الاعتراف بما تتخذه الدولة الأجنبية من قرارات في شأن اخذ الملكية في حدود اختصاصها الإقليمي النابع من حق السيادة .”

ويترتب على رد حق الدولة في اتخاذ إجراءات نزع الملكية والمصادرة إلى فكرة سيادتها الإقليمية ، حيث أنه لا يجوز لها اتخاذ هذه الإجراءات في مواجهة أموال كائنة خارج حدود إقليمها ، ولو كانت مملوكة لمواطنيها.

فسلطان الدولة في هذا الصدد يتحدد بقيد إقليمي ، يستلزم أن تكون الأموال محل إجراءات المصادرة أو نزع الملكية موجودة داخل حدود إقليمها وقت اتخاذ هذه الإجراءات .

أما إذا كان هناك اتفاق خاص بين دولتين تسمح بموجبه دولة الموقع لدولة أخرى بأن تتخذ إجراءات مماثلة( ) إزاء الأموال الموجودة في إقليمها أو في الظروف الاستثنائية التي قد تفرضها مقتضيات الحرب، فيمكن أن تتم إجراءات نزع الملكية أو المصادرة خارج إقليم الدولة، ومن أمثلة ذلك المعاهدة المبرمة في 17 نوفمبر1903 بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبنما(معاهدة HAY VARIALLA)، والتي خولت بنما بمقتضاها لدولة الولايات المتحدة الأمريكية، حق استخدام الأراضي اللازمة لإنشاء قناة بنما، ولمسافة 05 أميال على جانبيها على أن يكون للولايات المتحدة الأمريكية أيضا حق نزع ملكية بعض الأراضي الداخلة في هذا النطاق سواء كانت مملوكة لمواطني بنما أو أجانب.

بالإضافة إلى الاتفاق المبرم بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا عام 1942 وكذلك 1945، ومن جهة أخرى فإن استناد حق الدولة في هذا الصدد إلى سيادتها الإقليمية، يعني امتداد هذا الحق إلى كافة الأموال الموجودة داخل حدودها، بصرف النظر عن صفة مالك المال وأما إذا كان وطني أم أجنبي، ودون الاعتداد بما إذا كان المالك الأجنبي مقيم في إقليم الدولة أو خارج هذا الإقليم( ) .

ثانيا: ظهور التأميم وأثره على الأفكار التقليدية .

يعد التأميم ظاهرة قانونية من النظم الحديثة نسبيا، حيث ظهرت مع مطلع القرن العشرين، وذلك من خلال النص عليه لأول مرة في الدستور المكسيكي عام 1917 ( )، عندما تعرض مبدأ الملكية الفردية للانهيار، وبموجبه فقدت هذه الملكية طابعها المطلق في كل من المكسيك وروسيا.
وكان ذلك في الواقع مظهرا لتطور عميق في مفهوم الملكية، والتي انتقلت من طور الحق المقدس المطلق لتصبح حقا ذو وظيفة اجتماعية، أي أن الملكية وسيلة يضعها المجتمع في يد الفرد لتحقيق الصالح العام، وبذلك تأكدت الحاجة إلى الـتأميم بوصفه الأداة الفنية والقانونية، لتحقيق الانتقال المنشود من الملكية الخاصة إلى الملكية العامة.

وعلى هذا الأساس أصبح للدول حق فرض قيود على الملكية الخاصة للصالح العام، وبعد تطور فكرة التأميم انتقلت إلى باقي الدول، حيث أقدمت بعد ذلك الكثير من الدول النامية على حركة التأميمات الواسعة لكثير من الأموال الأجنبية، عقب حصول تلك الدول على استقلالها السياسي، وذلك لتأكيد سيطرتها على مواردها الاقتصادية ومنها: مصر، اندونيسيا، كوبا، إيران، الجزائر، سوريا.

وبهذا حبذت الدول النامية فكرة التأميم واللجوء إليها، والتي أصبحت في تلك الفترة أهم وسيلة للتخلص من التبعية الاقتصادية، ولترسيخ استقلالها السياسي والاقتصادي على أكمل وجه، كما لجأت بعض دول أوربا الغربية ذاتها، والتي تعتنق الرأسمالية، وتقدس حق الملكية الفردية، إلى تأميم العديد من المشروعات الحيوية فيها مثل إنجلترا وفرنسا وإيطاليا والسويد.

وقد أصبح اللجوء إلى التأميم ظاهرة شائعة في كل الدول، رغم اختلاف نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث استندت في ذلك إلى بعض الأسس أهمها:حرية الدولة في اختيار نظمها السياسي والاقتصادي والاجتماعي( ). وبالتالي تتمتع بحرية في السماح بوجود أو عدم وجود أموال مملوكةللأجانب فوق إقليمها، ومبدأ السيادة الدائمة لكل دولة على مواردها الطبيعية( ) وحريتها في التصرف فيها( ).

أما بخصوص تأثير ظاهرة التأميم على الأفكار التقليدية، فيمكن القول على أنه بالرغم من أن غالبية الفقه الغربي قد ناهض هذه الظاهرة، إلا أن ما تمخض عنها من نتائج قد نبهته على أي حال إلى عجز النظريات التقليدية عن استيعاب الآثار غير الإقليمية المترتبة على هذه الفكرة.

ومن أهم الآثار التي ترتبت عن ظاهرة التأميم ظهور إجراءات بصفة خاصة على سلطة القاضي الأجنبي، في مناقشة قرار التأميم، وبحث مدى مطابقته لأحكام القانون الدولي، فوفقا لنظرية قرار الدولة السابق الإشارة إليها لم يكن بوسع القاضي الأجنبي حق مناقشة قرار صادر عن المصادرة أو نزع الملكية الصادر عن حكومته الأجنبية في حدود اختصاصها الإقليمي، وهو ما كان يتفق وطبيعة القرارات التي تنصب على مال معين، ولا تتناول مشروعا اقتصاديا له بالضرورة، لأثار تتعلق بوجوده القانوني خارج حدود الدولة التي قامت بتأميمه.

أما بعد استقرار فكرة التأميم وما ترتب عليها من ظهور المشروعات المؤسسة خارج حدود الدولة التي اتخذت إجراءات تأميمها، فلم يعد أمام القاضي الأجنبي أية صعوبة تذكر، ولم يعد عاجزا عن مدى مناقشة سلامة ومشروعية قرار التأميم وفق النظرية السابقة.

وهذا ما انتهى إليه الفقه الحديث( ) من خلال حق القضاء في رقابة شرعية إجراءات التأميم، إذ يجوز له رفض الاعتراف بآثار التأميم الذي اتخذته دولة أخرى على الأموال الموجودة على إقليمها، إذا كان ذلك يصطدم بالأصول المستقرة في القانون الدولي العام.

ثالثا: القيود الواردة على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي.

إذا كان الفقه الدولي قد استقر على إن للدولة الحق في الاستيلاء على ممتلكات الأجانب الموجودين على إقليمها إعمالا لسيادتها الإقليمية، إلا أن ممارسة هذا الحق مقيد بضوابط، والتي لا يجوز لها القيام بإجراءات نزع ملكية أموال الأجانب داخل إقليمها، ما لم تراع القيود التي وضعتها القواعد الدولية العرفية في هذا المجال.

فحق الدولة مرتبط بتوافر مجموعة من الشروط ( )، فمثلا لا يجوز للدولة اتخاذ أي إجراء في مواجهة الأموال المملوكة للدول الأجنبية، والمخصصة للأغراض الرسمية مثلا مبنى السفارة، إذ تتمتع الدول الأجنبية في هذه الحدود بحصانة مطلقة( )استقر عليها الفقه منذ أمد بعيد، وهناك اتجاها قويا في العمل الدولي يشير إلى امتداد هذه الحصانة حتى في أوقات الحرب.

أما الأموال المملوكة لدولة أجنبية تتعلق بنشاطها التجاري أو الاستثماري بصفة خاصة، فهي لا تتمتع وفقا للرأي الراجح بأية حصانة في مواجهة إجراءات أخذ الملكية التي قد تصدر عن دولة الموقع، وإنما تخضع هذه الأموال لنفس الأحكام التي تسري في شأن الأموال الأجنبية المملوكة للأشخاص الخاصة، والتي يحقللدولة اتخاذ إجراءات نزع ملكيتها أو تأميمها، شريطة مراعاة القيود التي أقرتها القواعد الدولية العرفية وهي كالأتي:

-قيد المصلحة العامة (PUBLIC INTEREST):
يجمع الفقه الدولي على أنه حتى يكون الإجراء مشروعا دوليا يجب أن يكون الباعث على اتخاذ الدولة لاستيلاء على ممتلكات المستثمر الأجنبي، باعثا يرجى من ورائه تحقيق مصلحة عامة….

فما هو إذن المقصود بالمصلحة العامة؟ وهل هناك معيار يتم بواسطته تحديد وضبط المصلحة ؟
لا يوجد في القانون الدولي تعريف للمصلحة العامة كما أنه لا يوجد اتفاق وإجماع فقهي حول مضمون هذا الشرط، وهذا ما عبرت عنه المطالب الأمريكية – الإيرانية في قضية AMECO لسنة 1987 بقولها:” إن التعريف الدقيق للمصلحة العامة والذي من خلاله يعد إجراء التأميم مشروعا غير متفق عليه في القانون الدولي”.

ومعنى ذلك أن عجز الفقه الدولي حول إيجاد تعريف جامع ومجدد لفكرة المصلحة العامة، بالإضافة إلى عدم توصل المجتمع الدولي إلى اتفاق محدد بشأن مضمون المصلحة العامة لدليل على أن فكرة المصلحة العامة متروك لحرية الدول في هذا الشأن وفق ما تقتضيه تقدير الأعراف الدولية التقليدية في هذا المجال، وهناك معيار قد استندت به الدول في مجال الممارسات العرفية الدولية، وهو معيار الباعث والهدف، حيث أنه طبقا لهذا المعيار يمكن القول أن شرط المصلحة العامة يعد متوفرا، إذا كان الباعث على إجراء التأميم أو نزع الملكية هو تحقيق مصلحة عامة وليس مصلحة فردية خاصة .تــ

وتعد هناك مصلحة عامة إذا كانت قد اتخذت للحفاظ على الصحة العامة أو الأمن العام أو النظام العام أو الأخلاق العامة( )، وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 1803 الصادر سنة 1962، والخاص بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية حيث جاء في محتوى القرار بأن:”التأميم أو نزع الملكية أو الاستيلاء، يجب إرجاعه لأسباب تتعلق بالمنفعة العامة أو الأمن العام أو المصلحة الوطنية”.

وقد اعتبر باعث المصلحة العامة ركن أساسي لشرعية قرار استيلاء الدولة على أموال الأجانب، وتطبيقا لذلك فقد اعترضت الحكومة البريطانية على إجراءات التأميم الليبية عام1971 للشركة البريطانية للتنقيب عن البترول(BP) بقولها: “إن إجراءات التأميم كان الدافع إليها اعتبارات سياسية غير مرتبطة بالمصلحة العامة للدولة النازعة الملكية( )”.

كما أقرت شرعية وجود مصلحة عامة الدساتير الداخلية لدول عديدة( )وتطلبته المحاكم الدولية ومحاكم التحكيم( ) حيث اعترفت محكمة العدل الدولية الدائمة في النزاع بين ألمانيا وبولندا بشان مصالح الرعايا الألمان في سيليزيا العليا البولندية بقولها:” للدولة الحق في نزاع ملكية الأموال الخاصة المملوكةللأجانب أو الوطنيين، ولكن بشرط المنفعة العامة”،كما أكدت ذلك محكمة التحكيم في النزاع بين الحكومة الكويتية وشركة “ANIMOIL” الأمريكية في عام 1979 بقولها:” إن التأميم طالما كان بغرض المصلحة العامة، فهو قرار مشروع، ولا يخالف أحكام القانون الدولي، ولا يقع على عاتق الدولة سوى تعويض المتعاقد معها تعويضا مناسبا.”.

إذن مما سبق ذكره يمكن القول أن المصلحة العامة هي شرط لشرعية قرار اتخاذ إجراءات ضد أموال الأجانب، على الرغم من اختلاف الفقه الدولي بين ضرورة تواجد هذا القيد أو عدمه، إذ لا رقابة للدولة في تقديرها لما يعد تحقيقا للمصلحة العامة أو عدم تحققها، وهذا ما أكدته بالفعل دولة المكسيك في ردها على الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا في أعقاب الإجراءات التي اتخذتها في مواجهة رعايا الدولتين عام 1937، بمناسبة تأميمها لصناعة البترول، فقد جاء في مذكرة المكسيك عام 1938″ أن المصلحة العامة وفقا للقانون الدولي هي المصلحة التي تقدرها الدولة حسبما تراه( ) .”

إذن يعد شرط المصلحة العامة أحد دعائم الحماية الدولية العرفية للأموال الأجنبية، داخل إقليم الدولة المضيفة، فهو يكرس الثقة بينها وبين المستثمر الأجنبي، ومن ذلك فهو ركن أساسي لإضفاء طابع مشروعية الإجراءات الناجمة عن استيلاء الدولة على الاستثمارات الأجنبية وعليه فإن انتقاء شرط المصلحة العامة يعني الإخلال بالسلامة الدولية لإجراءات نزع الملكية والتأميم( )، غير أن هذا الشرط ليس الصورة الوحيدة التي يتوقف عليها شرعية إجراءات نزع الملكية.

-القيد الخاص بعدم مخالفة التزام تعاقدي سابق:
من المبادئ المستقرة في القانون الدولي العام، وطبقا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة 1945 أنه على الدولة أن تحترم تعهداتها الدولية التي التزمت بها بمحض إرادتها( ).ويؤسس الفقهاء إلزامية المعاهدات الدولية على ثلاثة مبادئ، تعتبر بمثابة قواعد عرفية في هذا الشأن وهي: .. -مبـدأحسـن النـيــة.
..
-مبدأ العقد شريعة المتعاقدين.

-مبدأ سمو وأولوية الالتزامات الدولية على الالتزامات الناشئة عن القانون الوطني.

ولهذا فإذا تعهدت دولة ما بمقتضى معاهدة دولية بالامتناع عن الالتجاء إلى تأميم أموال أجنبية، فإنها تعد مخلة بالتزاماتها التعاقدية ، إذا قامت بنقض تعهدها، ومن ثم تتعرض إلى المسؤولية الدولية، وقد حكم القضاء الدولي بعدم شرعية التأميم، في حالة قيام دولة بمخالفة التزام تعاقدي سابق( )، ومن ذلك ما أقرته محكمة العدل الدولية الدائمة، من خلال القضية المعروفة باسم:”Certain German Interests in polish upper s’alexia 1926″ وقد كان ذلك استنادا إلى مبدأ الحقوق المكتسبة، حيث قررت المحكمة عند تحديد التعويض المستحق لألمانيا عن الأضرار التي لحقت بملكية رعاياها، نتيجة مخالفة بولندا لأحكام معاهدة تحمي هذه الملكية ألا وهي معاهدة جنيف( )، والتي لا يمكن نزع ملكية الأموال الأجنبية إلا بناء على الشروط التي نصت عليها المادة السابعة من هذه الاتفاقية.

نفس الرأي قد أقره معهد القانون الدولي، فيما استقر عليه أثناء انعقاده عام 1952 على أنه يجب على الدولة أن تحترم المعاهدات التي تعهدت فيها بعدم التأميم، غير أن ذلك نادرا ما يحدث من الناحية العملية، كونه يقف عائقا أمام التحرر الاقتصادي للدولة، وخاصة الدول النامية حديثة الاستقلال.

أما من جانب الفقه الدولي، فقد أيد هو الأخر فكرة ضرورة التزام الدولة بعدم مخالفة التزام تعاقدي سابق، على الأقل ما لم توجد الدولة في إحدى الحالات التي تبرر تحللها من التزاماتها نتيجة تغير الظروف( )، فالفقه الدولي القديم قد تمسك بنظرية تغير الظروف مثل ما قام به الفقه الاشتراكي عام 1924 لينتهي إلى سلامة روسيا من التزاماتها المقررة بمقتضى المعاهدات الدولية التي سبق وأن أبرمتها الحكومة القيصرية.

وإذا كان مبدأ احترام الدولة بتعهداتها السابقة يعد مبدأ ثابتا ومستقرا في القانون الدولي إلا أن هذا المبدأ كثيرا ما يصطدم بنظرية تغير الظروف وهو ما يثير إشكالية إمكانية تحلل الدولة من الالتزام بأحكام ما عقدته من معاهدات وذلك في حالة ما إذا تغيرت الظروف عما كانت عليه عند إبرام المعاهدة، وكحل لذلك يرى جانب من الفقه الحديث أنه يكفي في هذا الصدد أن تكون الظروف الجديدة غير متوقعة سلفا، وأن تكون راجعة إلى خطأ الدولة التي تريد التحلل من التزاماتها بمقتضى المعاهدة وإعمالا بهذه النظرية فإنه من المقرر أنه للدولة حق التحلل بإرادتها المنفردة( )من الالتزامات الناشئة عن معاهدة دولية عند حدوث أي تغير جوهري في الظروف، ودون أن يعد ذلك خطأ من جانبها.

إن الفقه الحديث لم يصب اهتمامه على تأسيس هذه النظرية، بل اعتبرها كقاعدة دولية عرفية، لأن الحياة الدولية المعاصرة تتسم بالدينامكية والتغير المستمر، مما يجعل الظروف المحيطة بالمعاهدات تتقلب في فترة قصيرة جدا، خاصة في مجال المعاملات الاقتصادية الدولية ( ) . كما يمكن للدولة الخروج عن المعاهدات غير المتكافئة ( ).

في هذا الصدد أشار “الأستاذ الدكتور أحمد صادق القشيري” أنه: يجب أن تقتصر دائرة الالتزامات الدولية فقط على تلك التي تنشأ عن اتفاق بين دولتين متكافئتين، لأن المعاهدات التي كانت تبرم بين الدول الاستعمارية المتقدمة وبين الدول المستعمرة النامية، والخاصة بحماية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية تعتبر معاهدات بين دول غير متكافئة سياسيا واقتصاديا، حيث اعتبرت أسلوب لاستغلال ثروات البلدان النامية والتدخل في شؤونها الداخلية.

لذلك يحق للدول النامية حديثة الاستقلال القيام بتأميم الأموال الأجنبية كخطوة لازمة، وذلك في سبيل الحصول على استقلالها الاقتصادي تبعا لاستقلالها السياسي( ) وكذا القضاء على سيطرة رؤوس الأموال الأجنبية على اقتصادها الوطني تصفية للميراث الاستعماري، وانطلاقا من حق الدولة في إعادة تنظيم أوضاعها الداخلية.

ويذكر أنه قد وقع إشكال وخلاف بين القضاء الدولي والفقه الحديث حول وضعية تأميم الأموال الأجنبية ضمن الالتزامات الناشئة عن العقود المبرمة بين الدولة، وأحد أشخاص القانون الخاص حيث استقر القضاء الدولي على إنكار الصفة الدولية لها، إذ يحق للدولة إزاءها تأميم المشروعات الدولية وإنهاء الامتياز بمقتضى اتفاقات مسبقة، وبالتالي لا يعد استعمالها تصرفا غير مشروع، ولا يترتب عليه مسؤولية دولية فهو نابع من ممارسة الدولة لحقها في السيادة.

غير أنه خلافا لذلك فإن جانبا من الفقه الحديث قد حاول التوسيع من مفهوم الالتزامات التعاقدية الدولية على نحو يعطي لهذه الاتفاقات المبرمة بين الدول وأشخاص القانون الخاص، والمتمثلة في الأشخاص الأجنبية الخاصة – طابعا دوليا- يعقد مسؤوليتها الدولية باعتبار أنها تستمد قوتها من العرف الدولي، وبالتالي خضوعها لأحكامه.( )

وهذا ما دفع بأنصار هذا الاتجاه، إلى القول بوجود طائفة من الاتفاقيات ليست عقودا خاضعة للقانون الداخلي في دولة من الدول وليست خاضعة للقانون الدولي العام، وإنما تخضع لنظام قانوني جديد يستمد قوته من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، أي النظام القانوني الذي ينشئه الاتفاق ذاته، والقواعد التي تقررها هيئات التحكيم عند المنازعة، استلهاما من المبادئ القانونية العامة وكذلك من الأحكام المستخلصة من الأعراف التي جرى عليها المتعاملون والتي تشكل في مجموعها مما أسماه البعض بقانون عبر الدول( ). ومهما يكن ورغم الاختلافات بين الفقه والقضاء الدوليين إلا أن الأمر الذي لا شك فيه هو أن إخلال الدولة بتعهداتها المقررة بمقتضى المعاهدات الدولية في شأن الامتناع عن تأميم مشروعات أجنبية معينة سيؤدي إلى ترتيب مسؤولية دولية باعتبار أن إقدام الدولة على ذلك سيترتب عنه مخالفة التزام تعاقدي سابق، مما يخلع عن إجراءات التأميم صفتها الشرعية.

-القيد الخاص بعدم مخالفة مبدأ المساواة وعدم التمييز:
يعد مبدأ المساواة وعدم التمييز إحدى القيود العرفية الدولية التي تدخل في نطاق مضمون الحد الأدنى لمعاملة الأجانب في مجال الحماية الدولية لأموالهم، ويقصد بهذا القيد أنه لا يجوز أن ينطوي الإجراءبخصوص المعاملة على تمييز مجحف بين الأجانب والوطنيين لغير صالحهما أو فيما الأجانب أنفسهم، ويرى الفقه أن مبدأ المساواة وعدم التمييز أصل من أصول المستقرة في القانون الدولي العام التي تفرض على الدول عند اتخاذ إجراءات نزع الملكية، أو الاستيلاء أو المصادرة أو التأميم أو غيرهما من صور أخذ الملكية.

وانطلاقا من ذلك يعد الإجراء الذي تتخذه الدولة غير مشروع دوليا، إذا أنصب على ممتلكات الأجانب دون الوطنيين على نحو يجعل من صفة المستثمر وحدها المبرر لاتخاذ هذه الإجراءات، أو إذا أتجهنحو ممتلكات عدد من الأجانب من جنسية أو جنسيات معينة، دون أن يطبق على الأجانب من جنسيات أخرى، وتعد الدولة مخالفة لهذا المبدأ، إذ اتخذت هذا الإجراء فقط في مواجهة دولة معينة بالذات، فتكون بتصرفها ذلك قد تعسفت في استعمال حقها في التأميم بما يتنافى مع المبادئ العامة المقررة في القانون الدولي العام.( )

 

أولهما: أن يتم نزع ملكية المشروعات الأجنبية التي تزاول نشاطها التجاري أو الصناعي معين بالتأميم أو المصادرة، أو بأي من النظم القانونية الأخرى، من دون أن يمتد ذلك إلى المشروعات الوطنية التي تزاول النشاط ذاته. وثانيها: أن يتم نزع ملكية الأموال الأجنبية على أن لا تمتد للمشروعات الاقتصادية التي تزاول النشاط ذاته، والتي تعود ملكيتها للأجانب الذين يحملون جنسيات أخرى معينة.

يذهب الفقه التقليدي إلى أن مبدأ المساواة وعدم التمييز يتطلب من الدولة تمتع المستثمرين الأجانب على إقليمها بالحماية ذاتها التي توفر لمواطنيها ( ) بموجب قوانينها الوطنية الداخلية، وبالتالي يترتب على إقدام الدولة المستقبلة للاستثمار الأجنبي عند الاستيلاء على المشروعات الأجنبية دون الوطنية إلى إثارة فكرة ارتكاب عمل غير مشروع أساسه الإخلال بمبدأ المساواة وعدم التمييز بين الاستثمارات الأجنبية ( ) وهذه المعاملة تسمى بمعاملة المفاضلة ( ).

ويذكر أن مبدأ المساواة وعدم التمييز، قد جاء على أنقاض فكرة المصلحة العامة، نطرأ للصعوبة العملية في الكشف عن الباعث الحقيقي من وراء هذه الفكرة التي قد تتخذها الدولة في مجال أخذ الأموال الأجنبية، حيث رأى جانب من الفقه الحديث ضرورة الاستغناء عن شرط المصلحة العامة واستبدالها بشرط المساواة وعدم التمييز…

إن الدولة في هذا الصدد مقيدة بما تمليه الأعراف الدولية، وذلك من خلال مقدار التعويض الذي تمنحه الدولة للمستثمرين الأجانب المنزوع ملكية أموالهم، إلا إذاكان ذلك محدد في الاتفاقيات الدولية التي تبيح هذه التفرقة، لأن قيام الدولة بخلاف ذلك سيعد حالة تجاوز الدولة في التعسف باستعمال الحق أو ما يسمى تجاوزها في استعمال حقها المعقول( ).

ومن الأمثلة العملية التي طبقت وكرست هذا المبدأ، ما قام به وزير خارجية سويسرا “petit pierre” من خلال اعتراضه على التأميمات التي أجرتها تشيكوسلوفاكيا ضد الأموال المملوكة للسويسريين، لكونها تتضمن تميزا ضدهم، بالإضافة إلى احتجاج الحكومة الهولندية عام 1958 على التأميمات الاندونيسية للمشروعات الهولندية، حيث وصفتها بأنها إجراءات تميزية وغير مشروعة، لكونها انصبت على ممتلكات الهولنديين فقط.

نفس الشيء قد اعترضت عليه الولايات المتحدة الأمريكية قبل ذلك عام 1948 على التأميمات الرومانية للمشروعات الصناعية المملوكة للرعايا الأمريكيين، كونها قد استثنت من هذه الإجراءات الممتلكات السوفيتية، بما يتضمن إخلالا بقاعدة المساواة وعدم التمييز.

وعليه هل يمكن الأخذ بقاعدة المساواة وعدم التمييز على إطلاقها ؟ أم أن هذه القاعدة تخضع للطابع النسبي ؟
لقد أثار مبدأ المساواة وعدم التمييز، جدلا فقهيا في مجال القانون الدولي حول عمومية أو نسبية هذا المبدأ، حيث رأى الفقه الحديث أن هذا المبدأ نسبي، إذ لا يمكن أن يكون هناك إخلال بهذه القاعدة بالنسبة للدول النامية إزاء تأميم واقع على مشاريع واستثمارات مملوكة لرعايا الدولة التي كانت تستعمر الدولة المؤسسة أو النازعة للملكية، فمثل هذا التأميم يعد تأميما إصلاحيا، تهدف من خلاله الدول النامية، والتي خرجت من هيمنة الاستعمار، التخلص من السيطرة الأجنبية، وحماية اقتصادها الوطني، فمثل هذا التأميم يعد بمثابة تعويض عن الأضرار التي أحدثها الاستعمار في تلك الدول، وعليه ينبغي أن تكون هناك معاملة مغايرة( )، لأن مفهوم السيادة في المعاملة يتحدد على أساس معاملة المتساوين، وليس غير المتساوين في العلاقة، وهذا ما أشار إليه القضاء الألماني، حيث أكد أنه يحق للشعوب التي كانت مستعمرة، أن تتخذ موقفا مغايرا اتجاه الدولة الاستعمارية، ومثل هذه المعاملة لا تعد إخلالا بمبدأ المساواة، وإنما تؤدي في حقيقتها إلى خلق مساواة لم تكن كائنة من قبل كنتيجة للأوضاع الاستعمارية السابقة .

وفي الأخير وعلى ضوء ما سبق ذكره، يمكن القول أنه لن يتسنى الوصول إلى قاعدة المساواة وعدم التمييز، إلا في إطار الالتزام بالتعويض الذي يعتبر أحد القيود الجوهرية التي بفرضها العرف الدولي، على حق الدولة في أخذ ملكية المال الأجنبي، وليس على الدول الامتناع عن التعويض تحت ستار المساواة مع الوطنين، كما أنه من ناحية أخرى وفي المقابل، لا يجوز بحال من الأحوال، أن يؤدي إعمال مبدأ المساواة إلى الانتقاص من معاملة المستثمر الأجنبي عن ما هو مقرر وفق الحد الأدنى للحماية الدولية للأموال الأجنبية.

-القيد الخاص للالتزام بأداء التعويض: “COMPENSATION”
يترتب على عدم مشروعية أخذ ملكية أموال الأجنبي، سواء في قيام الدولة بإجراءات نزع الملكية ، أو التأميم ، أو المصادرة ، التزامها بأداء التعويض. فوفقا للقواعد الدولية العرفية للقانون الدولي ، على الدولة في حالة عدم شرعية ما اتخذته من إجراءات ضد أموال الأجانب الموجودين على إقليمها جبر هذا الضرر، ولن يتأتى ذلك إلا بالتعويض الذي هو التزام دولي يتم بموجبه حماية الحقوق المكتسبة( ) للأجنبي…و إذا كان موضوع التأميم في حد ذاته لا يثير في الوقت الحاضر خلافا كبيرا لدى الفقه أو القضاء، إلا أن الذي أثار الخلاف هو مشكلة التعويض عن تأميم الممتلكات الأجنبية، و التي تعتبر من أدق المسائل التي تثيرها عمليات التأميم في القانون الدولي، و عليه فإن أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد هو التساؤل الآتي: ” هل يعتبر التعويض عن التأميم أو غيره من صور أخذ أو نزع ملكية المال الأجنبي في القانون الدولي التزاما على الدولة المؤممة أو نازعة الملكية؟”.

إذا كان التأميم قد أصبح في كثير من البلدان منهجا يعكس عقيدة معينة، وقد اختلفت الآراء في الإجابة على هذا التساؤل ، باختلاف العقيدة المسيطرة على صاحب الرأي، و يمكن القول أن مختلف الآراء التي ينادي بها فقهاء القانون الدولي المعاصر أو تعكسها تصرفات الدول بشأن مبدأ التعويض تنقسم إلى ثلاث فئات:

– اتجاه يرفض مبدأ الالتزام بالتعويض، و هو ما تمثل في الفقه الاشتراكي.
– اتجاه يرى عكس ذلك، يقر بالتزام الدولة لأداء التعويض، وهو ما تجلى في الفقه الغربي.
– اتجاه توفيقي يتجلى في موقف الدول النامية إزاء التعويض.
وقد قسم الفقه الدولي بشأن مسألة التعويض إلى اتجاهين رئيسيين: .. / اتجاه يرفـض مبـدأ الالتزام بالتعـويض ، وهـو ما تمثل في الفقـه الاشتراكـي. .. / اتجاه يرى عكس ذلك، يقر بالتزام الدولة لأداء التعويض، وهو ما تجلى في الفقه الغربي.

أ- رفض مبدأ الالتزام بأداء التعويض لدى الفقه الاشتراكي:

يرى أنصار هذا الاتجاه أنه لا مجال لأداء التعويض عند قيام الدولة بأخذ إجراءات نزع الملكية أو المصادرة أو التأميم، وغيرها من صور أخذ ملكية أموال الأجانب، حيث رفض الفقه السائد في روسيا ودول أوربا الشرقية والدول المتأثرة بالفكر الماركسي بصورة عامة سنة 1989 فكرة التعويض، ويستندون في ذلك إلى أن حق الشعوب في تقرير المصير السياسي والاقتصادي، ما هو إلا نتيجة حتمية تعكس ضرورة حق الدولة في تأميم مواردها، وعليه فالتأميم الشرعي هو مرآة عاكسة لرغبة الدول في الإصلاح الاجتماعي والتحرر الاقتصادي، كما انه لا يتضمن أي خرق لقاعدة وضعية في القانون الدولي.

إن الملكية في نظر الفقه الاشتراكي ليست من أصول القانون الدولي المعاصر، ولذلك لا وجود لأي التزام بالتعويض على التأميم من طرف الدولة، ويرون أن قيد المساواة وعدم التمييز هوالقيد الوحيد الذي يفرضه القانون الدولي على الدولة في حق الأجنبي، هذا الأخير لا يخول له إلا المساواة بالوطني، ومن ثمة لا يحق له مطالبة الدولة بالتعويض. وبالرجوع إلى الممارسات الدولية نجد ما يدعم ويؤكد ذلك، حيث سبق لروسيا وأن قامت برفض التعويضات للرعايا الأجانب الذين شملتهم إجراءات التأميم المتخذة منة طرف حكومة الثورة البلشفية عام 1917، واستندت أيضا حكومة المكسيك بنفس الحجج الروسية، ورفضتأداء أي تعويضات للأجانب، حين اتخذت إجراءات تجريدهم من ملكية الأراضي الزراعية التي كانوا يملكونها بموجب قانون الإصلاح الزراعي الذي أصدرته.

ب- الالتزام بأداء التعويض لدى الفقه الغربي:

بخلاف الفقه الاشتراكي، يرى أنصار هذا الاتجاه أن أي إجراء تتخذه الدولة ولا يصاحبه أداء تعويض كامل، يعد غير مشروع، وعليه يرى ضرورة التزام الدولة بالتعويض في حالة ما إذا اتخذت قرار نزع الملكية أو التأميم، وبالتالي لا يحق للدولة أن تتنصل من التزامها بذلك بدعوى أنها لم تؤدي أية تعويضات لمواطنيها .

فالالتزام بأداء التعويض هو التزام منفصل تماما عن الالتزام بمراعاة مبدأ المساواة وعدم التمييز، ومن ثمة يبدو حق المستثمر الأجنبي في التعويض حقا مستمدا من القانون الدولي العام، وبالتالي خروج الدولة عن ذلك هو إقرار بترتب مسؤولية دولية ، التي اتخذت الإجراء في مواجهة الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي بجنسيته( ). أما موقف الدول النامية من التعويض، فقد جاء متوسطا بين الرأيين، فهي لم تنكر مبدأ التعويض إطلاقا كما فعلت الدول الاشتراكية ولم تنتهج في نفس الوقت قاعدة التعويض التقليدية (تعويض سريع وحال وفعال وشامل)،كما أرادت الدول الغربية، وإنما طالبت بحقها في تأميم الأموال الأجنبية ووضع قاعدة أكثر مرونة للتعويض انطلاقا من مبدأ سيادة الدولة على ثرواتها ومصادرها الطبيعية( ).

البند الثاني: الجزاء المترتب على عدم مراعاة الدولة للقيود التي يفرضها عليها القانون الدولي العرفي.

إذا رفضت الدولة الالتزام بأحد القيود الأربعة التي يفرضها عليها القانون الدولي العرفي في حالة قيامها بإجراءات نزع الملكية الأموال الأجنبية، ودون مراعاة للأحكام التي يستلزمها الحد الأدنى لمعاملة الأجانب في القانون الدولي العام،كما لو قامت بتأميم المال الأجنبي إخلالا بالتزام تعاقدي سابق، أو دون مراعاة مبدأ المساواة وعدم التمييز أو دون مراعاة الالتزام بأداء التعويض.

فمما لا شك فيه أن إجراءات التأميم في مثل هذه الحالات سوف تتسم بعدم المشروعية لمخالفتها لأحكام القانون الدولي، وذلك نتيجة سمو وترجيح أحكام هذا القانون على القانون الداخلي( )، ويثور التساؤل في هذه الحالة عن الجزاء المترتب أو المقرر في حالة مخالفة الدولة لأحد القيود . هل يقضي ترجيح أحكام القانون الدولي العام الحكم ببطلان قرار التأميم وإنكار أي أثر قانوني له ؟ أم يتم الاكتفاء بمجردرفض بعض الآثار المترتبة على قرار التأميم دون بعضها الأخر؟ انقسم الفقه حول هذه المسألة : إلى اتجاهين مختلفين على النحو الأتي:

أولا: الاتجاه التقليدي نحو تقرير البطلان وإجراءات التأميم.

ذهب هذا الاتجاه( ) من الفقه إلى القول بضرورة الحكم بالبطلان إجراءات التأميم ، حيث اعتبر قرار التأميم الذي يتم دون أداء أي تعويضات ، يعتبر قرارا باطلا ، وغير مشروع من الوجهة الدولية ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني ، بما في ذلك عدم قدرة هذا القرار على نقل الملكية داخل حدود الدولة التي أصدرت قرار التأميم .

ويمثل هذا الاتجاه – موقف الدول الغربية – اتجاه التأميمات الروسية عام 1917، حيث ظهر في البداية ليعبر عن ردود الفعل العنيفة في الدول الرأسمالية بمناسبة التأميمات، وحجة هذا الاتجاه أن الدولة التي لجأت إلى التأميم إنما تسعى الحصول على مجرد سند الملكية ، بمقتضى قانونها الوطني ولا تستطيع هذه الدولة الاحتجاج بسند الملكية هذا في مواجهة الدول الأخرى، إلا إذا قد تم اكتسابه بوسيلة مشروعة دوليا ، فإذا كان القانون الدولي لا يقر هذه الوسيلة، اعتبرت الملكية ولا زالت باقية للملاك السابقين، ويكون سندهم في الملكية، هو السند الوحيد المعترف به دوليا، بغض النظر عن الحق الجديد الذي نشأ داخليا فقط بمقتضى التأميم( ).

وقد تمسك أنصار هذا الاتجاه بالأفكار المتقدمة لينتهوا إلى بطلان قرارات التأميم الإيرانية والأندونوسية والكوبية، وذلك لعدم كفاية التعويضات باعتبار أنها في رأيهم مخالفة للقانون الدولي العام الذي يقضي بضرورة دفع تعويضات كاملة، وفي سبيل تدعيم رأيهم قدموا حجج ومبررات من أجل تلافي الاعتراض في حالة قيام القاضي بتطبيق قانون موقع المال، وفقا لقواعد تنازع القوانين، حيث يؤكد أنصار هذا الاتجاه أن القاضي غير ملزم في هذه الحالة بتطبيق ذلك، وهم ما كان يكمن أن يؤدي به إلى الحكم بسلامة إجراءات التأميم، التي اتخذتها دولة الموقع في مواجهة الأموال الأجنبية الكائنة في هذه الدولة، ذلك أن خضوع المال لقانون موقعه، يفترض أن قانون الموقع هو قانون بالمعنى الصحيح، وهو ما لا يتأتى إلا إذا كان القانون المذكور غير مخالف لأحكام القانون الدولي العام، أما إذا كان قانون دولة الموقع يخالف هذه الأحكام، فحينئذ انتفت عنه صفة القانون الواجب التطبيق، ومن ثمة يتعذر تقرير شرعية التأميم وفقا لنصوصه( ).

فقد تعين على القاضي الهولندي مثلا، أن يحكم ببطلان إجراءات التأميم الاندونيسية، التي اتخذت في مواجهة الأموال الهولندية في اندونيسيا رغم سلامة هذه الإجراءات وفقا للقانون الموقع (القانون الاندونيسي) ما دام أن الإجراءات قد تمت لمخالفة لأحكام القانون الدولي، مما ينفي عن القانون الاندونيسي صفته الشرعية، كقانون واجب التطبيق أمام المحاكم الهولندية( ).

ومن أشهر القضايا التي حدثت في القرن العشرين والتي تجسد هذا الاتجاه الفقهي الرافض بتطبيق القانون الوطني، أو قانون موقع المال على النزاع المعروض هي القضية المتعلقة بالنزاع الذي نشب في 1929، بين الحكومة الروسية وشركة بريطانية لاستخراج الذهب من المناجم الروسية، بمناسبة استيلاء الحكومة الروسية على أموال الشركة، وقد كان هناك اتفاق بين الطرفين يقضي بتطبيق القانون الروسي عند نشوب أي نزاع بينهما إلا أن المحكمين البريطاني والألماني استبعد تطبيق القانون الروسي وطبق المبادئ العامة للقانون الدولي،وذلك بحجة أن القانون الروسي لا يمكن أن يحكم إلا الأمور التنفيذية داخل الاتحاد السوفيتي، ولا يمكن أن يسند إليه حكم علاقة قانونية لأنه لا يقوم على المبادئ المسلمة للعالم المتمدن أي المدنية الأوربية( ).

غير أن ما انتهى إليه الرأي الغالب في الفقه المعاصر، حتى في الدول التي تعتنق النظام الرأسمالي نفسها، أن إجراءات التأميم لدى الفقه السائد هي إجراءات سيادة، يتعين أن ترتب بعض الآثار حتى ولو خالفت في بعض الأحيان، الأحكام الخاصة لحماية المال الأجنبي، والمقررة في القانون الدولي حيث لا يجوز وفقا لهذا الرأي، أن نتجاهل ما ترتبه ظاهرة التأميم من أثر: كسند ناقل للملكية في شان الأموال الكائنة في الدولة، التي اتخذت هذا الإجراء.

وعليه مهما يكن فان كانت الدولة التي اتخذت إجراءات التأميم على هذا النحو، قد خالفت أحكام القانون الدولي، فإن الجزاء المترتب على ذلك ليس هو بطلان هذا الإجراء ، وإنما مجرد التزامها بالتعويض الشامل.

ثانيا : الاتجاه الحديث نحو إلزام الدولة بالتعويض الشامل.

يعبر هذا الاتجاه عن رأي غالبية الفقه المعاصر حتى في الدول الرأسمالية نفسها، حيث يذهب إلى أن عدم المشروعية أو البطلان، لا يمكن أن يلحق قرار التأميم ذاته باعتبار أن إجراءات التأميم تعد استعمالا لحق مشروع لصيق بسيادة الدولة، ولا تعد باطلة في ذاتها ولو خالفت المبادئ الدولية الخاصة بحماية المال الأجنبي والمقررة في القانون الدولي، فالتأميم ينتج أثاره الكاملة داخل حدود الدولة، أو في مواجهة الدول الأخرى، ولا يقع على عاتق الدولة سوى الالتزام بالتعويض( ).

ومما يدل على سلامة هذا الرأي ما ذهب إليه الفقه الانجليزي في مجموعه، حين استنكر حكم قاضي “محكمة عدن”، واعتبرها سابقة مؤسفة، حيث أنكر عدم قدرة التأميمات الإيرانية على نقل ملكية الأموال محل التأميم الكائنة بإيران، بحجة مخالفة هذه التأميمات القانون الدولي وعدم مطابقة أحكامه، كما أن الفقيه كولجين–KOLLEWIGIN– قد تجاهل قضاء المحكمة العليا الهولندية بمناسبة تأميم البترول المكسيكي عندما اعترف بأن: “الحكومة المكسيكية قد اكتسبت ملكية ذلك النفط وقت التأميم”، ومما يؤيد هذا الاتجاه كذلك الموقف الذي اتخذته الحكومة الأمريكية بمناسبة التأميمات الكوبية، فقد جاء في مذكرة وزارة الخارجية بمناسبة القضية المعروفة”BAHIA DE NIPE”، والمرفوعة إلى المحكمة أن:” التأميمات الكوبية غير مشروعة وفقا للقانون الدولي”، وهو ما يؤثر على العلاقة بين الحكومتين.

ولكن عدم مشروعية التأميمات الكوبية على هذا النحو لا تؤثر في قدرة هذه التأميمات على نقل ملكية الأموال، وهو ما يتعين على القضاء الأمريكي الاعتراف به( )، لأنه حتى ولو كانت الدولة التياتخذت إجراءات التأميم قد رفضت مبدأ التعويض أساسا، فإن عدم مشروعية التأميم من وجهة نظر القانون الدولي، لا تحول دون وجوب الاعتراف بما ترتب عليه من أثار بالنسبة لنقل ملكية الأموال الكائنة داخل حدود هذه الدولة، ولا يختلق الأمر فيما لو كانت عدم مشروعية التأميم راجعة إلى إخلال الدولة بالتزاماتها التعاقدية السابقة، أو أخلت بقيد المصلحة العامة، أو لم تراع مبدأ المساواة وعدم التمييز، حيث يرى الفقه الغالب أن عدم مشروعية التأميم من وجهة نظر القانون الدولي في الحالات السابقة، لا تعني عدم الاعتراف به كإجراء سيادي تترتب عنه انتقال ملكية الأموال الكائنة في الدولة التي اتخذت الإجراء.

ولهذه الأسباب والمعطيات يرفض الرأي الغالب من الفقه الدولي الحديث تقرير بطلان إجراءات التأميم التي تتخذ بمخالفة لأحكام القانون الدولي، وإنما يقر بضرورة إلزام الدولة بالتعويض، وهو الجزاء الوحيد عند عدم مراعاة الدولة لذلك، غير أنه قد ثار خلاف حول التمييز بين حالة التأميمات المشروعة التأميمات غير المشروعة من وجهة نظر القانون الدولي، فهل يتساوى التعويض في كلتا الحالتين؟ إن الفقه الدولي الحديث يجيب بالنفي، حيث يرى ضرورة التمييز والتفريق بين الحالتين، فالتأميم المشروع يرتب التزاما بالتعويض المجرد عن أوصافه التقليدية، أي التعويض في إطار القواعد العرفية الدولية، بخلاف التأميم غير المشروع فهو يرتب عاتقا على الدولة بأداء التعويض الكامل أو الشامل( ).

أي التعويض الذي يتضمن تغطية ما لحق المستثمر الأجنبي من ضرر حقيقي وما فاته من كسب.

وعلى ذلك فإذا اتخذت الدولة إجراءات التأميم في مواجهة أموال أجنبية في إقليمها بالمخالفة لأحكام دولية سابقة تلزمها بعدم تأميم هذه الأموال، فإن إجراءات التأميم في هذه الحالة تعد غير مشروعة في نظر القانون الدولي، ويترتب على ذلك التزام الدولة التي اتخذت هذه الإجراءات بالتعويضات الكاملة، وليس بمجرد التعويضات الجزئية التي يقضي بها العرف الدولي المقرر للحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي( ).

ومن القضايا التي تؤكد وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه: قضية شركة “AMINOIL”الأمريكية ضد الحكومة الكويتية سنة 1979، وتتلخص وقائعها في إبرام أمير الكويت عقد امتياز للبحث عن البترول مع الشركة أنفة الذكر لمدة ستون عاما ، وقد تضمن العقد شرط عدم المساس بالعقد خلال تلك المدة، ونتيجة للتغيرات التي حدثت في سياسة الدول المنتجة للبترول عام 1973، رفضت شركة “AMINOIL” التنازل عن جزء من حصص الإنتاج، أو تعديل الأسعار حسب قرارات منظمة الأوبك OPEC مما دفع الحكومة الكويتية إلى تأميم ممتلكات الشركة مقابل تعويض عادل.

إلا أن شركة ” AMINOIL” لجأت إلى التحكيم الدولي طبقا لشرط التحكيم الوارد بالعقد، وفي حكمها أكدت المحكمة أن التأميم:”طالما كان بغرض تحقيق المصلحة العامة فهو قرار مشروع، ولا يخالف أحكام القانون الدولي، ولا يقيد شرط الثبات من حق الدولة في التأميم ولا يقع على عاتق الدولة سوىتعويض المتعاقد معها تعويضا مناسبا”، كما أوضحت المحكمة ذلك بأن شروط الثبات يجب أن لا تتعارض مع الحقوق السيادية للدولة المتعاقدة في حقها في التأميم( ).

وقد أيدت المحكمة الدائمة للعدل الدولي، هذا الرأي في حكمها الصادر في قضية سيليزيا العليا، السابق الإشارة إليها، حيث أكدت أن التعويض المقرر في حالة تأميم الدولة لممتلكات الأجانب إخلالا بالالتزام تعاقدي سابق، يجب أن يعطي للمالك مركز مماثل لمركزه السابق قبل تجريده من أمواله.

مما سبق يمكن القول أن قرار التأميم سواء كان مشروع أم غير مشروع، فهو قادر على نقل ملكية الأموال الكائنة في إقليم الدولة التي اتخذته باعتباره من قرارات السيادة، مع بقاء الحق للمستثمر الأجنبي في الحصول على التعويض مقابل تأميم أمواله، فعند قيام الدولة التي قامت بإجراءات تأميم المشروع بالتعويض الجزئي، نكون أمام فكرة الإثراء بلا سبب( ).

أما إذا تم أداء التعويض الشامل فنكون بصدد فكرة العمل الغير مشروع، وهي الحالة يتم فيها التأميم ويكون مخالف لأحكام القانون الدولي، أو بما يسميه البعض بفكرة الإخلال بالحق المكتسب، والتي يكون فيها حق التمسك بفكرة النظام العام من قبل المحاكم الوطنية الأخرى، لاستبعاد أي أثر من الآثار المترتبة على التأميم المتعارض مع أحكام القانون الدولي، غير أن السؤال الذي يثور هو عن الحالة التي تقوم فيها الدولة بالتعسف في استعمال الحق، وتقوم بتأميم أموال الأجنبي دون دفع أي تعويض مقابل ذلك ؟.
تقضي القاعدة العامة في هذه الحالة، بأنه على المستثمر الأجنبي أن يلجأ إلى الوسائل القضائية المتاحة داخل الدولة المضيفة للاستثمار للمطالبة بتعويضه عن ممتلكاته التي تم تأميمها، أي أن عليه أن يلجأ إلى السبل المتاحة داخل الدولة المستقبلة للاستثمار غير أنه كثيرا ما يخفق المستثمر الأجنبي في الحصول على حقوقه أو يتعرض لإنكار العدالة، خاصة وأنه في بعض الحالات يصعب عليه الالتجاء للقضاء الوطني لدولته، أو أي دولة أخرى التي اتخذت إجراءات التأميم في مواجهته ولن يستطيع مطالبتها بالتعويض، نظرا لما تتمتع به الدول الأجنبية من حصانة أمام القضاء الوطني للدول الأخرى، فيجوز له طبقا لحدود الحد الأدنى للحماية الدولية الإجرائية، أن يلجا إلى دولته لحمايته بالوسائل السياسية، والتي تعرف في فقه القانون الدولي بنظرية الحماية الدبلوماسية، أو ما يعرف بنظام الحماية الإجرائية( ).

الفرع الثاني: الحد الأدنى للحماية الإجرائية.

لقد أدت الغاية من حماية الأموال الأجنبية داخل حدود دولة أخرى مستقبلة لها، إلى ضرورة تبني سياسة حركة تنقل رؤوس الأموال ، وقد أدركت الدول الصناعية الكبرى منذ عهد التجاريين( ) ، أي منذ فترة طويلة إلى الدور الهام الذي تلعبه استثماراتها خارج نطاقها الوطني خاصة في مجال غزو الأسواقالخارجية، وتوفير المواد الأولية التي تحتاجه إليها صناعتها، وإدراكا منها لأهمية ذلك، وضعت أساليب وأنماط قانونية وفق ما تمليه القواعد العرفية الدولية التقليدية لحماية ممتلكات رعاياها من المخاطر التي قد تتعرض لها في الدول المضيفة، وذلك من خلال آليات الحماية الإجرائية والمتمثلة في نظام الحماية الدبلوماسية.

البند الأول: مدى حق الدولة في التصدي أموال مواطنيها المستثمرين.

تعتبر الحماية الدبلوماسية أداة لتحريك المسؤولية الدولية تجاه الدولة التي أخلت بالتزاماتها نحو رعايا الدول الأخرى، حيث أنه وفق المبادئ الأساسية والمستقرة في القانون الدولي، أنه للدولة الحق في حماية رعاياها عندما يتعرضون لأضرار نتيجة لأعمال ارتكبتها دولة أخرى، ولم يتسنى لهم الحصول على حقوقهم من خلال وسائل التقاضي العادية، وإذا لم يحصل المستثمر الأجنبي على حقوقه بواسطة وسائل الحماية المتاحة له على الصعيد الداخلي للدولة المضيفة، فإن ذلك لا يعني ضياع حقوقه، استنادا إلى مبدأ نظام الحماية الدبلوماسية، حيث تشكل إجراءا ضروريا تتخذه الدولة لحماية رعاياها وحقوقهم على الصعيد الدولي.وتبعا لما تقدم، يمكن دراسة هذا البند من خلال عنصرين وهما:

-مفهـوم الحمايـة الدبلوماسيـة.
-الشروط الواجب توفرها حتى تتمكن الدولة من ممارسة الحماية الدبلوماسية.
مفهوم الحماية الدبلوماسية: تعرف الحماية الدبلوماسية بأكثر من تعريف، وذلك حسب الزاوية التي ينظـر
منها لهذه الحماية وقد عرفهاLOUISA DUBIOUS ، بأنها عمل تقوم به دولة لدى دولة أجنبية أخرى للمطالبة باحترام القانون الدولي، أو الحصول على بعض المزايا، أو كما يعرفها HENRI CAPITANT بأنه نصرف تقرر فيه دولة ما بأن تأخذ على عاتقها نزاع أحد رعاياها ضد أخرى.

وترفع ذلك النزاع إلى المستوى الدولي من خلال الطريق الدبلوماسي أو الطريق القضائي( )، وحسب هذا المفهوم فإن نظام الحماية الدبلوماسية، يشمل كافة التصرفات التي تتخذها السلطات القنصلية والدبلوماسية لدولة ما، ضد دولة أخرى يتواجد فيها رعاياها بغرض الدفاع عن حقوقهم وحمايتهم من الإجراءات التعسفية التي قد تستهدفهم في الدولة المقيمين بها كما هو الشأن في قرار التأميم مثلا. ويؤكد الفقيه Paul de Viss Cherعلى الطابع العرفي لممارسة الحماية الدبلوماسية حيث يقول:”بأنها آلية عرفية من خلالها كل دولة ذات سيادة لديها الحق في طلب تعويض عن الضرر الناتج عن انتهاكات الفانون الدولي التي وقعت من قبل دولة أجنبية ضد أحد رعاياها”.

أما بخصوص الاستثمارات الأجنبية، فيمكن تعريف الحماية الدبلوماسية بأنها:” الإجراء الذي تلجأ إليه دولة المستثمر الأجنبي سعيا لتأمين حقوق استثمار هيئة أو فرد ينتمي إليها بجنسيته لدى دولة أخرى بعد إقدام الأخيرة على المساس به لمخالفة التزاماتها وفق قواعد القانون الدولي( ) وذلك بعد أن يستنفذ طرق إصلاح الضرر في الدولة المسئولة وفق لقانونها ، ولم يكن له يد في ما أصابه من ضرر ( الأيدي النظيفة)( ) “.

ويرجع الفقه سبب قيام الدول بتدخلها دبلوماسيا، لكون أن الفرد لا يحق له مقاضاة الدولة المتواجد بها أمام القضاء الدولي، لأن هذا الأخير لا يعترف له بالشخصية القانونية الدولية، لعدم توافره على شرطين:التعبير عن الإرادة الذاتية في مجال القانون الدولي، والتمتع بالحقوق والالتزامات الدولية( )، ويقوم حق الدولة في الحماية الدبلوماسية لمواطنيها على أساس أن الضرر ألم بأحد رعاياها، إنما هو ضرر واقع على المجتمع برمته، مما يتيح لدولة المتضررحق مقاضاة الدولة المتسببة في الضرر ومطالبتها بالتعويض عن ذلك، وقد أشارت إلى هذا الحق المحكمة الدائمة للعدل الدولي في كثير من أحكامها.

مثل ما هو الشأن بالنسبة للنزاع اليوناني البريطاني بخصوص الامتيازات الممنوحة لمافروماتيس( )سنة 1924 في فلسطين حيث قضت المحكمة بأنـه:” يعد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي، أن يكون للدولة الحق في حماية رعـاياها، عندما يلحق بهم ضرر نتيجة إجراءات مخالفة للقانون الدولي ترتكبها دولة أخرى، ويكونو غير قادرين على أن يحصلوا منها على ترضية مناسبة وذلك عندما يسلكون الطرق القضائية الداخلية.”

ويمكن القول أن نظام الحماية الدبلوماسية جاء نتيجة سببين مهمين وهما:
– نتيجة التسليم بفكرة الحد الأدنى من الحقوق ومبدأ الحقوق المكتسبة، وقاعدة حماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة في الخارج، وأعمالا لتكريس هذه المبادئ في نطاق العلاقات الاقتصادية الدولية، أصبح من واجب الدول أن تمد حمايتها الدبلوماسية لكل رعاياها الموجودين في الدول الأخرى، وضرورة التكفل لهم بالتمتع بكافة الحقوق والمزايا المعترف لهم بها في القانون الدولي.

– .جاء هذا النظام ليقوم بتدارك أمر عدم وجود نظام عالمي يضمن للفرد المثول المباشر أمام جهات القضاء الدولي ، وكحق تحتفظ به الدولة ، وتلجأ إليه فقط عندما تخل الدولة المضيفة بالتزاماتها اتجاه مواطنيها.

-شروط تمتع المستثمر الأجنبي بالحماية الدبلوماسية: لا يمكن لدولة ما أن تتصدى لحماية أموال رعاياها في الخارج، وتتبنى قضيتهم سواء كان طبيعيا أو اعتباريا عن طريق ممارسة دعوى الحماية الدبلوماسية إلا إذا توافرت شروط معينة: – شروط تتعلق بالعلاقة أو الرابطة بين الفرد والدولة. (رابطة التبعية). … – شروط تتعلق باستنفاذ طرق الطعن الداخلية.

-شرط تمتع المستثمر المتضرر بجنسية الدولة التي تباشر الحماية الدبلوماسية: الجنسية هي العلاقة أو الرابطة
القانونية والسياسية بين المستثمر أو الفرد المضرور وبين الدولة المدعية، وبموجب هذه العلاقة لا تستطيع الدولة ممارسة الحماية إلا لصالح رعاياها الذين يحملون جنسيتها لأن هذه الحماية تبرر على أساس الاختصاص الشخصي للدولة.

وإذا كانت الحماية الدبلوماسية، قد وجدت لحماية الشخص الطبيعي مما يصيبه من أضرار مادية أو معنوية، فإن القانون الدولي لا يمنع من تطبيق هذه الحماية على الشخص الاعتباري( )، كإحدى الشركات، إذ يتعين أيضا أن يكون متمتعا بجنسية الدولة التي تتصدى لحمايته وفقا للمعايير التي تعتنقها تشريعات هذه الدولة في شأن تحديد جنسية الأشخاص الاعتبارية، باعتبار أن الاستثمارات الأجنبية إحدى الدعائم الأساسية لاقتصاد كثير من الدول، وأن أي ضرر بها يعد ضررا باقتصاد الدولة التي تتبعها هذه الاستثمارات.

وعليه تعد الجنسية شرط أساسي لقيام العلاقة بين الدولة والشخص المنتمي إليها، وهذا ما أكدته المحكمة الدائمة للعدل الدولي في حكمها الصادر في 23 فيفري 1939 بأنه: “عند عدم وجود اتفاق دولي خاص، فإن رابطة الجنسية بين الفرد والدولة هي الرابطة الوحيدة التي تخول للدولة الحق في الحماية الدبلوماسية”، فإذا لم يتوفر هذا الشرط لا يحق لدولة ما أن تضع مسؤولية دولة أخرى موضع التطبيق، فالعلاقة وثيقة بين الجنسية والحماية الدبلوماسية، بمعنى أن الجنسية هي التي تسمح بممارسة الحماية الدبلوماسية في ظل القانون الدولي المعاصر، وهذا ما أكده حكم محكمة العدل الدولية الصادر عام 1955 في قضية نوتا بوم (NETTEPOM)( )، حيث جاء فيه أن الجنسية استنادا إلى العمل الدولي، وأحكام محاكم التحكيم والقضاء وأراء الفقهاء (هي رابطة قانونية تقوم في أساسها على واقع ارتباط اجتماعي على تضامن حقيقي في الوجود والمصالح والمشاعر مقرونة بتبادل الحقوق والواجبات )، ويستشف من هذا التعريف، أنأهمية الجنسية تستمد من الواقع كما تعني انتماء الشخص فعليا لدولة ما، ولهذا الانتماء أهمية خاصة في تحديد رعايا كل دولة.

-شرط استنفاذ المستثمر الأجنبي وسائل التقاضي الداخلية: لقد استقر العرف الدولي على هذا المبدأ كشرط
لممارسة الحماية الدبلوماسية، ويقصد به أنه لا يجوز لدولة الأجنبي، أن تتصدى لحمايته الدبلوماسية في مواجهة الدولة التي قامت بنزع ملكية أمواله الكائنة في إقليمها، إلا بعد أن يكون المستثمر الأجنبي طالب الحماية، قد استنفذ دون نجاح كافة الوسائل الداخلية لجبر الضرر في تشريع الدولة المضيفة ، وقد استقر العمل الدولي على إعمال هذا المبدأ كشرط لممارسة الحماية الدبلوماسية، وهو ما أقره معهد القانون الدولي بوصفه تعبيرا عن قاعدة عرفية دولية( )، وعليه يستوجب على المستثمر الأجنبي المتضرر أن يقوم باستنفاذ طرق الطعن المحلية إدارية كانت، أم قضائية والمقررة في تشريع تلك الدولة، ودون مراعاة هذا الشرط لا تستطيع دولة المتضرر المطالبة الحماية الدبلوماسية.

وقد تنازل القضاء الدولي موضوع شرط استنفاذ وسائل التقاضي الداخلية، حيث أقرت محكمة العدل الدولية الدائمة، في قضية شركة أنترهاندل بين سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية في 21ماي1959، أين دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم شرعية مطالب السويسرية، استنادا إلى أن الشركة لم تستنفذ طرق وإجراءات التقاضي المحلية المتاحة لها بموجب النظام القضائي الأمريكي، حيث قررت المحكمة أن إتباع هذا الشرط هو من المبادئ الأساسية الثابتة والمستقرة في القانون الدولي( )، كما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، هذا الشرط في قرارها رقم:1803 الصادر في 14-12-1962،المتضمن لمبدأ السيادة على الثروات الطبيعية على أنه:”يراعى حال نشوء نزاع حول موضوع التعويض استنفاذ طرق التقاضي الوطنية للدولة التي اتخذت تلك الإجراءات…”.

إن الحكمة من استلزام هذا الشرط هو احترام سيادة الدولة المضيفة للاستثمار، وعدم التشكيك في نزاهة قضائها الوطني، إضافة إلى منح الدولة المضيفة للاستثمار فرصة لإصلاح الضرر، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه بواسطة هيئاتها الداخلية قبل إثارة النزاع إلى الساحة الدولية من خلال الحماية الدبلوماسية.

البند الثاني: موقف القضاء والفقه من نظام الحماية الدبلوماسية .

إن حق الحماية الدبلوماسية هو حق لصيق بالدولة – حق خاص”Droit propre ” وليس للمتضرر، وعليه فهي وحدها التي تقرر ما إذا كانت ستمارس هذا الحق، من عدم ممارستها له تبعا لظروفهما ومصالحهما مع الدولة المتسببة في الضرر، لأن لها سلطة تقديرية لا معقب عليها في قبول التصدي لذلك، ولا يستطيع الشخص المتضرر إرغامها على ذلك إن لم تبادر لحمايته. ويرجع ذلك لكون أن المستثمر أو الشخص المضرور، ما هو إلا موضوع من مواضيع هذه العلاقة ولا يمكنه أن يكون طرفا في النزاع، غير أن المبالغة في استعمال هذا الحق قد يؤدي إلى تدخل الدولة القوية في الشؤون الداخلية للدول الضعيفة بحجة حماية مصالح رعاياها ( )، لذا كان من الطبيعي أن تبحث الدول الضعيفة عن وسيلة أوأداة قانونية تقيد من خلالها تدخل الدول القوية في شؤونها ، ويعتبر شرط كالفو( )، أحد هذه الأدوات القانونية التي ابتدعت للحيلولة دون التدخل في الشؤون الداخلية للدول المضيفة.
ولعل من بين الدول التي تبنت هذا الشرط، ودافعت عنه بقوة: دول أمريكا اللاتينية من خلال العقد المبرم بين دولة المكسيك والشركة الأمريكية والمعروفة باسم NORTH AMERICAN DREDIGING COMPANY OF TECSAS حيث جاء فيه يعتبر المتعاقد وكل أشخاص المرتبطين بأداء العمل مباشرة أو بطريق غير مباشر – وفقا لهذا العقد- يعتبرون كالمواطنين المكسيكيين داخل الجمهورية المكسيكية، فيما يتعلق بأداء العمل وإتمام هذا العقد، وليس لهم حق رفع دعوى بالنسبة لحقوقهم ومصالحهم وإعمالهم المتعلقة بهذا العقد .
وأي حقوق ووسائل أخرى لتنفيذ هذه الأمور أكثر من تلك التي تعطيها قوانين جمهورية المكسيك لمواطنيها، ولا يتمتعون بأية حقوق أخرى أكثر من تلك التي قررت لصالح المكسيكيين،ونتيجة لذلك يجردون من أي حقوق بوصفهم أجانب، ويتعهدون بعدم السماح لتدخل الممثلين الدبلوماسيين الأجانب في أي أمر يتعلق بتنفيذ هذا العقد).
ويقوم “شرط كالفو” على مجموعة من الأسس تتمثل في: .. – مبدأ خضوع النشاط الأجنبي لسلطة القضاء الوطني وهو ما يقره التعامل الدولي، كما جاء ذلك في ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول لسنة 1974 من خلال ما نصت عليه المادة الثانية منه في الفقرتين (أ،ج). – إخضاع العقد لقانون الدولة المتعاقدة وهي نتيجة بديهية للشرط الأول لأن القاضي الوطني ملزم بتطبيق قانون دولته. -مبدأ المساواة في المعاملة بين الأجانب والوطنيين، حتى ولو كان محتوى الحقوق والالتزامات مختلفة عما هو عليه في دولة المتعاقد، وهو مبدأ يتماشى مع ما أقره العمل الدولي في كثير من المواقف والأعمال الدولية.

– تنازل المتعاقد عن طلب الحماية

الدبلوماسية من دولته، يمثل أخطر مبدأ شرط كالفو لما فيه من تفويض لسلطة الدولة الحامية، لأن الحماية الدبلوماسية تمثل أسلوبا مزدوجا، فإلى جانب كونها وسيلة دبلوماسية فهي أيضا وسيلة قضائية يتم من خلالها مقاضاة الدولة المتسببة في الضرر والتسليم بالتنازل معناه تجريد الدولة من ممارسة حق الحماية سواء عن طريق العمل الدبلوماسي، أو عن طريق العمل القضائي. …. – ونظرا لما يمثله التنازل من عدمه في تباين للمصالح ، فقد جاء موقف القضاء الدولي

متضاربا بين مؤيد ومعارض:
– بالنسبة للموقف المؤيد لشرعية شرط التنازل، فيرى أنصار هذا الموقف بأنه بإمكان المستثمر الأجنبي المتضرر ، أن يتنازل مقدما من اللجوء إلى دولته ، للمطالبة بما قد يصبه من ضرر اتجاه الدولة المضيفة ، فهوانطلاقا من ذلك يتمتع بسلطة تقديرية بالنسبة للأوضاع التي تواجهه اتجاه الدولة المقيم فيها ، وما دام كذلك فتنازل عن هذا الشرط هو تنازل مشروع ، لأن الدولة لا يمكنها أن تتدخل لحماية رعاياها فيما قد يصبهم من أضرار إلا بناء عل طلبهم. -.أما الموقف المعارض لشرعية شرط التنازل: فيقرر بطلان هذا الشرط حتى وإن تضمنه العقد ، فعلى الدولة أن تتدخل لحماية مصالح رعاياها ، لأن الأفراد لبست لهم القدرة في مواجهة الدول الأخرى لمطالبتهابالتعويض ، فما هم إلا مجرد موضوع من مواضيع هذه العلاقة، ولا يمكنهم أن يكونوا طرفا في النزاع( )، وبالتالي على الدولة أن تتصدى لحماية رعاياها، وبالتالي تكفل لهمالتمتع بالحقوق والمزايا المعترف لهم بها في القانون الدولي( ). . -.أما الموقف التوفيقي: هو ما ذهبت إليه لجنة التحكيم الدولية في النزاع القائم بين الشركة الأمريكية ودولة المكسيك، السابق الإشارة إليه حيث اعترفت هذه اللجنة بشرط كالفو مع اشتراط مطابقة تضمن العقد لهذا الشرط للقانون الدولي، وترى هذه اللجنة ضرورة التمييز بين الأمور التي تدخل في نطاق العقد، والأمور الخارجة عنه، فالأولى ترى بأن مخالفة العقد للقانون الدولي، لا يمنع من ممارسة الدولة لحق الحماية الدبلوماسية ، لأن الحماية لا تقوم على أساس الضرر الذي أصاب الرعية المتنازل عن حقه في اللجوء إلى دولته لحمايته من الضرر الذي ألحقته به الدولة المضيفة، بل على أساس مخالفة لقواعد القانون الدولي. في حين أن إنكار العدالة هو أمر خارج عن نطاق العقد. وعلى ضوء ما سبق ذكره يمكن القول أن “شرط كالفو” جاء لتقييد حرية الدولة في مجال ممارستها للحماية الدبلوماسية ومن ثمة جعل حصانة للسيادة في الممارسة الدولية، ومهما يكن وسواء كانت هذه الحماية ذات طابع موضوعي أو إجرائي، فإن المهم هو التساؤل حول ما مدى كفاية الحد الأدنى للحماية الموضوعية والإجرائية في توفير الحماية اللازمة للاستثمارات الأجنبية ؟ وهل هذه الحماية قادرة على إدراك متطلبات التعاون الاقتصادي الذي تسعى إليه الدول التي ترتبط بروابط خاصة وتجمعها على هذا النحو مصالح اقتصادية مشتركة خاصة في ظل تطور العلاقات الدولية وبزوغ العولمة الاقتصادية ؟.

المطلب الثاني:العوامـل التي ساهمت في قصـور القواعد العرفيـة الدولية عن توفيـر الحماية اللازمـة للاستثمارات الأجنبيـة.

يقلل الفقه من فعالية القواعد الدولية العرفية كوسيلة لحماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة، إذ أن القانون الدولي لا يتضمن أحكاما تفصيلية لمعاملة هذه الاستثمارات، لاسيما وأن المبادئ العرفية التي ابتدعتها الدول الأوربية، إبان استعمارها للدول الفقيرة لحماية رعاياها في هذه الدول كمبدأ الحد الأدنى لمعاملة الأجانب ، ومبدأ احترام الحقوق المكتسبة، لا يمكنها أن توفر الحماية للاستثمارات الأجنبية كما أن قاعدة التعويض التقليدية(كامل،حال،فعال)، لم تعد تلقى قبولا في التطبيق الدولي، وأصبحت هذه القاعدة عديمة الفائدة، إذ أن المستثمر الأجنبي لم يعد يحصل على تعويض كامل في حالة تأميم ممتلكاته بل تعويضجزئي، كما لم تستطيع القواعد العرفية أن توفر الأداة الدولية الملزمة لحل منازعات الاستثمار.
وأخيرا فإن وسيلة الحماية الدبلوماسية أضحت وسيلة غير فعالة بالنسبة للمستثمر الأجنبي، فقد تقرر الدولة عدم استخدامها لحمايته لاعتبارات سياسية معينة ، بما يعني إنكار العدالة وتجريد المستثمر من حق التمتع بهذه الحماية من الناحية العملية، ولا ننسى نظرة عدم الرضا التي تنظر بها الدول النامية إلى القواعد العرفية الدولية، بحجة أنها لم تشارك في وضعها، وأن هذه القواعد لا تمثل سوى مظهر للتاريخ الاستعماري،وتمسك هذه الدول بالنظام الاقتصادي الدولي الجديد الذيترغب في المساهمة في وضع قواعده، بالإضافة غلى ظهور الشركات المتعددة الجنسيات، وأثرها على توجهات الاستثمار الدولي.

الفرع الأول : عدم كفاية الحماية الدولية العرفية للاستثمارات الأجنبية.

بعد أن انتهينا من دراسة قاعدة الحد الأدنى المقررة لحماية الاستثمارات الأجنبية في العرف الدولي سواء الحماية الموضوعية أو الإجرائية، لم يبق لنا سوى البحث حول مدى كفاية هذا الحد الأدنى في توفير الحماية اللازمة والكافية للاستثمارات الأجنبية وهو ما يقتضي التفرقة في هذا الصدد بين الحماية الموضوعية من ناحية، والحماية الإجرائية من ناحية أخرى.

البند الأول : ضعف الحد الأدنى للحماية الموضوعية.

أولا: محدودية التعويض في إطار الأعراف الدولية: يخول الوضع الراهن للقانون الدولي العرفي( ) في شأن الحماية الدولية للمال الأجنبي للدولة، الحق في نزع ملكية الأجانب ، أو تأميم ممتلكاتهم بشرط الالتزام بمبدأ التعويض، حيث يعد الالتزام بأداء التعويض ضمانا قانونيا مهما من ضمانات الاستثمار الأجنبي في الدولة المستقبلة للاستثمار إذ عليها وفق القواعد العرفية الدولية وإن كانت تملك الحق في الاستيلاء على المشاريع الأجنبية التي تزاول نشاطا تجاريا في إقليمها، باستخدام أدوات قانونية مختلفة، فإنها تلتزم من جهة أخرى بمقتضى تلك القواعد، جبر الضرر الذي يلحق المستثمر الأجنبي نتيجة حرمانه بطريق مباشر أو غير مباشر من أمواله المستثمرة في الدولة ، ويتجسد ذلك عموما بتعويضه عن هذه الأموال.
بيد أن اختلاف في أداء التعويض، يتباين ويتضارب بين ما هو عليه وفق أوصاف التعويض التقليدية( ) وبين ما تقضي به الأعراف الدولية في هذا الصدد. ويقضي الفقه والقضاء الدوليين بشأن تحديد أوصاف التعويض، بأن المستثمر الأجنبي الذي نزعت ملكيته قانونيا يستحق مقابل ذلك تعويض يتخذ الأوصاف التالية:
– تعويض عادل “Adéquate”: وهو التعويض الذي يغطي الخسارة الفعلية، ويكون مساويا للقيمة الحقيقية للأسهم المنزوعة والأرباح التي كانت متوقعة، ودرجة الأضرار التي تصيب المستثمر الأجنبي على إثر هذا الإجراء ، على أن يكون التعويض نقدا أو على هيئة أموال قابلة للتحويل إلى نقد.
– تعويض فعال “Effectif”: يقصد بفاعلية التعويض إمكانية المستثمر الأجنبي الاستفادة من مبلغ التعويض فوريا( )، على أن يتم الوفاء بالتعويض بعملة دولة جنسية المستثمر أو بعملة الدولة التي اتخذت الإجراء( ).
– تعويض فوري “Prompte”:وهو التعويض الذي يجب أن يؤدي فور وقوع إجراء التأميم أو نزع الملكية. غير أن تطبيق التعويض بهذه الأوصاف لم يجد استجابة عملية يعتد بها ، فهناك حالات اكتفت فيها الدولالتي اتخذت إجراء التأميم بمجرد الوعد بالتعويض ، أي الالتزام بأدائه في المستقبل ، وهو ما قامت به المحاكم الفرنسية التي اعتدت بالتأميمات الجزائرية، وأكدت شرعيتها من الوجهة الدولية، بحكم أن الجزائر قد التزمت الوعد بمبدأ التعويض( )، وأكدت أن مجرد الوعد بالتعويض هو كافي لشرعية الدولية ويرتب أثاره القانونية.
كما تضمنت السوابق الدولية الحديثة والمقررة للحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي ، أن يكون التعويض جزئي ومناسبا للقدرة المالية للدولة التي اتخذت إجراءات التأميم وهو ما جرد التعويض من وصفه الشامل ، فالفقه الدولي يدين التعويض الجزئي ، وقد استند في ذلك إلى أنه إذا كانت الدولة غير قادرة على دفع تعويضا كاملا ، فيجب عليها أن تمتنع وتعارض فكرة أخذ ملكية الأجنبي( ) .
من ناحية أخرى ووفقا لما أقره الحد الأدنى وبمقتضى الأعراف الدولية ، فلا يشترط في التعويض أن يكون فوريا وإنما يمكن أن يكون مؤجلا أو على أقساط تمتد لعدة سنوات ، كما حدث في النزاع البترولي الذي جرى بين ليبيا والشركات الأمريكية ، بحيث لم ترد ليبيا الأمور إلى نصابها، كما أمر الحكم ولم تدفع التعويضات بالمبالغ التي طالبت بها الشركات ، فقد حلت هذه القضية بتسوية أدت إلى دفع تعويض عيني من البترول بمبلغ 151 مليون دولار على مدة 15 شهرا ، في حين كان تعويض مجموعة أوازيس OASIS يمتد على أربعة سنوات( ) .
كما أنه لا يشترط أن يتم أداء التعويض بعملة الاستثمار أو بعملة الدولة التي ينتمي إليها الأجنبي والذي نزعت أمواله أو أممت مشروعاته ، وإنما يجوز أن يكون التعويض بالعملة المحلية للدولة المضيفة للاستثمار ، كما أن أداء التعويض قد تم بصورة عينية( ) في بعض السوابق الدولية.
إن تجريد التعويض من وصفه الشامل والحال والفعال على هذا النحو، لا يحقق للمستثمر الأجنبي الحماية التي يرجوها وينشدها، حيث بدا لنا ذلك بوضوح إزاء قصور أحكام التعويض المقررة في العرف الدولي عند اتخاذ إجراءات التأميم أو نزع ملكية المال الأجنبي، خاصة في الحالات التي تتم فيها هذهالإجراءات ضمن خطة شاملة للإصلاح الاجتماعي، حيث يعترف الجميع بضرورة تجريد التعويض من أوصافه التقليدية في هذه الحالة بالذات.
وعلى ضوء ما سبق ذكره فإنه يمكن القول أن التعويض يبقى محدودا في إطار الحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي ، ويظل بعيدا كل البعد عن توفير الحماية اللازمة والكافية والضرورية للمستثمر الأجنبي، وكذلك الحماية التي يتطلبها التشجيع المتبادل لحركة انتقال رؤوس الأموال فيما بين الدول التي نهدف إلى إنشاء روابط اقتصادية خاصة تحقيقا لسياستها المشتركة وبالتالي لم يعد يلبي متطلبات التعاون الاقتصادي التي تسعى إليه الدول في الوقت الحاضر.

ثانيا: انعدام الحماية ضد المخاطر غير التجارية الواقعة في ظل الظروف الاستثنائية:

قد تواجه الاستثمارات الأجنبية الخاصة في أقاليم الدول المضيفة العديد من المخاطر محتملة الوقوع حيث تعتبر المخاطر التي تقع في ظل الظروف الاستثنائية من أهم العقبات التي تحول دون تدفق رؤوس الأموال الأجنبية، وخاصة إلى الدول النامية، وهذه المخاطر تشكل هاجسا كبيرا للمستثمر الأجنبي، ويضعها في اعتباره قبل إقدامه على استثمار أمواله في أي بلد خارجي، حيث قد تتعرض الأصول التي تشكل مشروعا استثماريا لخسائر داخل الأقطار المضيفة لأعمال الحرب أو العنف السياسي أو الفتن، والاضطرابات الداخلية نتيجة إجراءات قامت بها سلطات الأقطار المضيفة، وهي بصدد مواجهة هذه الأعمال أو ردعها، كما يمكن أن تصاب الأصول غير المادية كالأوراقالمالية والحساباتأوالمستندات. …. ويشمل هذا الخطر الثورات، التمرد، الانقلابات، وما يماثلها من الأحداث السياسية التي تتميز بخروجها عن سيطرة الحكومة المضيفة. الثورات هي حالة من الصراع تمتد إلى نطاق واسع تنتهي إما بانقلاب أو عصيان عام أو حرب أهلية، كما تشمل أعمال القتال بين الثوار والقوات الحكومية ( ).
ويذكر أنه قد تأتي على رأس تلك المخاطر، مخاطر الحرب والنزاعات والفتن الداخلية، وتوتر العلاقات السياسية وقطع العلاقات الدبلوماسية، وما تثيره من مشاكل بدت لنا خطورتها بصفة خاصة في مجال العلاقات القائمة بين الدول العربية والدول الغربية، وهذه الخطورة تزداد بطبيعة الحال في أوقات الحرب، وفي خضم تلك الظروف غير عادية تنعدم أو تكاد تنعدم الحماية ضد هذه المخاطر، مما يجعل المستثمر الأجنبي في مركز شبه منعدم لحماية حقوقه وأمواله، خاصة وأن أحكام العرف الدولي تسمح للدولة المتحاربة بالاستيلاء على الأموال العامة المملوكة للدول المتحاربة الأخرى، وبالتالي فإن الحد الأدنى للحماية الدولية للمال الأجنبي يظل مع ذلك عاجزا عن تحقيق حماية قوية وفعالة للمستثمر الأجنبي وتتجلى خطورة هذه الأوضاع في أوقات الحروب بصفة خاصة بالنسبة للأموال العامة التي تمتلكها إحدى الدولالمتحاربة والكائنة في إقليم دولة متحاربة أخرى، وعليه فإن الحماية المتطلبة سوف تمس مسائل لم يستقر القانون الدولي العرفي على حلول في شأنها( ) .

البند الثاني: ضعف الحد الأدنى للحماية الإجرائية.

إن الحماية الدبلوماسية التي تمارسها دولة المستثمر الأجنبي في مواجهة الدولة التي اتخذت إجراءات التأميم ، أو المصادرة لا يمكن أن توفر الحماية المطلوبة للاستثمارات الأجنبية، فهي قواعد غير كافية وغير فعالة، ولا تحقق الضمان الكامل للمستثمر الأجنبي، فقد رأينا سابقا أن استعمال الدولة لحقها في ممارسة الحماية الدبلوماسية متوقف على توافر عدة شروط أهمها استنفاذ وسائل جبر الضرر الداخلية في الدولةالمضيفة للاستثمار وبكافة درجاتها ، وكما نعلم أن التأميمات التي تقوم بها الدولة لا تتم إلا بناء على قانون صادر من السلطة التشريعية ، ومن ثم فإن الهيئات القضائية فيالدولة المضيفة ملزمة باحترام قانون التأميم وعدم مخالفته، وعليه فإن إجراءات التقاضي ستكون دون نتيجة ملموسة هذا من جهة ،ومن جهة أخرى فإن دولة المستثمر تتمتع بسلطة تقديرية مطلقة في موافقة أو رفض ممارسة هذه الحماية، فالحماية الدبلوماسية هي حق خاص لصيق بدولة المستثمر وليس واجبا عليها، فقد ترى أن تباشر هذه الحماية أو لا تباشر، فالمستثمر الأجنبي المتضرر لا يستطيع أن يجبر دولته على ممارسة الحماية الدولية لصالحه.
ولابد من الاعتراف أن الحماية الدبلوماسية التي قد تضفيها الدولة على مواطنيها الذين يستثمرون أموالهم في الخارج ليست في ذاتها عاملا كافيا( )لحمايتهم عندما تثور المنازعات نظرا لما يحيط بها من اعتبارات سياسية كثيرة قد تدفعها في ظروف معينة إلى عدم الاهتمام أصلا بحماية حقوق المستثمر، لذا فإن الحماية عن طريق التدخل الدبلوماسي غيـر كافية.
كما أن أهم عيب في الحماية الدبلوماسية من وجهة نظر المستثمر الأجنبي يكمن في طابعها الاختياري والتقديري، ذلك أن الكلمة الأخيرة في ممارسة هذه الحماية تبقى في يد السلطة التنفيذية التي تحدد على ضوء الظروف التي تحيط بها بما فيها الموقف السياسي، ما إذا كانت تتولى هذه الدعوى أم لا وكيفية ذلك والوقت الذي ستقدم فيه الدعوى وإذا حدث أن سمح المدعي لحكومته بأن تتولى دعواه بالنيابة عنه، فإنه يجب عليه أن يقبل أي تسوية تحصل عليها الحكومة، وعلاوة على ذلك فالحكومة غير ملزمة بأن تستشير المدعي خلال المفوضات، ومن جهة أخرى قد تمر سنوات عدة قبل إمكان البدء في المفوضات .
وقد يؤدي هذا إلى الاكتفاء بقبول مبالغ صغيرة نسبيا من التعويض، ولما كان حق مباشرة الحماية الدبلوماسية يعد وسيلة غير كافية وغير مقنعة وغير فعالة، أضف إلى ذلك وقوف مبدأ حصانة الدولة أمام المحاكم الداخلية عائقا في مواجهة تصرفات الدولة المضيفة انطلاقا من مبدأ السيادة، بالإضافة إلى جهل المستثمر بطبيعة إجراءات التقاضي أمام محاكم الدولة نفسها ولهذا السبب قد أثيرت مسألة ممارسة الحماية الدبلوماسية صعوبات وإشكاليات في مجال تطبيق الدولي على النحو الأتي:
01- الحماية الدبلوماسية ومشكلة تعدد الجنسيات:
يشترط على طالب الحماية الدبلوماسية سواء أكان شخصا طبيعيا أم اعتباريا، من رعيا الدولة التي تحميه أن يحمل جنسيتها، إذ أنه من المسلم به أن الجنسية هي شرط أساسي لممارسة الحماية الدبلوماسية، فإذا لم يتوفر هذا الشرط، فلا يحق للدولة ممارسة هذا الحق .
وتطبيق شرط الجنسية رغم بساطته إلا أنه يثير العديد من المشاكل من الناحية العملية ، وهي حالة تمتع المستثمر الأجنبي بأكثر من جنسية وحالة عدم تمتعه بجنسية أية دولة (عديم الجنسية).فمن المشكلات التي تثيرها الحماية الدبلوماسية أمام القضاء الدولي هي المشكلة المتعلقة بالفرد أو المستثمر المتعدد الجنسية، وهنا تثار مشكلة دقيقة تتعلق بتحديد أي من الدولتين التي يحمل الشخص جنسياتها هي التي يمكن لها أن تتصدى لحمايته، خاصة عند عدم وجود اتفاقية دولية بين الدول التي يحمل المستثمر المتضرر جنسياتها تتضمن حلا اتفاقيا لهذه المشكلة.
لقد ساد في البداية ما يسمى بمبدأ تكافؤ السيادات، وهي نظرية اعتنقها الفقه سعيا منها نحو إيجاد حلا يتم بموجبه تحديد مركز المستثمر الأجنبي متعدد الجنسية، أي بالنظر إلى مبدأ المساواة في السيادة بين الدول التي يحمل المستثمر الأجنبي جنسياتها، والذي ينكر على القضاء الدولي الحق في الترجيح بين الجنسيات التي يحملها الشخص المتضرر، وأن ترجيح إحداها يتضمن إهدارا لسيادة دولة أخرى، لأنه وفقا للعرف الدولي لا يجوز لدولة ما ولو كانت من الدول التي يحمل الشخص جنسياتها، أن تتصدى لحمايته في مواجهة دولة أخرى من الدول التي يعد متعدد الجنسية من مواطنيها( )، غير أن الأخذ بالمبدأ المذكور يعني العجز عن حسم مشكلة تعدد الجنسيات، لأنه لا يجوز لإحدى الدول التي يحمل الشخص جنسياتها أن تتصدى لحمايته في مواجهة دولة أخرى، لأنه استنادا إلى مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، فإنه من غير المعقول تفضيل دولة على أخرى في مجال تحريك دعوى المسؤولية .
ونتيجة فشل المبدأ السابق في حل مشكلة تعدد الجنسيات، فقد ذهب الفقه الحديث في سبيل تحديد الجنسية اللازمة لممارسة الحماية الدبلوماسية إلى الأخذ بمعيار الجنسية الفعلية( )، فلكي تعد الجنسية أساسا لممارسة الحماية الدبلوماسية في القانون الدولي، فلا بد أن تعبر عن ارتباط فعلي بين الشخص والدولة التي ينتمي إليها بجنسيته، ويقوم هذا المعيار على تفضيل الجنسية التي تتفق مع الواقع الفعلي، ويبدو ذلك من خلال الظروف الموضوعية والشخصية لحياة متعدد الجنسيات.
مثل محل حياته ، إقامته العائلية ، ممارسته للحقوق العامة والسياسية في الدولة ، ومن خلال سلوكه في حياته (العائلية والاجتماعية والاقتصادية، بما يفيد ارتباطه واندماجه في شعب الدولة بصورة أكثر وثوقا بالمقارنة بالدولة الأخرى التي ينتمي إليها وهذا المعيار هو ما أكده القضاء، إذا قضت محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية نوباتوم سنة 1955 بأنه يجوز الاعتراف بالجنسية من قبل الدول الأخرى واستخدامها كسند قانوني لممارسة الحماية الدبلوماسية ، إذ كانت فعلية ، وتمثل رابطة حقيقية بين الفرد والدولة).
غير أنه رغم توصل الفقه الدولي إلى إيجاد معيار يتم بواسطته حل مركز متعدد الجنسيات من خلال تبني الجنسية الفعلية إلا أن ذلك ما يصطدم ببعض العقبات، حيث لا يخلو بدوره من المشاكل فرغم أن القضاء الدولي قد انتهى بحق، إلا أنه إذا تنازعت الدول التي يتمتع متعدد الجنسية بتبعيتها في شأن التصدي في حمايته لمواجهة الدول التي سبب لها الأضرار، فقد يحدث أن تكون الدولة التي قامت بذلك هي إحدىالدول التي يتمتع بجنسيتها، وفي هذه الحالة لم يجد القضاء الدولي للدولة الأخرى التي يتمتع المتعدد بجنسيتها أيضا أن تتصدى لحمايته، ولو كانت هذه الدولة الأخرى هي الدولة التي يرتبط بها ارتباطا فعليا .
وأساس ذلك كما بينا فهو استقرار العرف الدولي على اعتبار علاقة الدولة بمواطنيها أمر يتعلق باختصاصها الداخلي المطلق ، لذلك لا يمكن للحماية الدبلوماسية المقررة بمقتضى الحد الأدنى لمعاملة الأجانب وفق القواعد العرفية الدولية أن توفر الحماية اللازمة، ولا سبيل لحماية متعددة الجنسية لا منخلال الاتفاقات الدولية التي تعترف فيها الدول الأطراف بحق دولة الجنسية الفعلية فيالتصدي للحماية الدبلوماسية للمتعدد الذي يحمل في نفس الوقت جنسية دولة أخرى من الدول المتعاهدة، وتبدو الأهمية الخاصة للمشاكل المترتبة على تعدد الجنسية بالنسبة للأشخاص الاعتبارية.
حيث ترجع استحالة توفير الحماية الدولية للشخص الاعتباري قد تترتب كنتيجة لتعدد جنسيته، وصعوبة القول لخضوعه في بعض الحالات لإشراف دولة محددة بالذات، مما يتخلف معه أحد شروط ممارسة هذه الحماية في رأي البعض، وهو تمتعه بالجنسية الفعلية للدولة التي تتصدى لحمايته، ولعل خير مثال على ذلك هو المشروعات والشركات الدولية التي يتم إنشاؤها بمقتضى اتفاقية ثنائية أو جماعية، إذ يثور التساؤل عن الدولة التي يحق لها التصدي لحماية المشروع فيما لو أصابه ضرر من دولة غير طرف في الاتفاقية المنشئة له، وهو تساؤل يتعين أن تكون الإجابة عليه واضحة في نصوص الاتفاقية ذاتها، تجنبا لصعوبة استخلاص حل غير اتفاقي من خلال المبادئ التي يتضمنها الحد الأدنى للمعاملة الإجرائية للمال الأجنبي الذي يعد غير كافيا من هذه الناحية.
02- الحماية الدبلوماسية ومشكلة انعدام الجنسية:
إذا كان الفقه الحديث قد حسم إلى حد ما مشكلة متعدد الجنسية كما سبق وأن رأينا، إلا أن الأمر يختلف بالنسبة لمركز عديم الجنسية، الذي يتميز مركزه عن غيره من الأجانب في الدولة، فصفة الأجنبي بالنسبة إليه ليست نسبية بل هي مطلقة، باعتبار أنه أجنبي عن جميع الدول( ).
وانطلاقا من اعتبار شرط الجنسية هي الرابطة المتطلبة لإمكان ممارسة الحق في الحماية الدبلوماسية، فعدم وجود أي جنسية يجعل المستثمر الأجنبي في وضع يفتقر فيه إلى الدولة التي يمكن أن تتصدى لحمايته في مواجهة الدول الأخرى، ويترتب على ذلك أن يصبح بإمكان أي دولة أن تعامل هذا الأجنبي معاملة تقل عن الحد الأدنى المعترف به دوليا للأجانب، ومن ثم بدا استحالة توفير الحماية اللازمة للمستثمر الأجنبي بمقتضى الحماية الإجرائية للحد الأدنى لمعاملة الأجانب، فلا سبيل لحماية عديم الجنسية إلا من خلال اتفاقات، ونتيجة لذلك قد اتجهت جهود الدول إلى عقد الاتفاقيات التي تقضى على هذه الظاهرة، ومنحت عديم الجنسية مركزا قانونيا قائما على أساس قانون بلد الموطن أو الإقامة( ).
كما يبدو عدم كفاية الحد الأدنى للحماية الإجرائية واضحا من خلال ما استلزمه العرف الدولي من ضرورة استنفاذ الوسائل القضائية الداخلية قبل المباشرة في التصدي للحماية الدبلوماسية، فقد مضت الإشارة إلى أنه لا يجوز لدولة جنسية الأجنبي أن تتصدى لحمايته في مواجهة الدولة التي قامت بنزع ملكيةأمواله الكائنة على إقليمها، إلا إذا كان طالب الحماية قد سبق له وأن استنفد دون نجاح الوسائل القضائية المقررة في تشريع هذه الدولة الأخيرة، وذلك ما لم يتضمن الاتفاق الدولي بين الدولتين، ما يخول للدولة الحامية حق ممارسة حمايتها الدبلوماسية للمستثمر الأجنبي، دون مراعاة هذا الشرط أو فيما إذا تم استبعاده في اتفاقات التحكيم بين المستثمر والقطر المضيف لاستثماره.
وعليه إن استلزام هذا الشرط وفق قواعد العرف الدولي لا يحقق للمستثمر الأجنبي مصلحة خاصة في الحالات التي يعرف فيها البلد المضيف للاستثمار، أنه لا يملك جهازا قضائيا محايدا وفعالا تتسم إجراءاته بالسرعة.

03- الحماية الدبلوماسية وآليات تسوية النزاعات الاقتصادية:

لم يعد وعاء الدولة كافيا وملائما لكل أنماط الحماية الدولية المكفولة للمستثمر الأجنبي في الوقت المعاصر، فمحور العلاقة دولة – دولة ، الذي يقوم عليه أساس الحماية الدبلوماسية التقليدية الذي يحجب صاحب الحق الأصلي بتولي الدولة القيام بمطالبة دولية لفائدته، والمبرر آنذاك بالمركز القانوني للفرد المنعدم على صعيد القانون الدولي التقليدي، حيث لم يعد مقنعا في الوقت الحالي ، إذ أنه من المسلم به حاليا أن الأمور قد تطورت بشكل معتبر على هذا الصعيد، بحيث توجد عدد من الآليات الدولية لحماية التي تكفل للفرد الحق في أعمال حقوقه مباشرة أمام الهيئات الدولية التحكيمية أو القضائية المنشأة لهذا الغرض وخاصة تلك المتعلقة بحماية الاستثمارات العابرة للحدود( ).
وقد شهدت وتيرة التدفقات الاقتصادية والاستثمارات المباشرة وغير المباشرة بين بلدان العالم زيادة كبيرة، وخاصة في عصرنا هذا – عصر العولمة – وذلك بفعل تأثير ثورة التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال، التي سهلت من عمليات التنقل والمواصلات مما حتم ضرورة إيجاد آليات بديلة للحماية الدبلوماسية، لأن هذه الأخيرة أصبحت لا توفر للمستثمر الأجنبي مزايا أفضل، فهي لا تتيح له فرصة اللجوء المباشر إلى التحكيم الدولي، ولا تجنبه الغموض السياسي الكامن في الطبيعة التقديرية للحماية الدبلوماسية.
لذلك رأي البعض ضرورة استحداث آليات جديدة للحماية تكون كبديل لتجاوز عوائق الحماية الدبلوماسية(100)، لأنه كما يرى السيد بنونه:” فإن هذه الحيلة الحماية الدبلوماسية– لن تتحقق عندما يعترف القانون الدولي مباشرة بالقانون الخاص، أقصد الاتفاقيات الثنائية، ويمكنه أن يفرض احترامه على هذا الصعيد “، وفي ظل كل هذه التغيرات والمستجدات الحديثة يمكننا القول بأننا أمام حقيقة تكريس لاضمحلال الحماية الدبلوماسية، بموجب أحكام هذا النوع من المعاهدات.

الفـرع الثاني: تطـور العلاقات الاقتصاديـة الدولية وظهـور فكـرة التخلي عـن الأعـراف كسبيـل لحمايـة الاستثمـارات الدوليـة.

إن التغير الذي حدث في العلاقات الدولية، وما صاحب ذالك من تطور خاصة في الميدان الاقتصادي الدولي، لاسيما ظهور النظام الاقتصادي العالمي الجديد وظهور الرأسمالية العابرة للقارات، حيث لم تعد الفاعلية الاقتصادية قاصرة على مالكي رؤوس الأموال من تجار وصناع، الذي كان نشاطهممحكوما بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها، وإنما أصبحت تلك الفاعلية مرتبطة بالمجموعات المالية والصناعية الحرة عبر الشركات المتعددة الجنسيات.
أي لم تعد الدولة القومية هي الفاعل أو المحدد الرئيسي للفاعلية الاقتصادية على المستوى العالمي ، وإنما أصبح للقطاع الخاص الدور الأول في مجال الإنتاج و التسويق والمنافسة العالمية ، وأصبحت الشركات المتعددة الجنسيات تلعب دورا محوريا في هذا المجال وذالك من خلال ظهور فاعلون من نوع جديد( )، وقد أدى ذلك إلى ظهور الدول النامية ومطالبتها بإلحاح إلى خلق قواعد دولية جديدة تتعارض في مضمونهامع القواعد الدولية التقليدية، بعد أن تأكد فشل هذه الأخيرة وإخفاقها في مواكبة التطور الذي عرفه المجتمع الدولي كما ونوعا في ظل التغيرات الدولية الجديدة.
كل هذه الظـروف حفـزت الدول النامية للبحث عن نظام بديـل، وتبين لها ذلك أنه لن يتحقق إلا بإعـادة النظر في القانون الحالي، والمشاركـة في استبدال قواعـده بما يتضمنـه من تطويـر، الذي هو إحدى السبل المحققة لذلك كما يبدو( ).

البند الأول : ظهور النظام الاقتصادي العالمي الجديد ورغبة الدول النامية في استبدال قواعده.

01- الملامح و الأهداف الرئيسية لتأسيس النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
منذ عام (1989-1991) حدث تغير حاد في النظام العالمي بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الشيوعية كأيديولوجية سياسية واقتصادية ، واحدث ذلك تغيرات دولية عميقة: وصفت بأنها غير مسبوقة في التاريخ ، حيث انتهت واحدة من كبرى المعارك في التاريخ الإنساني ، ألت فيه السيادة إلى الإيديولوجية الليبرالية ونظام الرأسمالي، بل وذهبت الأغلبية العظمى من الباحثين في العلاقات الدولية إلى وصف تلك التغيرات بأنها تمثل نهاية للنظام العالمي القائم على القطبية الثنائية، وبداية لتبلور ملامح نظام جديد( ).
وقد كان لتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول غاية منشودة بينها ،حيث أن قيام تبادل اقتصادي بين مختلف الشعوب ودول العالم ، أدى إلى إنشاء مجموعة من القواعد يطلق عليها مصطلح النظام الاقتصادي الدولي ، ويمكن تعريفه بأنه : المبادئ والقواعد القانونية التي تنظم التبادل الاقتصادي الدولي . ويفترض وجود النظام الاقتصادي الدولي ذاته نبذ الدول سياسة العزلة والاكتفاء الذاتي ، وإحلال التعاون الدولي محلها،ونظرا لان العوامل الاقتصادية تعتبر من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى قيام الحرب العالمية الثانية،فقد احتلت فكرة التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية أهمية كبرى( )، وقد أوضحت المادة 55 من الميثاق :أهداف التعاون الدولي في المجال الاقتصادي بنصها على انه : رغبة في تهيئة دواعي الاستقرار والرفاهية الضروريين لقيام علاقات سليمة ودية بين الأمم مؤسسة على احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب( ).
وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ، تعمل الأمم المتحدة على:
– تحقيق مستوى أعلى للمعيشة وتوفير أسباب العمل المتصل بكل فرد والنهوض بعوامل التطور الاقتصادي.
– تيسير الحلول للمشاكل الدولية الاقتصادية وما يتصل بها.
وباعتبار أن إنشاء أي نظام قانوني للتعاون في المجال الاقتصادي يتطلب ثلاثة عناصر وهي:
– مجموعة من المبادئ والأسس والأهداف التي يقوم عليها النظام.
– مجموعة من الحقوق و الالتزامات لتحقيق أهداف النظام ويقبلها أشخاص هذا النظام.
– مؤسسة أو جهاز يعمل على تطبيق وتنفيذ النظام القانوني.
وبالرغم من الجهود التي بذلت لإرساء معالم النظام الاقتصادي العالمي الجديد، إلا أن العالم ظل منقسما إلى مجموعتين من الدول، واحدة متقدمة وأخرى متخلفة، وتفصل بينهما هوة واسعة، نتيجة لعدم قدرة الدول النامية على تحقيق التنمية الاقتصادية بسبب الهيمنة الاقتصادية والمالية للدول الكبرى التي تظهر في صور منها:
 اعتبـار العـالم الثالث مصـدرا للثـروة والمـواد الأوليـة.
 فرض نوع من التخصص في مجال الإنتاج على دول العالم الثالث.
 تكريس العلاقـات الاقتصاديـة التجاريـة غيـر المتكافئـة. ….
إن موجات الاستقلال في خمسينيات القرن الماضي وما بعدها، أفضت إلى مطالبة الدول النامية للدول الكبرى بضرورة تغيير القواعد الدولية للتنمية، باعتبارها تعمل على اتساع التفاوت بين البلاد الغنية والفقيرة، فمبدأ الاقتصاد الحر يفترض إطلاق حرية الانتقال رؤوس الأموال، وإزالة مختلف أنواع القيود التي قد تضعها الدول على تجارتها الخارجية، وحرية المعاملات الاقتصادية الدولية القائمة على مبدأ عدم التميز والتكافؤ،كلها في الواقع مبادئ شكلية لا تراعي حقائق الحياة الدولية( ).
02- عيوب و مساوئ النظام الاقتصادي العالمي الجديد:
إن النظام الاقتصادي العالمي الجديد في نظر الدول النامية ما هو إلا مجموعة الأعراف الدولية تكونت فقط لتحمي مصالح الدول الغربية ولا تخدم مصالح الدول النامية التي أضحت أغلبية داخل المجتمع الدولي( ).
ومن ثم ترى الدول النامية أن النظام الاقتصادي الدولي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية، يوصف بعيوب كثيرة أهمهـا:
 القصور في التأسيس:
تأسس النظام الاقتصادي الدولي بموجب اتفاقيات كانت للولايات المتحدة الأمريكية والدول الكبرى اليد الطويلة في وضع مبادئها الأساسية، ولم تشارك فيها دول كثيرة وخاصة الدول النامية، وباعتبار أن جل قواعد هذا النظام هي قواعد عرفية تقليدية، وكان من الطبيعي أن يراعي هذا النظام بالدرجة الأولى مصالح الدول المؤسسة له، وهي الدول المتطورة ولا يضع في اعتباره مصالح الدول النامية، وهذا ما شكل له هاجس إزاء هذه الأعراف التي لم تشارك في وضع قواعدها، والتي كانت تراها ما هو إلا مظهر من مظاهر تكريس الهيمنة بكل أبعادها، فهذه القواعد قد وضعت خصيصا لتغليب المصالح الدول المصدرة لرؤوسالأموال على حساب الدول المستوردة له، كما أن هذه القواعد ما هي في حقيقة الأمر إلا مجرد تكريس للعلاقات التبعية التي تربط الدول الناميةبالدول المتقدمة ، والتي لم يكن التبادل التجاري بصفة عامة والاستثمارات بصفة خاصة غير المتكافئ سوى أحد مظاهرها.
وهذا ما ولد اقتناعا لدى دول العالم الثالث بأن تغير علاقات التبعية، هو الشرط الضروري لتمكين الدول النامية من الانطلاق الاقتصادي، وأن المعونة لن تجد شيئا مادامت علاقات التبعية كما هي، بل على العكس تؤدي إلى تعميقها( )كما شهدت اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى في ظل النظام الدولي القائم ارتفاعا كبيرا لمستوى معيشة شعوبها، بينما لم يتحقق ذلك للشعوب الدول النامية، وهو ما حدا بهذه الدول السعي نحو تصحيح هذه الأوضاع، وذلك بالمطالبـة بإعادة النظر في قواعد هذا النظـام، واستبدالها بغيـة إعادة التوازن والتكافـؤ في العلاقات الاقتصادية الدولية.
 القصور في التطبيق:
تعرض النظام الاقتصادي الدولي للنقد الشديد بأسباب تتعلق بوجود خلل في تأسيسه، وأسباب طرأت أثناء التطبيق، وهو ما طرح ضرورة إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد ،كون أن القواعد التي كان يتضمنها قد أخفقت في مواكبة التطور الذي طرأ على المجتمع الدولي، حيث انه قام على أسس وقواعد غير قابلة للتطور، وبالتالي ضرورة تبنى قواعد دولية جديدة تتعارض مع القواعد القانونية التقليدية .
ولعل من أهم الأسباب التي ساهمت في قصور هذا النظام من الناحية التطبيقية ما يلي:
 عدم توافر الإرادة السياسية للدول الرأسمالية الكبرى.
 تجاهـل الاحتياجـات الحقيقيـة لتنمية هذه الدول.
 وجود ثغرات أساسية في خطط التعاون الاقتصادي الدولي.
وقد كان ذلك الدافع وراء بحث الدول النامية عن نظام جديد والتخلي عن الأعراف الدولية كسبيل لحماية الاستثمارات الأجنبية، ومن ثم الخروج عن هيمنة واستغلال الدول المتقدمة لها،وقد أثمرت ضغوط الدول النامية على الصعيد الدولي فعقدت الأمم المتحدة مؤتمرا مهما عام 1964 وهو مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية C-N-U-E-D وقد كان ذلك بداية لعمل جاد لتحقيق مطالب الدول النامية.

البند الثاني : تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات، وأثره على توجهات الاستثمار الدولي.

أضحت الشركات المتعددة الجنسيات من أهم المعالم الرئيسية للنظام الاقتصادي العالمي الجديد فهي تلعب دورا رئيسيا في حركة النظام الاقتصادي الدولي، وبخاصة منذ الربع الأخير من القرن العشرين وحتى الآن.
عرف العالم منذ القرن الخامس عشر، بداية لظهور الشركات المتعددة الجنسيات من خلال شركة “فوقرس” FUGGERS التي اشتغلت على أساس تعددي في الكثير من الدول الأوروبية( )، إلا أن الظهورالمعاصر لها بدا واضحا ابتداء من القرن السابع عشر، إبان تجلي شركات ذات نشاط دولي وقد تزامن مع تطور النظام الرأسمالي، الذي أصبحت العملية الإنتاجية فيه داخل المشروع الرأسمالي تتسم بالبعدالدولي بدلا من اقتصارها على البعد الداخلي أو الوطني ، وأصبحت العملياتالإنتاجية تتعدى الحدود الإقليمية لتلك الدولة إلى بلدان أخرى، ومع هذا التطور بدأ التفكير في تنظيم هذه العمليات الإنتاجية( ).
وقد كانت هذه الفترة مع بداية الثورة الصناعية، حيث اندفعت الدول الأوروبية للبحث عن المواد الأولية اللازمة لتشغيل مصانعها، وعن أسواق لتستقبل ما تنتجه هذه المصانع من منتجات( )، والواقع أن هذه الشركات كانت الأداة الدول الكبرى في الاستعمار، والسيطرة الاقتصادية على العالم خلال القرون الثلاثة الماضية، وتعتبر شركة خليج هدسون وشركة الهند الصينية نموذجين واضحين لهذه الشركات الكبرى.
أما إذا انتقلنا إلى القرن التاسع عشر، وحتى منتصف القرن العشرين، فقد كان نشاط هذه الشركات يتمثل في الاستثمار بغرض الحصول على عائد رأسمالي دون أن يصاحب هذا الاستثمار سيطرة المستثمر الأجنبي على مشروع إنتاجي معين( )، واتجهت الاستثمارات هذه الشركات في تلك الفترة إلى قطاع إنتاج المواد الأولية (الزراعة، المناجم، استخراج البترول)، وهي المواد اللازمة لعملية الإنتاج الصناعي في الدول الرأسمالية المتطورة، كما كانت تستثمر هذه الشركات الأجنبية كل إمكانياتها في دول العالم الثالث الخاضعة للدول الاستعمارية في صورتها التقليدية، في حين تخصصت الدول النامية في إنتاج المواد الأولية، وفي المقابل تخصصت الدول الرأسمالية المتطورة في إنتاج السلع الصناعية.
وبعد الحرب العالمية الثانية ،أصبحت الشركات المتعددة الجنسيات من أهم سمات العصر الحديث، حيث اتخذت أهمية كبيرة على الصعيد الدولي، حين تحولت دول العالم من نمط الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية العابرة للقوميات، ويبرز هنا دور الشركات المتعددة الجنسيات وهو يعتبر رمز لسيطرة القطاع الخاص على جميع مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية، وأصبحت هذه الشركات توجه سياسات الحكومات الدول فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية الداخلية والخارجية وقد تزايد الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل، وشاركت في ذلك أيضا الثورة التكنولوجية والنمو المتزايد للتجارة الدولية، وحركات رؤوس أموال عبر الدول.
وقد ساهم كل ذلك إلى تعميق عالمية الاقتصاد( )، وان ما حققته الشركات المتعددة الجنسيات من مكاسب كبيرة أصبحت بلا منازع ذات قوة اقتصادية لا يستهان بها تستطيع من خلالها أن تأثر على النظام الاقتصادي العالمي، في كافة جوانبه المالية ،والنقدية والتجارية وكذلك على العلاقات بين الدول ذاتها بل أنها أصبحت تتدخل في الشؤون السياسية للدول المضيفة وتهدد سياستها الوطنية واستقلالها.
ونظرا لما تتميز به الشركات المتعددة الجنسيات من الضخامة، والانتشار والقدرة على توجيه الاستثمار، ونقل التكنولوجيا وتدويل الإنتاج، والتغلغل في مختلف نواحي النشاط العالمي، لتفوقها التكنولوجي الفني الهائل، وتملكها لميزانيات ضخمة تفوق ميزانيات دول مجتمعة( )، فقد أصبح لهذه الشركات قدرتها الاقتصادية الذاتية التي تمكنها من السيطرة على الاقتصاد العالمي، ولكون هذه الشركات تميل دائما إلى أن تكون احتكارية.
وتشير تقديرات تقرير الاستثمار الدولي، الصادر عن الأمم المتحدة عام 2003، إلى أن الشركات المتعددة الجنسيات تؤثر بشكل كبير على توجهات الاستثمار الدولي ، حيث بلغ حجم الاستثمار الدولي المتدفق في العالم في تلك السنة قد بلغ أكثر من 300 مليار دولار، والتي تدفقت في مختلف مناطق العالم. ( )
إن الشركات المتعددة الجنسيات، تنفذ الجزء الأكبر من الاستثمارات الدولية سنويا ، ويلاحظ في هذا المجال أن الخريطة الاستثمارية للاستثمار الدولي تتأثر بتوجهات النشاط الاستثماري للشركات المتعددة الجنسيات ، حيث لوحظ أن من أهم سيمات وخصائص تلك الشركات هي تلك الخاصية المتعلقة بالتركيز الاستثماري ، فقد لاحظنا أن هذه الشركات تتركز استثماراتها في الدول المتقدمة بل وفي عدد محدود من الدول المتقدمة، حيث تستحوذ هذه الدول على 85% من النشاط الاستثماري من تلك الشركات، ومن ناحية أخرى تحصل الدول النامية على نسبة 15% فقط من النشاط الاستثماري للشركات المتعددة الجنسيات، حيث يكون الاستثمار الأجنبي المباشر جزءا من الإستراتجية العالمية لها.
وما يزيد من قوة هذه الشركات هو التنافس الشديد بين الدول لجذب الاستثمارات التي تقوم بها وخاصة الدول النامية، ويعتبر هذا التنافس ورقة رابحة بيدها، تستغله في تركيز نفوذها في النظام العالمي( )، وهذا بغية تحقيق مصالحها، وفي المقابل فإن الدول النامية أو الدول المستقبلة لهذه الاستثمارات في حاجة ماسة لجذبها، وذلك للاندماج في منظومة الاقتصاد العالمي.
و قد استنجدت الدول النامية بالاستثمار الأجنبي، لمعالجة معضلة التخلف وذلك لأسباب التالية( ):
 ندرة رؤوس الأموال نتيجة الانخفاض أسعار المواد الأولية وتدهور أسعار النفط للبعض منها في تلك الفترة.
 تفاقم عبء المديونية الخارجية.
 تزايد حدة المشاكل الاجتماعية للدول النامية، ويتجلى ذلك في ارتفاع نسبة البطالة، وإفلاس المؤسسات المحلية، وتناقص نسبـة الاستثمارات العموميـة، وهـي مشاكل هـددت الاستقرار السياسي لهذه الدول في حـد ذاته.
ولهذا اعتبر الاستثمار الأجنبي عنصرا حاسما في عملية التنمية، تستطيع من خلاله الدول النامية تغطية فجوة الاستثمار ، وضمان الحصول عل عنصري المال والتكنولوجيا، وتوفير جانب من فرص العمل سواء داخل الشركات الأجنبية أو داخل المشروعات التي تنشأ على اثر دخول الشركة الأجنبية( ).
غير أن ذلك لن يتم إلا تحت هيمنة الكيانات الاقتصادية العملاقة، التي تسعى دائما إلى السيطرة المباشرة على الثروات الإستراتيجية للعالم وتأمينها وفي مقدمتها البترول المصدر الأول للطاقة في العالم( )..
وقد اختلفت أراء التنمويين حول دور الشركات المتعددة الجنسيات في عملية التنمية، وظهر الاختلاف في اتجاهين رئيسين:

– الاتجاه الأول:
يرى انه لا محيص للبلدان النامية من اللجوء لتلك الشركات في برامج الاستثمار، وذلك لأنها تمثل المميزات التالية :
 توفير رؤوس الأموال و التكنولوجيا اللازمة للتنمية لديها.
 إنشاء مناصب عمل جديدة والقيام بتدريب اليد العاملة المحلية على استخدام التقنيات.
 الإسهام في تحسين موازين المدفوعات بتحويل رؤوس الاموال بهدف تمويل المشاريع الجديدة.
 إحداث فاعلية في السوق المحلية بفعل احتكاكها بالأسواق الخارجية( ).

– الاتجاه الثاني:
يرى أن اللجوء إلى الشركات المتعددة الجنسيات للإجراء الاستثمار في البلاد النامية لا يحقق الأهداف المرجوة منه وذلك :
-إن تلك الشركات تهدف أساسا لتحقيق مصالحها الخاصة دون مراعاة المصالح الوطنية للبلد المستقبل، وإنها تستغل ذلك البلد بدل أن تنميه.
– إن الإمكانيات المالية والتكنولوجية والمعرفية لتلك الشركات تجعلها في وضع تفاوضي قوي أمام البلدان النامية الشيء الذي يؤدي إلى تلبية مصالح تلك الشركات أكثر من مصالح البلدان النامية محققة بذلك أرباحا أعلى من تلك المحققة في الدول المصنعة.
-إن تلك الشركات تستقدم تجهيزات ومعارف مغالي في أثمانها، وهو ما يؤدي إلى عجز ميزان مدفوعات البلد المستقبل بعكس ما ينتظر ، ويرى البعض أن إعادة الاستثمار تلك الشركات لجزء من أرباحها في البلد النامي بالاستغناء عن تحويل أموال جديدة يعود سلبا على عمليات التحويل المنتظرة ، لأنه يقلل منها مع الاستمرار في التمتع بالمزايا المقررة للاستثمار الأجنبي .
-إن تلك الشركات تقدم رشاوى للمسئولين السياسيين والإداريين في البلد النامي ، لتسهيل نشاطها وتوسعها فتسهم بذلك في توسيع الفساد والرشوة ، الشيء الذي سيؤدي إلى اضطرابات سياسية وتذمر جماهيري ( ).
ونظرا للقوة الزاحفة لهذه الشركات ، فقد اتسم تطور الأوضاع بالتعقيد وبذلك شهد القانون الدولي صراعات بين البلدان المستقبلة للاستثمار والشركات المتعددة الجنسيات ، حيث رأت الدول النامية ضرورة تنظيم هذه الشركات لما تمثله من خطر داهم عليها( ).
وكان من نتيجة ذلك أن طرح موضوع الشركات المتعددة الجنسيات على بساط البحث والدراسة وذلك من اجل وضع حدود لنشاط وسلوك هذه الشركات من جهة، والبحث عن نظام دولي موحد للاستثمارات من جهة أخرى، وهذا ما سنتطرق إليه بالتفصيل في المبحث الثاني حول الجهود الدولية التي بذلت على المستوى العالمي والإقليمي والوطني لتقنين القواعد المنظمة في الاستثمار الأجنبي والمدونات السلوك التي وضعت لحد من تصرفات هذه الشركات وتقيد سلوكها( ).
إذن على ضوء ما سبق ذكره يمكن القول أن الشركات المتعددة الجنسيات أو بالأصح الشركات ذات النشاط العالمي حسب ما يروق للبعض تسميتها من اخطر الأدوات التي يتم بها الاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية ، حيث بدا هذا النوع من الاستثمار في التغلغل لدى الكثير من الدول النامية ، يسيطر على أهم مجالات اقتصادها ( معادن ، زراعة ، طاقة ، صناعة تحويلية وخدمات ).
ويمكن القول انه لا يكاد يخلو مجال من مجالات الحياة الاقتصادية الدولية يخرج عن نطاق أنشطة هذه الشركات، ولعل ما يدل على ذلك التغيرات الرئيسية ، التي طرأت على الاقتصاد العالمي على مدى العقدين الأخيرين ، والتي من بينها الدور الذي أصبحت تضطلع به هذه الشركات في العلاقات الاقتصادية الدولية ( ).

المبحث الثاني : فشل المجتمع الدولي في إيجاد نظام موحد للاستثمارات الأجنبية.

ما أدى إلى حرمان العلاقات الدولية الاقتصادية نحو تنظيم دولي للاستثمارات، هو ذلك الفشل الذي شهدته بداية ما بعد الحرب و تعكر صفو العلاقات بين الدول، حيث أن الاستثمار الدولي قد شهد في هذه الفترة تراجعا كبيرا بسبب الحربين العالميتين ، وظاهرة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي الذي ساد فترة ما بين الحربين، كما أن الظروف الاقتصادية الدولية في تلك الفترة لم تكن تسمح بنمو اكبرللاستثمارات الأجنبية بسبب عدم الاستقرار وثبات الأوضاع النقدية في أوروبا نتيجة التضخم الذي ساد معظم الدول الأوروبية، وبسبب الكساد الاقتصادي الكبير الذي حلبالنظام الرأسمالي، فضلا عن غياب تنظيم قانوني موحد للتجارة الدولية، ولاسيما ما يتعلق باختلاف السياسة الجمركية من دولة لأخرى كان يشكل هو الآخر عائقا أمام الاستثمارات الأجنبية، وبالتالي إيجاد تنظيم دولي لها( ).
غير أن هناك عدة ظروف ومعطيات قد ساهمت في الإسراع نحو التفكير ببلورة إعداد مشروع نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية وهي:
 حصول العديد من البلدان النامية على استقلالها ، قد اظهر الحاجة الماسة إلى ذلك التنظيم.
 توسع( ) نشاط الشركات المتعددة الجنسيات في العالم سواء في المناطق المصنعة و النامية ولما لها من اثر كبير على توجهات الاستثمار الدولي.
 ضعف وقصور القواعد الدولية العرفية في توفير الحماية اللازمة و الضرورية للاستثمار الأجنبي.
سنتطرق في هذا المبحث إلى: مظاهر الجهود الدولية التي سعت لتقنين القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي وذلك في المطلب الأول ، ثم إلى تبيان تقييم هذه الجهود الدولية مبرزين أسباب فشل المجتمع الدولي نحو إيجاد نظام دولي موحد للاستثمارات الأجنبية في مطلب ثاني.

المطلب الأول :مظاهر الجهود الدولية الساعية لتقنين القواعد المنظمة للاستثمار الأجنبي.

لما كان من المسلم به أن الاستثمارات الأجنبية الخاصة، يمكن أن تخدم مصالح المستثمر الأجنبي والدول المصدرة لرأس المال والدول المستوردة له على حد سواء( )، فقد كان من المنطقي أن تسعى الدول إلى ابتداع وسائل قانونية مناسبة لتنظيم الحركة الدولية لانتقال رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة، بغية تشجيعها على الانتقال عبر الحدود وهذا لن يتأتى إلا بوضع نظام قانوني دولي موحد للاستثمارات الأجنبية .
لذلك قامت الكثير من الدول النامية باستصدار تشريعات داخلية توضح فيها قواعد ومعاير معاملة الاستثمارات الأجنبية ووسائل تسوية المنازعات المتعلقة بها، وفي نفس الاتجاه أخذت الدول المصدرة لرأس المال بفكرة ضمان الاستثمارات الخاصة بغية حماية رعاياها في الخارج ضد المخاطر الغير التجارية التي من الممكن أن تتعرض لها فيالدول المضيفة، ولنفس السبب بذلتمحاولات من اجل وضع تقنين شامل للقواعد التي سوف تنظم حقوق وواجبات هذه الاستثمارات على المستوى العالمي بحيث تحظى بقبول الجميع .
كانت البداية عام 1929، حيث عقد مؤتمر دولي لدراسة مسألة معاملة الأجانب من قبل عصبة الأمم المتحدة ثم تلاها ميثاق هافانا سنة 1948، تحت إشراف مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والعمل غير انه لم ينفذ وقد جمدت برامجه لانتقادات رجال الأعمال الأمريكيين بسبب ضعف قواعد المتعلقة بالاستثمارات الأجنبية التي لا يمكنها أن تكفل حماية فعالة لها( ). كما ظهرت محاولات أخرى لكنها لم تتخذ صفة العالمية مثل “اتفاق بوجاتا الاقتصادي” بين بعض الدول أمريكيا اللاتينية لعام 1948، وتقنين غرفة التجارة الدولية حول معاملة الاستثمار الأجنبي لسنة 1949 وفي سنة 1959 كان مشروع اتفاقية حماية الاستثمارات في الخارج أو ما يعرف بمشروع”abs show cross”، غير انه لم يحقق نجاح يذكر، كما ظهر مشروع مدرسة هارفارد للقانون الدولي حول مسؤولية الدولة على الأضرار التي تصيب مصالح الأجانب الاقتصادية لسنة 1961، و قرار معهد القانون الدولي حول المركز القانوني للاستثمار رؤوس الأموال في الدول النامية والاتفاقيات المرتبطة بها لعام 1967.
وقد شهد القانون الدولي صراعات ومشاكل معقدة بين البلدان المستقبلة للاستثمار والمستثمرين الرامين إلى وضع حدود لحرية البلدان المستقبلة لرؤوس الأموال ، وذلك في بداية الأمر بطرح قضايا تتعلق بالتعويض في حالة التأميم، وإعادة التفاوض حول عقود الامتيازات التي تبرمها الشركات المتعددة الجنسيات مع الدول المستقبلة لرؤوس الأموال ، ومن جملة ما طرح في تلك الفترة المطالبة بوضع نظام شبه دولي ،وهو ما دفع البنك الدولي إلى وضع اتفاقية واشنطن المتعلقة بحل النزاعات بين الدول ورعايا دول أخرى في مارس 1965، كما وضعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” مشروع اتفاقية لحماية الأموال الأجنبية التي تمت الموافقة عليها في 12/10/1967 غيران أول تقنين وضع لتنظيم نشاط الشركات المتعددة الجنسيات كان سنة 1972 من قبل غرفة التجارة الدولية ، حيث و في إطار ذلك الاتجاه عملت أوساط الأعمال على المطالبة بتنظيم تصرف الدول اتجاه الاستثمارات . ومن ثم كان مولد نوع من التقنين التصرف( ) أو مدونة السلوك “code de conduite “، حيث جاء ذلك التقنين على شكل توصيات فقطتم من خلالها مطالبة الأطراف الثلاثة :الشركات المتعددة الجنسيات ، والدول المستقبلة للاستثمارات، والدول المصدرة لها . وقد كانت تهدف في بداية الأمر إلى تقليص حرية السيادة الدولة اتجاه الشركات المتعددة الجنسيات . فبالنسبة للدول المستقبلة رؤوس الأموال فعليها الابتعاد عن سياسة المراقبة وترك نوع من الحرية لهذه الشركات من خلال عدم عرقلة تحويل رؤوس الأموال ،والقروض والأرباح على التكنولوجيا وعدم فرض مشاركة رأسمال المحلي . في المقابل على الشركات المتعددة الجنسيات إعلام الدول المضيفة ببرنامج مخططها حتى لا تتعارض والأهداف التنموية لها، في حين تضع هذه المدونة على عاتق الدولالأصل ضمان المخاطر غير التجارية للاستثمارات تلك الشركات بالخارج والامتناع عن مطالبتها بتحويل حد أدنى من الأرباح إلى تلك البلدان، وعدم عرقلة تصدير رؤوس الاموال وتفادي الازدواج الضريبي ( )، وفي إطار قيام نظام اقتصادي دولي جديد، ظهر ميثاق حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية سنة 1974، والذي بموجبه عبرت الدولة النامية بجلاء عن موقفها الرافض لقواعد العرف الدولي التقليدي المتعلقة بالاستثمارات الدولية، وقد حاولت بموجبه المطالبة بتبني قواعد دولية جديدة يتسنى له من خلالها تنظيم الحركة الدولية للانتقال رؤوس الأموال الخاصة لتحقيق مصالحها( ). وقد قام المجلس الاقتصادي و الاجتماعي أحد الأجهزة الرئيسية لهيئة الأمم المتحدة عام 1976 لتشكيل لجنة مكونة من 48 عضوا منتخبين على أساس توزيع الجغرافي، أسندت لها مهمة صياغة نص مشروع التقنين المتعلق بالشركات المتعددة الجنسيات.وأيضا على الصعيد الاممي ونضيف التقنين الذي وضع من طرف الأمم المتحدة في ديسمبر 1980، على شكل توصية ولقد تعلق ذلك التقنين بالممارسات التقييدية LES PRATIQUES RESTRICTIVES، ومنها اتفاقيات الاحتكارات ACCORDS DE CARTELS وقد ظل الحال على ما هو عليه، وتوالت الجهود الدولية الواحدة تلوى الأخرى سواء على المستوى العالمي أو الإقليمي إلى آخر المحاولات سنة 1995،وهو الاتفاق متعدد الأطراف في إطار منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ضمن محاولاتها الرامية لتقنيين قواعد الاستثمارات الدولية. .. سنتناول في هذا المطلب أهم محاولات تنظيم الاستثمارات على المستوى الدولي في إطار محور الجهود العالمية ثم الجهود الإقليمية ثم التطرق إلى الجهود الوطنية .

الفرع الأول : الجهود العالمية.

البند الأول : محاولات تنظيم النشاط الاستثماري على الصعيد المنظمات العالمية.

تعود فكرة صياغة تقنين متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات الأجنبية إلى بداية الثلاثينيات بعد الأزمة التي عرفها الاقتصاد العالمي، مما دفع بعصبة الأمم عام 1929 إلى ضرورة الإسراع في تبني فكرة مشروع تقنين، وقد تمحور موضوعها في تلك الفترة حول إنشاء ميثاق متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات الأجنبية يتم من خلاله وضع آليات قانونية موحدة وفعالة لتسهيل انتقال الحركة الدولية لرؤوس الأموال ، وبسبب كثرة التحفظات التي أبداها أعضاء المنظمة فان المحاولة باءت بالفشل ( )..
ومنذ ذلك التاريخ ، والمجتمع الدولي يسعى جاهدا لإيجاد تنظيم دولي متعدد الأطراف للاستثمار الأجنبي، وقد تركز الاهتمام حول اقتراحين هما: إبرام معاهدة دولية متعددة الأطراف، أو إنشاء ميثاق دوليلحماية الاستثمار الأجنبي لتتجسد المحاولة عندها فيما عرف بميثاق هافانا عام 1948، وقد كان الميثاق موجها بالدرجة الأولى إلى الشركات الأجنبية بصفة خاصة ( ) .
وقد احتوى على نصوص موجهة جاءت لتكمل”اتفاقات بروتين وودس” BRETTON WOODS، وقد عالج مشروع الميثاق في المادة 12 منه موضوع الاستثمارات الدولية بصفة خاصة، والتنمية الاقتصادية بصفة عامة، إلا أن مشروع “ميثاق هافانا” لقي معارضة شديدة من قبل الدول الغربية، لا سيما وأن المادة المذكورة تعطي حصانة لسيادة الدول المضيفة للاستثمار من خلال النص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لها، بالإضافة إلى ما تمنحه من تفويض للدول المصدرة للرساميل في منح أو رفض الترخيص للاستثمار الأجنبي المتواجد على إقليمها( ) وهذا ما يتعارض ومصالح الدول الكبرى الذين كانوا يرون أنه قيد كبير على الاستثمار.
كما تضمن الميثاق مبادئ أخرى من بينها مبدأ الدولة الأولى بالرعاية الذي يعتبر من أهم المبادئ التي جاء بها ميثاق هافانا، وقد نصت المادة 16 منه على أنه:” كل المزايا والمنافع والامتيازات والحماية التي تعطى بواسطة دولة عضو لمنتج أصلي أو قادم من أي دولة أخرى تمتد دون شرط لمنتج قادم من أي دولة من الدول الأعضاء” .
غير أن المحاولات الدولية نحو تدوين النظام القانوني للاستثمار، لم يقتصر على محاولات هافانا، وإنما كانت هناك محاولات سبقته كتلك التي تضمنها قرار غرفة التجارة الدولية عام 1931، الذي أوصى بضرورة إبرام اتفاقية لضمان الأموال التي تخص مواطني الأطراف المتعاقدة في أقاليم الدول المتعاقدة الأخرى( )، ثم تلاها اقتراح أخر عام 1949 من طرف نفس الغرفة، والمتعلق بإعداد مشروع قانون دولي للمعاملة العادلة لرؤوس الأموال في الخارج لينعقد مؤتمر كراتشي عام 1960 بعد الحملة العنيفة والانتقادات الشديدة التي وجهت لمشروع غرفة التجارة الدولية، وبموجبها تم ضم دوائر الأعمال لعدد من الدول المختلفة، حيث تم فيه تحرير دليل الاستثمارات الدولية الذي أعترف فيه بواجبات المستثمر تجاه الدول المضيفة للاستثمار، إلا أن المحاولات لم يضفى عليها الصبغة الدولية إلا بعد محاولة إرساء قواعده من طرف هيئة الأمم المتحدة.
وتتمثل المحاولات التي تمت في إطار المنظمات العالمية إلى قسمين:

أولا: محاولات المنظمات الدولية الحكومية: تتمثل هذه المحاولات فيما يلي:

-جهود هيئة الأمم المتحدة بين الأجهزة الرئيسية والوكالات المتخصصة:
لم يكن سهلا على هيئة الأمم المتحدة إصدار قانون دولي للاستثمارات، إذ أن معظم المشاريع التي تقدمت بها أجهزتها الرئيسية ومنظماتها المتخصصة( ) باءت بالفشل نتيجة التناقض من جهة، وتضارب المواقف بين الدول الكبرى والدول النامية من جهة أخرى، إلا أنه ومع ذلك قامت الهيئة بمجهود معتبر في ميدان البحث عن نظام دولي للاستثمارات، ومساعدة الدول النامية في الاستفادة منه وذلك من خلال وضعتنظيم دولي خاص بالشركات المتعددة الجنسيات ليحد من نشاطها وسلوكها ، وفيما يلي سنتعرض لبعض ما قامت به بعض الأجهزة الرئيسية للهيئة ووكالاتها المتخصصة حسب التطور التاريخي:
لقد عقد أول مؤتمر الخاص بالتجارة و التنمية C.E.D.C.N.U عقب القرار الذي أصدره المجلس الاقتصادي و الاجتماعي في أوت 1962 تحت رقم 917 في 23/03/1964 بجنيف، والذي تبنى تصريح مشترك يتعلق أساسا برسم سياسة دولية لتجارة المواد الأولية ، والرفع من الحواجز الجمركية التي غالبا ما تعيق صادرات الدول النامية، حيث قدمت عدة مشاريع لتقنين القانون الدولي للاستثمار، وضبط حرية ونشاط الشركات المتعددة الجنسيات وتقيد سلوكها اتجاه الدول المستقبلة لرؤوس الأموال.
وكان من جملة ما تقدمت به الدول النامية ضرورة وضع مدونة سلوك أو تقنين التصرف، حيث دفعت تلك المطالب المجلس الاقتصادي و الاجتماعي إلى إصدار اللائحة رقم 1721 المؤرخة في 28/07/1972.
والتي دعت من خلالها إلى تشكيل فريق مميز من الأوساط الاقتصادية والسياسية والثقافية للعمل على وضع توجيهات تحكم نشاط الشركات المتعددة الجنسيات ، وهو ما تتوج في الأخير بقيام ذلك الفريق بتقديم تقرير أوصى فيه بوضع مدونة السلوك ، الفريق بتقديم تقرير أوصى فيه بوضع مدونة السلوك ، وقد ظهر الإعلان الثلاثي للمنظمة الدولية للعمل OIT كأول مدونة سلوك اعتمدت على المستوى الدولي ( ).
ولعل السبب في اهتمام منظمة العمل الدولية بالشركات المتعددة الجنسيات أن تلك المنظمة تهتم بالعمل وظروفه، والتي توفرها الجهات المستخدمة للعمال، والتي منها الشركات المتعددة الجنسيات، حيث تظم تلك المنظمة ممثلي الحكومات وممثلين آخرين غير حكوميين هم ممثلي نقابات العمال وأرباب العمل.
وتجدر الإشارة إلى أن هده المنظمة بدأت في التفكير في تنظيم العلاقات بين الشركات المتعددة الجنسيات والسياسة الاجتماعية مند 1972 وقد تمخض أول تقرير عن هدا اللقاء الثلاثي في فيفري 1973.وكذلك حث الأطراف المعنية على احترام سيادة الدول المستقبلة وتطبيق القوانين الوطنية واحترام التنظيمات الدولية في ذلك المجال.
وقد تضمن الإعلان الثلاثي الصادر عن منظمة العمل الدولية ستة 06 أقسام:
القسم الأول: عبارة عن أحكام عدة تؤكد الأهداف التي أدت إلى وضع الإعلان. أما الأقسام الخمسة الأخرى فتناولت على التوالي: السياسة العامة-التشغيل-التكوين- ظروف العمل والحياة- علاقات العمل، حيث جاء فيما يتعلق بالعمالة والتشغيل: الحث على رفع المستوى في ذلك المجال والمساواة في فرص العمل بين العمال وكذلك استقرار العمال.أما في مجال التكوين: فقد نص الإعلان الثلاثي على التزام يقع على عاتق الدول والحكومات تقوم بموجه لتحديد سياسة التكوين حتى تعمل في إطارهاالشركات المتعددة الجنسيات من خلال تدريب العمال والرفع من مستوى كفاءتهم بهدف تلبية حاجات المشروعات وسياسة العمالة.
أما في مجال ظروف العمل والحياة فقد تناول الإعلان الثلاثي مسائل الأجور والأرباح والصحة والأمن.
في حين تطرق في مجال علاقات العمل إلى الحق في حرية تكوين النقابات، والحق في إنشاء تنظيمات عمالية وفق اتفاقيات ومبادئ منظمة العمل الدولية OTI ، ولقد اعتمد الإعلان الثلاثي فيما يتعلق بالمفاوضات الجماعية على حقوق العمال والتزام الشركات المتعددة الجنسيات، وكذلك دور الحكومات، وتناول من جهة أخرى فحص الاعتراضات والشكاوي من طرف العمال ضد الشركة المستخدمة لهم وكذلك مسائل المشاورات وتسوية المنازعات( ) . وقد تم إعلان الثلاثي للمبادئ في 16 نوفمبر 1977، وكان يهدف إلى تشجيع دور الشركات المتعددة الجنسيات في دفع النمو الاقتصادي والاجتماعي في مختلف الدول ، وفي المقابل حث كل الشركات على احترام أهداف سياسات الدول المستقبلة للاستثمار.
وباهتمام بمسألة نقل التكنولوجيا انعقد مرة أخرى تقنين مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وذلك بخصوص وضع تنظيم دولي يحكم ممارسات ناقلي التكنولوجيا في سنتياقو 1972 ، وأول ما يلاحظ على هذا التقنين أنه لم يقتصر على نشاطات شركات متعددة الجنسيات ، وإنما فقط بوضع قواعد السلوك المتعلقة بمسائل خاصة ، لاسيما وأن التنظيم الدولي لنشاطات الشركات بدأ في أصله في صيغة جزئية.
ولذلك طالبت الدول النامية بضرورة وضع قواعد السلوك المتعلقة بنقل التكنولوجيا ،حيث نشأ عن تمركز التكنولوجيا في الدول الكبرى وشدة حاجة الدول النامية إليها وضعا اقتصاديا غير متوازن ، حيث أصبح مالكي التكنولوجيا يستعملون هذه الأخيرة كسلاح، حيث نجد أن الدول النامية تحصل على التكنولوجيا مقابل شروط باهظة وقيودا مرهقة وقد أدى ذلك إلى مطالبتها بضرورة إقامة نظام اقتصادي دولي جديد يقوم على العدل والتوازن، في حين أن الدول المتقدمة كانت تتمسك بالنظام القائم وترفض فكرة النظام الجديد( ).
ولم تجدالدول النامية وسيلة أمامها، إلا أن تثير مسألة نقل التكنولوجيا على هيئة الأمم المتحدة من خلال الجمعية العامة ، والتي أحالت بدورها المسألة إلى مؤتمر التجارة والتنمية، وبعد دراسة المؤتمر للمسألةرأى أن أهم وسيلة لتنظيم نقل التكنولوجيا بين البلدان النامية التي تبحث عن الوصول إلى تكنولوجيا متطورة، والدول المتقدمة المالكة لها هو وضع مدونة السلوك الدولية خاصة بنقل التكنولوجيا، ولقد كانت المفاوضات المتعلقة بوضع هذه المدونة جد صعبة ( ). ودعما لتحقيق مطالب الدول النامية فقد صادقت الجمعية العامة على ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول وذلك بتاريخ 12/12/1974،حيث نصت المادة الثانية منه على الأفضلية الممنوحة للاستثمارات الموجهة للدول النامية،وكذلك الضمانات المفترضة فيما يتعلق بالمخاطر غير التجارية( ).
وقد جاء ذلك بعد إدراك الأمم المتحدة وبعض أجهزتها وتأكدها من شمولية نشاط الشركات المتعددة الجنسيات، واستحواذها شبه كلي على قطاع إنتاج المواد الأولية والتي أصبحت تستغل لزيادة ثراء الشركات الاحتكارية، وهذا ما يولد صراع ونشوب نزاع حول ممارسة حق السيادة الوطنية لكل بلد على ثرواته الطبيعية على كافة الأنشطة الاقتصادية التي تمارس نطاقها الإقليمي.
وقد أعطى الميثاق بموجب المادة السالفة الذكر، الحق لكل دولة في ممارسة سيادتها على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية، وإخضاع كافة الاستثمارات الأجنبية لتنظيمها الداخلي دون أن تكون مجبرة على إعطاء آية معاملة تفضيلية لأي استثمار أجنبي كان ولها الحق في تنظيم المشروعات الأجنبية في نطاق ولايتها الوطنية والإشراف عليها بما يتماشى مع سياستها الاقتصادية والاجتماعية كما لها الحق في تأميم ممتلكاتها الأجنبية ونقل ملكيتها مقابل دفع تعويض يأخذ بعين الاعتبار القوانين والأنظمة المطبقة في الدولة المضيفة، إلا إذا اتفقت الدول المعنية على إتباع وسائل أخرى( ).
إن ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول يعتبر من بين أهم المواثيق الدولية التي أخذت بعين الاعتبار مصالح الدول النامية كطرف في العلاقة الاستثمارية خلافا لبعض المواثيق الدولية التي لم تعط أي اهتمام لمصالح تلك الدول، وبغية التقليل من أهميته عمد الفقه الغربي إلى التشكيك في شرعيته لتجريد الميثاق من أية قيمة.معتبرا نصوصه غير ملزمة كونها صادرة في شكل لائحة عن الجمعية العامة.( )
بتاريخ 11-07-1976 قامت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” بإصدار إعلان خاص بالاستثمارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات في إطار ما يسمى بالمبادئ التوجيهية “PRINCIPES DIRECTEURS”، حيث يكتسب التنظيم محل البحث أهمية من خلال حقيقتين الأولى أنه شامل في مضمونه والثانية أنه حكومي في منشئه ( ).
حيث أن قيام دول منظمة OCDE بوضع تنظيم دولي شامل لنشاطات الشركات المتعددة الجنسيات باشتراك الدول المصدرة والمضيفة للاستثمارات الأجنبية لم يكن محل الصدفة، وإنما كانت هناك ظروف ساهمت إلى إخراج هذا المشروع ليرى النور على الحيز الدولي ولعل من أهمها :
 نمو الشركات وعدم خضوعها للتنظيم.

 لمواجهة خطر وزحف هذه الشركات وذلك بالعمل على الحد من أثارها الضارة، وتحقيق نوع من الاستمرار في إطار نظام دولي عادل ومتوازن وهذا لن يتأنى الوصول إليه إلا بتكريس الأهداف الثلاثة( ) وهي:
– تحسين مناخ الاستثمار الأجنبي المباشر.
– تشجيع المساهمة الايجابية للشركات في التقدم الاقتصادي والاجتماعي للدول الأطراف.
– حل المشاكل التي تعتري نشاطات هذه الشركات.
وتجدر الإشارة إلى أن مبادرة منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ارتبطت مباشرة بالمطالبة بنظام اقتصادي دولي جديد كما جاءت كرد على المطالبة( ) وقد كان من جملة تلك المطالب قضية وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف لحماية الاستثمارات وطالبت من أجل ذلك بوضع قواعد تنظيم معاملة الشركات من طرف السلطات العمومية.
ومنذ تلك الفترة نظرت اللجنة التنفيذية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المشكلة من ممثلي الحكومات في تلك المسائل، ويتم الاتفاق حول مبدأ تجميع المسائل المتعلقة بالشركات المتعددة الجنسيات في نص واحد، ولقد كان تقرير النص في فترة امتدت من 1974 إلى 1975 بمساهمة ممثلي أوساط الأعمال والنقابات، وكان النص النهائي عبارة عن حل وسط بين المواقف المتعارضة لمختلف الفاعلين.
وقد جاء شمل ومحتوى تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” في عدة وثائق مترابطة بعضها ببعض وهي الإعلان عن الاستثمارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات الموقع عليه في 26 جوان 1976 من طرف الدول الأعضاء، ثم المبادئ التوجيهية للمتعددة الجنسيات الملحقة بالإعلان وهي عبارة عن توصيات مشتركة من طرف الحكومات إلى هذه الشركات، تتضمن التشاور البيوحكومي حول تطبيق المبادئ التوجيهية والمعاملة الوطنية وتشجيع وعراقيل الاستثمارات الدولية والالتزامات المتفق عليهاومواجهة( ) المبادئ التوجيهية.
ومن أهم النقاط التي احتوى عليها تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ما يلي( ):
تحديد سياسة العامة للشركة : بحيث يكون على هذه الأخيرة أن تراعي أثناء نشاطها أهداف البلدان المستقبلة فيما يتعلق بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي بما يتفرع عنه من مجالات.
كما نص التقنين على محاربة الرشوة والفساد، وقام بالامتناع عن مساندة عمليات تولي المناصب العمومية والحزبية إلا عند الحصول على ترخيص بذلك.
وفي هذا الإطار على الشركات، احترام الالتزام القاضي بعدم التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول التي تنشط هذه الشركات على إقليمها.
المعلومات: بحيث تقدم الشركات كافة المعلومات المتعلقة بمحتوى وحجم عملياتها لسلطات البلد المستقبل كي تتمكن من تقييم مدى احترامها للتنظيم.
المنافسة:وفي هذا الإطار احتوى التنظيم على قواعد تهدف إلى القضاء على كل منافسة غير مشروعة قد تلحق أضرارا بالاستثمارات المحلية.
التمويل: إذ يلزم تنظيم الشركات باحترام أهداف البلد المضيف في مجال ميزان المدفوعات وسياسة الائتمان.
الضرائب: وفي ميدان الضرائب ، يضع التنظيم على عاتق الشركة مسؤولية إعلام السلطات المختصة عن عملياتها ، حتى تتمكن من تحديد الضرائب اللازمة على تلك العمليات.
الضمانات: ومن الضمانات ما هو إجرائي ، يتمثل في مراقبة ومتابعة احترام الشركات للتنظيم ، وتمكين هذه الأخيرة من التعبير عن رأيها ، وهناك ضمانات موضوعية تتمثل في تمتع تلك الشركات بالمعاملة الوطنية ، التي تعتبر إحدى أهم الضمانات التي منحتها هذه المدونة للشركات باعتبار أن معظم الالتزامات المنصوص عليها في هذه المبادئ التوجيهية تقع على عاتق الشركات.
وفي أفريل 1984، وسع مجلس المنظمة من مفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر ليشمل مجمل قانون إنشاء الاستثمارات ومن ثمة يصبح الاستثمار يحظى بالمعاملة الوطنية ووضعت التزام عام يتعلق بعدم التمييز في المعاملة بين المقيمين وغير المقيمين( ).
ووفقا لهذا المبدأ فإنه يتعين على الحكومات عند اتخاذها لأي إجراء والمتضمن للقيود أو استثناءات على مبدأ إبلاغ على لجنة الشركات المتعدد الجنسيات في ميعاد معين وهو ستون يوما لاستثمارات القائمةوثلاثون يوما للاستثمارات الجديدة ،ويجب أن يكون الإبلاغ مقرونا بالأسباب والمبررات التي تدعو لاتخاذ مثل هذه الإجراءات وكذا مدة سريانها وتطبيقها ، وتقوم اللجنة دوريا بفحص مدى تطبيق مبدأ المعاملة الوطنية وتقديم الاقتراحات اللازمة عند الضرورة( ).
وقد أوكلت مهمة مراقبة ومتابعة التطبيق تنظيم منظمة التعاون والتنمية الاجتماعية ، وكذا احترام الشركات المتعددة الجنسيات لهذا التنظيم إلى جهاز احتياطي للمجلس يتمثل في لجنة الاستثمار الدوليوالشركات والمشكلة من ممثلي الحكومات ، على أن تترك المجال مفتوحا أمام ممثلي أوساط الأعمال والنقابات للمشاركة في عمل اللجنة .
التشغيل وعلاقات العمل: وذلك بالنص على احترام الحريات العمالية واحترام قواعد علاقات العمل وحل النزاعات المتعلقة بها، وعدم التهديد بنقل كامل أو بعض عمليات الشركة إلى الخارج، بهدف التأثير على مفاوضات العمل وعلى حق إنشاء المنظمات العمالية، وعلى الشركات الالتزام بتقديم معاملة متماثلة للعمال في كل وحداتها لاسيما فيما يتعلق في الاستخدام والتدريب.
العلم والتكنولوجيا: وذلك بالنص على وجوب احترام الشركات المتعددة الجنسيات للسياسات العملية والتكنولوجية للبلدان المستقبلة وجعل مخططات تلك الشركات تتماشى مع تلك السياسات والمساهمة قدر الإمكان في تطوير قدرات البلد المستقبل في هذه الميادين ، مع الأخذ بعين الاعتبار حماية حقوق الملكية الصناعية والفكرية في إطار الشروط والنصوص الخاصة بها( ).
وفيما يتعلق بالطبيعة القانونية للإعلان فهو عبارة عن توصيات( ) موجهة من الدول الأعضاء إلى الشركات التي تنشط على إقليمها ، وبالرجوع إلى ديباجة النص المتضمن المبادئ التوجيهية نجدها تؤكد صراحة بقولها : إن المبادئ التوجيهية …. هي توصيات موجهة بصفة مشتركة من طرف الدول الأعضاء إلى الشركات المتعددة الجنسيات …. وأن احترام تلك المبادئ التوجيهية تطوعي ولا يشكل التزاما من شأنه ترتيب جزاءات من الناحية القانونية .
وقد علقت لجنة المتابعة ومراقبة المبادئ التوجيهية على ذلك عند مراجعة سنة 1979 بالقول بأنه:”رغم أن احترام المبادئ طوعي ولا يشمل التزاما من شأنه ترتيب جزاء قانوني، فإن للمبادئ التوجيهية Les principales directeurs “، وزن توصية مشتركة من الحكومات والأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية للشركات المتعددة الجنسيات تعكس الآمال المؤكدة التي ما فتئت تعلقها الحكومات على تصرفات الشركات متعددة الجنسيات، من خلال وضع قواعد ومبادئ منصفة يجب إتباعها وملاحظتها من طرف أعضاء المنظمة وأيضا من الشركات.
وعلى الرغم من أن هذه القواعد لا توصف بأنها قواعد ملزمة إلا أنها مع ذلك تكون أحد مصادر القانون في المجالات التي تعالجها النصوص القانونية الوضعية وكمصدر للقانون يمكن أن تكون له أثر واسع على حل المشاكل الناجمة عن نشاطات هذه الشركات.
وقد لقيت المبادئ التوجيهية للمنظمة “OCDE” على رغم عدم الزاميتها قبولا وتطبيقا دوليا ، ومن أمثلة ذلك التطبيق ماحدث في قضية بادجر( )L’affaire badger في مارس1977كما تبنت عدد كبير من حكومات الدول الغربية لهذه المبادئ صفة قانونية على هذه التوجيهات ، ولعل عدم احتواء هذه التشريعات على نص يبيح للشركات المتعددة الجنسيات خرق القانون الوطني للدولة أهم دليل على ذلك.
وفي إطار الجهود الرامية لتقنين قواعد الاستثمارات الدولية قامت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDE” نحو تنظيم اتفاق متعدد الأطراف ، وهو اتفاق بدأ التفاوض حوله منذ 1995، حيثيتسم بالإلزامية مادام يعتبر معاهدة بمفهوم اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، وقد نوقش بين أعضاء منضمة التعاون والتنمية الاقتصادية فقط على أنه يظل الباب مفتوحا لانضمام الدول الأخرى.
وبذلك يكون انضمام الدول النامية قبولا من دول الجنوب لنوع من النظام العام الدولي وصفته وأرادته دول الشمال.ويختلف الاتفاق المتعدد الأطراف عن التقنين الذي وظفته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ذلك أن الاتفاق لا يتناول واجبات المستثمرين تجاه الدول المستقبلة لاستثماراتهم، بل يحدد من جهة التزامات الدول الأطراف تجاه بعضها البعض، وهذا يعني أساسا التزامات الدول المستقبلة لاستثماراتهم، وحقوق الشركات المتعددة الجنسيات تجاه الدول غير الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية المنظمة للاتفاق، وهكذا يكون الاتفاق معاكسا إذن لتقنين تلك المنظمة. والملاحظ أن الاتفاق المتعدد الأطراف يتمحور حول ثلاث مواضيع رئيسية هي:

الموضوع الأول: ويتشكل من القواعد المتعلقة بأمن الاستثمارات من معاملة وحماية من نزع الملكية والتأميم.
الموضوع الثاني: ويتشكل من القواعد المتعلقة بالسماح بحركة الاستثمارات وحرية قرارات التسيير الصادرة عن المستثمرين.
الموضوع الثالث: ويتشكل من القواعد التي تحكم تصرفات الدول المصدرة للاستثمارات.

-الخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي بشان الاستثمار الأجنبي:
يمكن الإشارة من جهة أخرى إلى أن المبادئ أو الخطوط الموجهة التي وضعها البنك الدولي هي خطوط لا تتسم بالطابع الإلزامي، وما يميز هذه الخطوط هو كونها لم توضع أحادي من طرف دول الشمال، بل بمشاركة دول الجنوب أيضا مادامت قد وضعت داخل البنك الدولي باعتباره منظمة دولية اقتصادية، عالمية حيث وضعت تلك الخطوط وسميت بالقواعد الإرشادية للبنك الدولي بشأن معاملة الاستثمارات الأجنبية لسنة 1992، وتمثل هذه القواعد بحق أهم الجهود( ) المبذولة على المستوى الدولي في سبيل تطوير الإطار القانوني الشامل لمعاملة الاستثمارات الأجنبية و الوصول به إلى درجة الكمال ( )، وتتلخص تلك الخطوط الموجهة فيما يلي :
 من مصلحة كل دولة انتهاج سياسة مشجعة للاستثمارات الأجنبية ، وعلى الدول إذن تسهيل دخول الاستثمارات إلى أقاليمها وخاصة بالتخفيف من الإجراءات المخصصة لذلك .
 تحتفظ كل دولة بحقها في تنظيم قبول الاستثمارات الأجنبية في إقليمها ويكون من مصلحة الدولة استخدام ذلك الحق في تشجيع الاستثمارات لا ردعها.
 وجوب انتهاج سياسة الباب المفتوح أمام الاستثمارات الأجنبية، إلا انه يبقى لكل دولة الحق في تخصيص بعض النشاطات الاقتصادية لمواطنيها، غير انه يجب وضع قائمة لتلك النشاطات كي يكون الأجانب على دراية بذلك، كما يجب أن تكون النشاطات الاقتصادية المخصصة للمواطنين ذات تأثيرفي أمن الوطن.
 عدم فرض شروط خاصة ” “performance requirementيكون من شانها إثقال شروط الاستغلال الحسن ، وإفساد المنافسة بين الشركات الأجنبية و الشركات المحلية ، هذا خاصة وان فرض تلك الشروط يعد ردعا للاستثمارات الأجنبية.
و الملاحظ أن الخطوط التوجيهية تعد حلا وسطا وتوفيقيا بين متطلبات السيادة باحتفاظ الدول بحقها في الرقابة على الاستثمارات هذا من جهة ومن جهة أخرى التأكيد على حرية إنشاء الاستثمارات هو أحسن وسيلة لتشجيع تلك الاستثمارات، ودائما على الصعيد ألأممي نضيف التقنين الذي وضع من طرف مؤتمر الأمم في ديسمبر 1980 على شكل توصية ، ولقد تعلق ذلك التقنين بالممارسات التقييدية “les pratiques restrictives ” ومنها اتفاقات الاحتكارات accords de cartels حول الأسعار، والتفاهم السري من أجل العروض العمومية للشراء وتحديد حصص السوق أو الزبائن التي يمكنها عرقلة قواعد المنافسة الحرة.
-أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي:
تندرج أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي ضمن الأهداف الأساسية التي ترمي إلى تحقيق غايتين أساسيتين هما:

أ‌- ضمان الاستقرار النقدي الدولي انطلاقا من عمليات ضبط ومراقبة أسعار الصرف للدول الأعضاء.
ب‌- تقديم المساعدة الإنمائية للدول التي تعاني من عجز في ميزان مدفوعاتها عن طريق توفير حد أدنى من السيولة ولبلوغ هذين الغايتين يشترط الصندوق على دول الأعضاء القيام بما يلي:
 رفع القيود وإزالة الحواجز والتخلص من أساليب الرقابة التي تعيق التبادل الدولي، وذلك بإزالة التعريفات الجمركية وكل أشكال الرقابة التي تعيق التبادل الدولي، وذلك بإزالة التعريفات الجمركية وكل أشكال الرقابة عن عمليات الصرف الخارجية ووصولا إلى حرية التحويل للعمولات بين الأعضاء.
 المحافظة على الاقتصاد الدولي، وذلك بإحداث إصلاحات داخلية لتخفيف العجز في ميزان المدفوعات ويتعلق الأمر هنا بالدول التي تعاني اختلالا هيكليا في مجال الإنتاج، والتجارة والأسعار، وتمثل أهم نقاط هذه الإصلاحات في الانفتاح على رأس المال الأجنبي. فمـا هـي آليـات الانفتـاح ؟ أو مـا هـي حـدوده؟
 بالنسبة لآليات الانفتاح على الرأس المال الأجنبي:
تتمثل هذه الآليات في إبرام اتفاقيات إعادة الجدولة للديون كشرط ابتدائي، ثم تتلوها سياسات التصحيح الهيكلي.وإذا كانت مسألة جدولة الديون تعني أكثر جماعة الدائنين، فإن سياسة التصحيح الهيكلي تتعلق أساسا بفتح السوق الوطنية أمام الاستثمارات الأجنبية.
وفي هذا الصدد أعد الصندوق الدولي وصفة إجبارية لتشجيع تدفقات رؤوس الأموال نحو البلدان النامية، تتضمن:
•الترخيص دون قيد أو شرط للاستثمارات الأجنبية، على أنه يمكن وضع قائمة صغيرة ومحدودة للاستثمارات التي تتطلب التأشيرة، ومثل هذا العمل أكثر فعالية من فحص كل مشروع على حدى،وتحتوي القائمة الصغيرة عادة على النشاطات المرتبطة بالدفاع الوطني، أو الصناعات المحمية على سبيل الحصر.
• تجنب المعايير الواسعة وغير المحددة لتحديد النشاطات الممنوعة على الاستثمار الأجنبي، مثل تشريعات بعض الدول التي تنص على أنه لا يتدخل الاستثمار الأجنبي في النشاطات ذات الطبيعة الإستراتيجية، وتشريع مثل هذا يضر بمصلحة البلد المضيف، و يثير الشك في ذهنية المستثمر، ويعطل بالتالي من حركة رؤوس الأموال.
• التحديد الدقيق لأصناف النشاطات المستفيدة من بعض الامتيازات ومنحها لها مباشرة دون المرور عبر معايير تحكمية أو هامش مفاوضة والتقليل من هامش المفاوضة يسمح للبلدان النامية من ربح الوقت، كما أن ترك هوامش غير مضبوطة للمفاوضات يفتح الباب أمام سلوكيات غير شريفة كالرشوة والاحتيال والتماطل في قبول أو رفض الاستثمار.
•اتخاذ إجراءات مؤقتة لتحفيز الاستثمارات الأجنبية التي يجب أن ترتبط بنوع النشاط المراد تشجيعه فإذا كانت السياسة العامة للدول المضيفة تتجه نتيجة لتشجيع الصادرات فمن الأولى إعادة النظر في المخططات الداخلية والخارجية، وأما إذا كانت هذه السياسة مرتبطة بالتشغيل فإنه يراعي في مشروع الاستثمار المقترح وعدد العمال الممكن توظيفهم وكلما ارتفع العدد كلما ارتفعت حظوظ الترخيص له، على أنه من المحبذ عدم منع امتيازات الاستثمار الأجنبي أكثر من الامتيازات الممنوحة للقطاع الخاص الوطني لأن مثل هذا يؤدي إلى إحباط في نفس المستثمر الوطني وقد ينتج عنه تكتل خفي بين الرأسمال الوطني الخاص والرأسمال الأجنبي بغرض الاستفادة من هذه الامتيازات الممنوحة للأجانب حتى لو كانت على حساب الاقتصاد الوطني لذلك من الأفضل تبني سياسة غير تمييزية بين الطرفين طبقا لمبدأ المعاملة الوطنية
•تبني إعفاءات جبائية مؤقتة ومعقولة، لأن التجربة كشفت أن الإعفاء الكلي من الضرائب ليس ضروريا لجذب المؤسسات الهامة، لأن هذه الأخيرة تنتظر ضرائب عامة أو معقولة، وليس الإعفاء الكلي منها حتى تتمكن من الإعداد العقلاني لمخططها المالي الطويل المدى.
•ضمان تحويل الأرباح، رؤوس الاموال المحولة، و يكون ذلك دون قيد أو شرط دون أن يتدخل البلد المضيف في ذلك، كما يشترط في هذا التحويل أن يتم بالعملة الصعبة ، و بنسبة الصرف المعمول بها.
 بالنسبة لحدود أطروحة صندوق النقد الدولي بشأن الاستثمار الأجنبي:
يعقد صندوق النقد الدولي أن مثل هذه الوصفة قد لا تكون كافية لتدفق الاستثمارات الأجنبية، لأن هذا الأخير قد ينمو إلا في ظل اقتصاد نشيط له معدلات نمو مرتفعة، وهو بذلك يتناقض مع نفسه من جهة، و من جهة أخرى يعترف بصعوبة ذلك في ظل الاقتصاد الراكد أو يعاني من اختلال هيكلية أو وظيفية.
لكن ما هو الحل للخروج من هذه الحلقة المفرغة؟
في هذا الإطار، وبعد تجربة ثماني سنوات مع بعض الدول النامية كمصر والمغرب ودول إفريقية أخرى، توصل صندوق النقد الدولي إلى أنه من غير الممكن تحفيز المستثمرين بقوانين ومراسيم في ظل اقتصاد راكد، بل يجب الوصول أولا إلى تحقيق التوازنات الكلية لهذا الاقتصاد قبل مناداة الأجانب للاستثمار فيه، و تتمثل هذه التوازنات فيما يلي:
– خوصصة القطاع العمومـي، و حل المؤسسـات الـمفلسة.
– التخفيض من نسبة التضخم.
– تحرير التجارة الخارجية و منح الاستقلالية للأعوان الاقتصاديين.
– تنشيط الطلب المحلي عن طريق إعادة رسم مخططـات التوزيع.
– الانتقال من دور دولة الرفاهية إلى دور الدولة الضابطة للاقتصاد.
وهكذا، ومع تحقيق هذه الآليات وغيرها، يمكن للاستثمار الأجنبي أن يجذب نمو هذه الدولة، غير أن واقع الاقتصاد الدولي يكشف خرافة هذا المنهج، إذ غالبا ما يفضل المستثمر الأجنبي الدول ذات النمو المرتفع على الدول التي تقوم بإجراء تصحيحات هيكلية على اقتصادها الوطني.
-مساهمة المنظمات غير الحكومية NGOSفي تنظيم الاستثمار الأجنبي.
لقد اتضح لدى الدول النامية حقيقة الأهداف الخفية والمتسترة التي كانت عادة ما تنادي بها الدول الصناعية الكبرى، خاصة ما يتعلق منها بوضع الاتفاق المتعدد الأطراف الخاص بالاستثمارات الأجنبية، حيث لم يكن ذلك الاتفاق إلا مظهرا من مظاهر الهيمنة والذي كرس بشكل واضح أهداف النظرية الرأسمالية النيوبيرالية العابرة للدول مع حليفاتها الكلاسيكية المتمثلة في المؤسسات الدولية من أجل دفع الدول النامية إلى توقيع على اتفاقية متعددة الأطراف، تخدم مصالح المستثمرين الأجانب دون الدول المضيفة للاستثمار وبالتالي الحكم على مئات الملايين من الرجال والنساء بالتهميش والإقصاء، تخريب البيئة ،العيث بحقوق الإنسان وتحريف المعنى الحقيقي للديمقراطية، هذا ما دفع بعض الجمعيات أو المنظمات غير الحكومية ذات الطابع العلمي والثقافي من جهتها جاهدة من أجل تدارك الأمر وتفويت الفرصة على بعض من الدول الصناعية الكبرى التي تريد استغلال التحولات الاقتصادية العالميةمن جهة والمشاكل الاقتصادية الخانقة التي تتخبط فيها معظم الدول النامية بقصد تمرير مشاريع وأفكار على شاكلة الاتفاقية المتعددة الأطراف MIA، وذلك باقتراح مبادرات تحاول من خلالها إيجاد أرضية وفاق عالمي( )وشامل حول الاستثمار تمس تلك التي أهملتها المبادرات الدولية الحكومية المقترحة أخيرا وخاصة من طرف OCDE، أو WTO..
 مساهمة الجمعية الفرنسية: Le Collectif Français Contre Les Colonnes de l’AMI
لقد أشارت الجمعية الفرنسية إلى أهداف الدول المتقدمة الرامية إلى وضع ميثاق دولي متعدد الأطراف، والخاص بتنظيم الاستثمارات الدولية، والتي لم تكن تريد سوى تكريس أداة سياسية تهدف إلى إخضاع الدول والشعوب إلى قانون الشركات متعددة الجنسيات.
ولمواجهة هذه التحديات ينبغي أن يبذل الجميع خاصة المنظمات غير الحكومية جهودا كبيرة للضغط على أصحاب القرار الدولي، وقرارات الأمم المتحدة في هذا الشأن والحيلولة دون السقوط الحرفي التبعية لهذه الشركات.
ففي بداية شهر ديسمبر من سنة 1998 وتحت ضغط الكثير من الجمعيات والمهنية والوطنية والدولية كان مقر OCDE الذي ثبت فيه اتفاقية متعددة الأطراف حيث قامت الجمعية الفرنسية في إطار تحسسي بمخاطر الاتفاق بالتذكير بمحتوياتها( ).
و التعريف الواسع لمفهوم الاستثمار بحيث قد يوظف في مجال الأموال، الخدمات، الصفقات والمساهمات المالية، وحصص خيارات المصادر الطبيعية، الملكية العقارية، الفلاحية والفكرية.
تغطي الاتفاقية كل القطاعات ماعدا قطاع الدفاع والشرطة.
المعاملة الوطنية ، بحيث لا يمكن أن يعمل المستثمرون الأجانب والاستثمارات الأجنبية بأقل ما يعامل به المستثمرون الوطنيون، في نفس الظروف وأما نظام الاستثمار المطبق على هؤلاء، فهو يسند على مفهوم حق الإقامة وليس على مفهوم رخصة الإقامة الجاري العمل به في كثير من الدول الأخرى.
الالتزام بالنتيجة: Obligation de résultat فالحكومات والدول المضيفة في رأي الذين صاغو هذه الاتفاقية، لا يمكن لها أن تفرض على المستثمرين مثلا توظيف عدد معين من الأشخاص أو الإطارات المحلية أو تفرض عليهم نقل التكنولوجيا، أو إعادة استثمار نسبة معينة من الأرباح في الدولة، فالالتزام بالنتائج ممنوع حتى ولو كان هذا الالتزام لا يتمتع بالصفة غير التمييزية اتجاه الأجانب.
حركة الرسمايل وانتقالها: لا يمكن لأي دولة مضيفة أن تمنع تطبيقات مهما كانت طبيعتها على عملية تحويل الأرباح نحو الدولة الأصلية للمستثمر بما فيها الأرباح الناتجة عن بيع مؤسسة محلية.
فيما يتعلق بالمصادرة فإلى جانب ما تمنحه معظم القوانين والتشريعات على المستوى العالمي من تعويض عادل سريع وفعال على الملكية الأجنبية المؤممة، أو التي صودرت من طرف الدولة المضيفة في إطار حقها السياسي في نزع الملكية للمنفعة العامة( ).
تضيف اتفاقية الاستثمار المتعدد الأطراف مفهوم جديد يسمى” Equivalentes à l’expropriation mesures “بالإجراءات المعادلة للمصادرالذي يقضي للمستثمر الأجنبي الحق في التعويض عن ما سيفقده من أرباح في المستقبل “Compensation pour perte de profites futur” .
الإبقاء على القوانين الحالية قائمة بدون تغيير أو تبديل فبمقتضى الاتفاقية تتعهد الحكومات بعدم تمرير اي قانون جديد سلبا على ما تفق عليه سابقا ، كما تتعهد في فترة معينة ليست بعيدة بإزالة وإلغاء كل القوانين المطبقة حاليا والتي تتعارض في فحواها مع قواعد MIA.
آلية فض النزاعات: إن اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف لا تعترف إلا بالخلافات التي يكون طرفاها المستثمرين الخواص الأجانب والدول المضيفة للاستثمار على عكس ما تفرضه قواعد WTO التي تحصرها في النزاعات التجارية التي تقع بين الدول لا غيركما أن الدول المضيفة لا يمكن لها أن ترفع شكاوى ضد المستثمرين الأجانب الخواص مهما كانت طبيعة وجسامة النزاع.
مدة الاتفاق: تشترط الاتفاق المتعدد الأطراف MIA مدة لا تقل عن خمسة سنوات للانسحاب من الاتفاقية وكل مشروع استثماري سبق وأن أقيم في الدولة المنسحبة يجب أن يكون خاضع لقواعد MIA لمدة تقدر ب15سنة.
مسؤولية المستثمرين: لا تحتوي اتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف على بند يحمل المستثمرين الأجانب في حالة عدم التزامهم بالتعهدات المتفق عليها سابقا، وأما بشأن وضعيـة الاستثمارات الأجنبية في الآونـة الأخيرة فتجيب الوثيقة عليها من خـلال المنهج التالي:
بالنسبة للاستثمارات المالية : عرف هذا النوع من الاستثمارات طورا كبيرا في السنوات الأخيرة،كما أن آلياتها الهشة ساهمت بشكل كبير في الاستقرار المالي الخطير الذي أصاب الكثير من دول العالم( ).
كما يشهد على ذلك الاضطرابات التي عرفتها معظم بورصات الدول الغربية في تلك الفترة ورغم هذه الاهتزازات والآثار السلبية التي حملتها معها، فمازالت هناك ضغوطات كبيرة تمارس من طرف الدول المصنعة الكبيرة بالتواطؤ مع المؤسسات المالية والتجارية الدولية نحو تحرير أكثر لحركة انتقال رؤوس الأموال في العالم، وما اتفاقية MIA متعددة الأطراف إلا مثال واضح يكرس المسعى ويؤكد عليه.
وتتجلى مخاطر الاستثمار غير الخاضع لمراقبة الدولة وفق الجمعية الفرنسية في:
تهجم الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة على الاستقرار الاقتصادي للدولة من خلال( ):
– اتجاهها نحو إغراق الكون بالإنتاج بفضل الحجم الكبير من الأموال التي يعاد استثمارها من طرف كبريات الشركات المتعددة الجنسيات مما سينتج عنه انخفاض حاد وسريع للأسعار مصحوب بتسريح كبير للعمالة وانخفاض للأجور .
– التخفيض المستديم للعمالة بمقارنة مع رقم الأعمال خاصة العمال المحلين منهم، فانتشار تقنية الإدماج-الاكتسابM8-AS الدولية، وكثرة مناطق التبادل الحر التي من خلالها يتمتع المستثمرون الأجانب بامتيازات خاصة، ولا يخضعون في تسييرهم للموارد البشرية وللتشريع الاجتماعي للدولة المضيفة أدى إلى تدمير العمل ونسف مبادئه الإنسانية بصفة عامة،كما.كان له تأثير سلبي على مستويات التشغيل بصفة خاصة.
أما تهجم الجمعية الفرنسية ضد البيئة : فترى أن الحرية الكاملة التي يتمتع بها الرأسمال العابر للدول أثر بصفة واضحة على البيئة الطبيعية، فمثلا سببا للأحكام والقواعد التي وقعت عليها إراديا الدول الثلاثة المنظمة إلى منطقة التبادل الحر NAFTA : تصفها الجمعية الفرنسية المذكورة بأنها مجرد نسخة مصغرة من اتفاقية الاستثمار متعددة الأطراف أو كما نسميها MINI-AMI.
أمكن للشركة الأمريكية ETHYL التي تنتج مادة MMT من رفع شكوى ضد حكومة كندية تطلب فيها تعويضا عن الأضرار قدره 250 مليون دولار، وذلك لإرغامها على إلغاء قانون مصوت عليه في شهر أفريل من سنة 1997، والتي بموجبه منعت الحكومة الكندية استيراد هذا النوع من المواد، فاتفاقية NAFTAتسمح لشركة تنتمي إلى دولة عضو أن ترفع دعوى ضد دولة عضو أخرى إذا ما رأت أن هذه الأخيرة وضعت عراقيل عمدية ضد حرية التجارة ،ولقد تحججت شركةETHYL في دعواها بأن القانون المذكور ما هو إلا مصادرة خفية لملكية تتوتر في أرباح مستقبلية حرمت منها، و كونها متأكدة من الخسارة إذا ما التجأنا إلى قواعد التحكيم التي تعتمدها NAFTA، فضلت الحكومة الكندية فض النزاع بطرق ودية ،و ذلك بدفع 13 مليون دولار، كتعويض لهذه الشركة وبإلغاء القانون المذكور بمعنى أخر، فإنه يمثل هذه الأدوات القانونية المكرسة في اتفاقية MIA أو NAFTA تستطيع الشركات تستحوذ على سلطة نفوذ تجعلها دائما فوق سلطة الدول والحكومات.
وتبعا للاستثمار الكبير الذي حققته شركةETHYL في نزاعها مع الحكومة الكندية، قامت العديد من الشركات الأمريكية برفع شكاوي ضد دول أخرى عضو في منطقة التبادل NAFTA كما قامت به أخيرا شركة METAM CLAD بطلب تعويض قدره 90 مليون دولار من الحكومة المكسيكية بسبب أن حاكم ولاية SAN LOIS POTOSI ، منع فتح مصنع لها لمعالجة نفاية ، وحجته في ذلك أن إعادة فتحه سوف يلوث المياه الصالحة للشرب التي يتزود منها سكان المنطقة أما شركة ETAM CLAD، فتجزم على أن التصرف ما هو في الحقيقة إلا نوع من المصادرة المقدمة وتطالب بالتعويض على الأضرار التي سوف تصيبها من جراء هذا الإجراء وبالترخيص لفتح المصنع.
إن اتفاقية الاستثمار المتعددة الأطراف MIA حسب الجمعية الفرنسية المذكورة سيكون لها تأثيرات مشابهة لتأثير NAFTH ولكن على مستوى أكبر وأشمل، كما أن اتفاق كهذا سوف يدخل لا محالة مع عدة اتفاقات متعددة الأطراف أخرى خاصة ما تعلق منها بالبيئة.
وترى الجمعية الفرنسية بخصوص التهجمات ضد الثقافة( ) بأن العولمة العالمية ومحاولة إقامة عالم موحد مسير فقط من طرف آليات السوق يتنافى مع مفهوم الخوصصة الثقافية للدول فالكثير من المثقفين المتعاطفين مع الجمعية المذكورة يرون أن النضال ضد MIA ما هو في الحقيقة إلا نضال من أجل الثقافة بالمفهوم الواسع للكلمة، وكذلك من أجل الحضارة وباقي النشاطات الإنسانية، فالتطور غير المنظم للاستثمارات المباشرة أو الاستثمارات الحالية ومفهـوم تحريـر التنظيم LA DEREGULATION الخاص بحركة رؤوس الأموال يشجع حسب الجمعية الفرنسية الاقتصادية الموازية والمشبوهة فالنشاطات الاقتصادية الغير شرعية أصبحت تنتشر بسرعة وتتجه شيئا فشيئا نحو التدويل، وأما النشاطات التي تلتزم القانون فهي مجرمة ف”اتفاقية النافتا” وآلياتها حسب الجمعية تشجع على الانجاز في المخدرات مثلا وتسهل انتقالها من دولة إلى أخرى بدون مشاكل تذكر خاصة فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك.
إن الأهداف الأساسية لينيوليبراليين LES NEO-LIBERAUX حسب الجمعية الفرنسية هو إضعاف الحركة وتحديد قدراتها في توفير الخدمات العمومية عبر موجة الخصوصية، التي ما فتئت تتوسع إلى حدود غير معقولة، ففي حالة الخصوصية الجزئية، أو الكلية للخدمات العمومية تمنع اتفاقية MIA تطبيق ما يسمى بالتعريفة التفصيلية الخاصة ببعض شرائع المجتمع لأن المؤسسات المخوصصة في رأيها يجب أن تنشط بناء على اعتبارات تجارية فقط لا على أساس اعتبارات إنسانية ومنه على هذا الأساس سيصبح توفير هذه الخدمات في مناطق ضعيفة الموارد الاقتصادية وبالتالي سينتج عنه عدم المساواة بين المواطنين أمام الخدمة العمومية.
والنتيجة نفسها سوف تحدث بالنسبة للتغطية الاجتماعية لعدد كبير من المواطنين مثلما ما هو موجود في الولايات المتحدة الأمريكية أين يتجاوز عدد المواطنين الذين لا يستفيدون من أي تأمين على المرض أربعين مليون نسمة.
إن تدفقات رؤوس الأموال الغير خاضعة للرقابة تخلق حسب الجمعية الفرنسية مشاكل أخرى على العملية الديمقراطية، فالدولة مثلا لا تستطيع أن تحدد نسبة عملتها الوطنية، ولا يمكن لها مراقبة مداخل ومخارج رؤوس الاموال الوطنية والأجنبية التي تصبح مرتبطة بالسوق وآلياته.
اتفاقية “ACPIR”:
تعترف الاتفاقية بأن الاستثمار الأجنبي المدروس بشكل جيد، المسيطر عليه بكل حزم، يمكن أن يساهم ايجابيا في ترقية معيشة الشعوب وجمال المدينة وفي هذا الصدد لا يمكن الإنكار في أن للمستثمرين الأجانب حقوقا يجب أن يستفيدوا منها: الحق في شفافية التشريعات المنظمة للاستثمار في الدولة المضيفة ، الحق في التعويض الابتدائي والعادل في حالة مصادر الملكية إذا كانت الأغراض المنفقة العامة :كما أنه يقع على عاتقهم اللوم اتجاه العمال الذين يشتغلون عندهم اتجاه الجماعات المحلية الذين تتموقع فيها مؤسساتهم واستثماراتهم وكذلك اتجاه الدول التي تستضيفهم وعلى العموم لكل دولة الحق في الاستقبال والترحيب بالاستثمارات التي تتناسب مع المشروع الاقتصادي أو الحالي المقترح تتوافق مع القوانين الاجتماعية والقواعد المنظمة لتهيئة الإقليم ورفض البقية التي لا تلتزم بالأطروحة والأسس المذكورة .
إن اتفاقية “ACPIR ” تطمع من خلال مقترحاتها إلى التعريف بقواعد تريدها أن تكون عالمية ، دائمة وقابلة للتطبيق ، تصاغ هذه القواعد بطريقة ديمقراطية بمشاركة عدد كبير من المواطنين النشطين في الحركات الاجتماعية الوطنية والدولية ، في النقابات المهنية في السياسة ، الايكولوجيين ، المثقفين …. سواء كانوا على المستوى الوطني أو الدولي.
إن الجمعية الفرنسية المذكورة، وبعد تحليل الواقع الذي يبين بأن مفهوم الحرية بمنظور المدرسة النيوليبرالية سوف يؤدي لا محالة إلى إقصاء وتهميش أغلبية شعوب العالم خاصة النامية منها ، تدمير الطبيعة ، والقضاء على الأنظمة السياسية الديمقراطية ، ورغم أن الحرية بهذا المفهوم تؤدي في بعض الأحيان إلىنجاحات ، إلا هذا لا يمنع انتقادها واقتراح ما قد يثيرها ويكملها ، بحيث تحدث في الأخير التوازن والمساواة بين الشعوب وتأمين الحسن للديمقراطية فيما بين كل المواطنين بدون استثناء.
مساهمة حركة التنمية العالمية (World developpement mouvement – WDM) في محاولة البحث عن إطار دولي عادل ومتوازن لتنظيم الشركات المتعددة الجنسيات:
بعد اعتراف الحركة WDM بأن الاستثمارات الأجنبية تعتبر بحق المصدر الأساسي للتدفقات المالية اتجاه دول العالم الثالث ،وهي في تطور متزايد و متسارع في آن واحد، ومن خلال هذا الواقع تطرح الحركة إشكالية مفادها أن مستقبل العالم الثالث ، أصبح حقيقة مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بالقراراتالتي سوف يفصل فيها في المستقبل القريب ، خاصة فيما يتعلق بكيف وبأي طريقة يمكن أن تجعل الاستثمارات الأجنبية تعمل وتنشط بشكل يرضي طرفي العلاقة ؟
إن الهدف من الحركة WDM من خلال هذه العبارة هو تأمين أن الاستثمارات الأجنبية خاصة تلك التي مصدرها الشركات المتعددة الجنسيات تساهم فعلا في تنمية شركائها من دول العالم خاصة الدول الفقيرة منها من خلال الفوائد الثلاثة الأكثر طلبا وهي: عمل، رأسمال، والمعرفة الفنية والتقنية بقدر ما تستفيد هي – أي الشركات المتعددة الجنسيات- من منافع وامتيازات كبيرة توفرها لها عادة الدول المضيفة ، إن مثل هذه الشركات أصبحت لا تعبأ كثيرا بهذه الأهداف حسب WDM فهي لا تهتم سوى استغلال الفرص المتاحة لجعل الأمور أسوء مما كانت عليه في السابق، سواء تعلق الأمر بالدول الصناعية أو بالدول النامية( ).
وتقترح الحركة WDM إطار تنظيميا واسعا وشاملا للاستثمارات الأجنبية وليس مجرد اتفاقية دولية موحدة، أي بمعنى أخر محاولة تقوية الآليات الموجودة بدلا من استحداث إجراءات وتدابير جديدة ، هذه الآليات( ) تتضمن ما يلي:
-اتفاقية استثمار دولية بهدف ترقية جودة الاستثمارات من جهة وتحديد مسؤولية الشركات المتعددة الجنسيات من جهة أخرى.
– إشراك هيئات أممية متخصصة كمنظمة الصحة العالمية ، ومنظمة العمل الدولية في تنظيم المسائل الهامة للاستثمار الدولي.
– ترقية إستراتيجية تنمية وطنية ملائمة خاصة بالدول الفقيرة.
– ترقية آليات قانونية وطنية خاصة بالدول المصدرة للاستثمارات لتقييم ومراقبة شركائها ومؤسساتها المتموقعة في الخارج.
– إعادة تنظيم ذاتي SELF REGULATION خاص بالشركات المتعددة الجنسيات الهدف منه ترقية الممارسة الاستثمارية الجيدة.
وترى الحركة WDM أن فوائد الاستثمار الأجنبي تكون أكثر فعالية عندما تتوافق مع العوامل التالية:
– المساهمة برأسمال جيد وأحسن وأفضل من شراء شركة سبق لها وأن كانت موجودة.
– المساهمة في التنمية الاقتصادية عن طريق إدخال صناعات جديدة تخلق المضافة أو ترفع من نسبتها.
– تحويل التكنولوجيا والمهارات التجارية والتسييرية إلى العمال والإطارات المحلية.
– توفير مناصب شغل ذات جودة عالية ومتكيفة مع المهارات المحلية مع الاستعداد لتكوين عمال وإطارات محلية جديدة.
– دعم الصناعات المحلية عن طريق إعطاء الأولوية في التموين بالموارد الطبيعية الخام لعقود التوريد المحلية ، التي يكون أحد أطرافها مؤسسة وطنية منتجة عوض اللجوء إلى التعاقد الخارجي من خلال عمليات الاستيراد مع شركات أجنبية.
– عدم منافسة الإنتاج المحلي،و في هذا الإطار يحبذ التعامل مع شركات أجنبية تنتج من أجل التصدير على تلك التي تنتج بقصد احتياجات السوق المحلي فقط.
– يحبذ استقطاب الاستثمارات الأجنبية التي تحسن من ميزان المدفوعات وتوفر بالتالي للدولة المضيفة الحجم الكافي من العملة الصعبة.
وتؤكدWDM على الصيغة العالمية لهذه المعايير، بحيث أضحت حقيقة معايير معترف بها من طرف الكثير من المنظمات و المؤسسات الدولية ، وتشهد على ذلك بما انتهى إليه ملتقى الخبراء الذي أشرفت عليه “UNCTD ” حول اتفاقيات الاستثمار الموجودة وأبعادها التنموية.المنعقد بجنيف في مايو من سنة 1997 من توصيات انحصرت كلها في نقطتين أساسيتين:
– التزام في أي مبادرة اتفاق استثمار دولي بالأطر التي تأخذ بالحسبان الأهداف التنموية للدول المضيفة ، بحيث تسمح لهاته الأخيرة بمتابعة تجسيد إستراتجية التنموية الاقتصادية التي قد رسمتها من قبل.
– ينبغي على هذه الأطر، ألا تكون أداة يصعب من خلالها على الدول النامية حماية ثقافتها ونظامها البيئي ، الآليات الاقتصادية والأهداف الاجتماعية.
وفي الأخير تدعو WDM من خلال مبادرة الأخلاق التجارية ما THE ETHICAL TRADING INITIATIVE المنظمات غير الحكومية الأخرى وبمساهمة بعض الشركات الكبرى إلى ضرورة تطوير قانون السلوك الدولي الذي من شأنه أن يساهم في تنظيم علاقة متوازنة وعادلة في ما بين مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وحق الدول المضيفة في التنمية والرفاهية بما تقتضيه سياستها التنموية( ).
مساهمة هيئة OXFAM الخيرية في النقاش العام حول الاستثمار الأجنبي المباشر:
إن اهتمام OXFAM بموضوع الاستثمار نابع من نشاطاتها المكثفة في ميدان الإغاثة الخيرية على المستوى الدولي خاصة إذا تعلق الأمر بالدول الفقيرة اقتصاديا أو دول أنهكت كاهلها الحروب “الفتن الداخلية ” المجاعات والأمراض ، وقد خاضت هذه الجمعية حملة ضد مشروع اتفاقية المتعددة الأطراف الخاصة بالاستثمار MIA وشملت الجوانب الشكلية المقاربة التي انتهجتها منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية “OCDO ” في إعداد وصياغة مشروع الاتفاقية ، المبادئ التي ارتكزت عليها الاتفاقية و أحكامها ، وترى الهيئة أن عيوب هذه المبادرة تتمثل في عيوب( ) من ناحية الشكل ومن ناحية الكيفية :
أ- من ناحية الشكل :
– تغطيتها لكل القطاعات الاقتصادية وتكييفها الموسع و غير المحدود لمفهوم الاستثمار.
– التوسع في مفهوم الحكومات المضيفة بحيث تشمل حسب مشروع الاتفاقية الجماعات المحلية المقاطعات والحكومات الوطنية إذا تعلق الأمر بالدولة فيدرالية سواء كان ذلك بموافقة الجهات المذكورة أو بدون موافقتها.
ب- من ناحية الكيفية :
ترى الهيئة بأنه بصدد إعداد و صياغة الاتفاقية في حد ذاتها أن المشروع المقترح من طرف OCDO يتميز بـ:
 نقص فضيع في الشفافية وعدم إشراك كل المهتمين في العملية بما فيهم المنظمات غير الحكومية والوكالات، سواء على المستوى الحكومي وغير الحكومي.
 إقصاء الدول النامية من المشاركة في المفاوضات رغم أنها أول المستهدفين من هذه الاتفاقية.
 اختيار النموذج التفاوضي من الأعلى إلى الأسفلTOP :DOWN NEGOCIATMG.MODEL عوض النموذج الأسفل-الأعلى BOTTOM-UP الذي يعتمد مفاوضة قطاع بقطاع.
 عدم الاهتمام لاتفاقية المقترحة بالجوانب الاجتماعية ،والبيئة بشكل كافي وملائم.
وفيما يتعلق بمبادئ موضوع الانتقاد من طرف الهيئة المذكورة والتي كرستها الاتفاقية فيعاب عليها:
-أكيد الاتفاقية على المسائل المتعلقة بحماية المستثمر الأجنبي وحقوق الملكية الفردية بدون أن يقابل تأكيد مماثل على التزامات المستثمر على ما تعهد به من خلال بنود العقد الذي يربطها بالدولة المضيفة.
-التكييف الضيق لمبادئ عدم التمييز، أو ما اصطلح عليه بالمعاملة الوطنية، بحيث يصبح المستثمر الأجنبي يعامل ليس فقط معاملة حسنة، ولكن أكثر مما يعامل المستثمر الوطني.
-منع إخضاع الاستثمارات الأجنبية إلى أي نوع من الرقابة الوطنية إلا في حالات استثنائية شريطة أن تكون موضوع التفاوض ابتدائي بين طرفي العلاقة وتقترح هيئة OXFAM الخيرية مجموعة من الأسس التي يجب أن يأخذها المجتمع الدولي بعين الاعتبار ويتمسك بها بكل مبادرة مستقبلية في هذا الشأن .
-إن تحرير الاستثمار الأجنبي لا يكون في حد ذاته هدف ، بل أداة ووسيلة لترقية التنمية المستدامة ومحاربة الفقر في الدول التي تشتكي من هذه الآفات وبالتالي ينبغي في دعوة المستثمرين الأجانب الحرص على عامل الجودة والتوزيع العادل لتدفقات استثمارية أجنبية على كل الدول المحتاجة.
-يجب أن يقابل قوة الشركات المتعددة الجنسيات والامتيازات التي تستفيد منها خلال توقعها في الأسواق العالمية المختلفة حتمية إخضاعها لمسؤولية في حالة الإخلال بالتزاماتها التعاقدية من جهة ، وتقوية قدرات الدول المستضيفة في تنظيم نشاطاتها ومراقبتها من جهة أخرى.
-إن قواعد الاستثمار الدولي لا يمكن أن تصاغ لوحدها بدون أي علاقة وانسجام مع السياسات الاجتماعية والبيئية وقواعد المنافسة والجباية الملحقة بها.
-ينبغي قبل صياغة أي قواعد قانونية دولية حول استثمار العمل على أن لا تكون متناقصة مع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحكومية من جهة ما تقتضيه المعاهدات الدولية في هذا المجال.
-ينبغي على أي مفاوضات مستقبلية يكون موضوعها الاستثمارات الأجنبية أن تكون حقيقة متعددة الأطراف ديمقراطية وشفافة متعددة التخصصات ، موسعة وتحوز على ثقة جميع الأطراف سواء على المستوى الوطني والغير حكومي.
– تطوير آليات المشاركة العمومية في النقاش الدائر حول المسائل الجوهرية للاستثمار عبر وسائل الاتصال المختلفة ، والمساهمة الفعالة في إيجاد بديل متوازن وعادل وبالتالي رفض الادعاءات التي تقوم بها إمكانية إيجاد بديل أخر عن ما هو منصوص عليه في اتفاقية الاستثمار المتعدد الأطراف المقترح من طرف OCDE.
-إن تدخل المنظمات الغير حكومية NGOS ومساهمتها في المسائل المرتبطة بالسياسة الاقتصادية الدولية ليس بالأمر الجديد ، فلقد شهدت سنوات الثمانيات بداية من التجنيد المنظم للكثير من المنظمات الغير حكومية سواء المتمركزة منها في الشمال أو في الجنوب ضد سياسات التعديل الهيكلي وبرامج الاستقرار الاقتصادي الذي أشرف عليها صندوق النقد الدولي بالاشتراك مع البنك الدولي في كل من إفريقيا وأسيا وأمريكيا اللاتينية.
-لقد ساهمت مثل هذه التدخلات لإصلاح بعض سياسات وممارسات البنك الدولي والبنوك المتعددة الأطراف الأخرى: خاصة فيما يتعلق بالبيئة الشفافية والحتمية استشارة الشعوب قبل المبادرة بأي سياسة تنموية وطنية.
-فيما يتعلق بالمسائل الاستثمارية فلقد جاء على لسان الأمين العام “NCTAD” السيد “Rubens Ricupero” أن الجهود المستمرة للمنظمات الغير حكومية بينت في الكثير من الحالات أنه يمكن جدا تحدي القوى الكبرى المهيمنة ونوه في هذا الصدد بالانتصارات الأخيرة التي حققتها هذه المنظمات فيما يخص معاهدة نزع الألغام ، إنشاء المحكمة الدولية الجنائية التي قادها المجتمع المدني ضد مشروع اتفاقية الاستثمار المتعددة على المستوى الدولي وتحسيس الشعوب بمخاطرها.
هذا إن دل على شيء إنما يدل على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية في المساهمة في تطوير القواعد العبر دولية الخاصة بالمجال الاقتصادي.
البند الثاني: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري في إطار الاتفاقيات العالمية الجماعية:
وهو المسار الأضعف ، حيث تم إبرام بعض الاتفاقيات المتعددة الأطراف على المستوى العالمي من أجل تنظيم الاستثمار الأجنبي غير أنه حدثت تجزئة لهذا التنظيم وهو ما يشمل في الحقيقة مرحلة هامة من مراحل تطوير النظام القانوني الشامل لمعاملة الاستثمارات الأجنبية وهذه الاتفاقيات هي :
-اتفاقية إجراءات الاستثمار المتصل بالتجارة في إطار المنظمة العالمية للتجارة “OMC”
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، والدول تسعى في تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز التجارية التي تعوق تدفق السلع عبر الدول ، من أجل ذلك فقد عقدت مؤتمرات دولية بهدف تحرير التجارة الدولية ، وتم التوصل من خلال ميثاق هافانا لعام 1948 إلى وضع جديد لتنظيم التجارة الدولية أطلق عليه، الاتفاقالعام للتعريفات الجمركية والتجارة الجات( ) ونتيجة ذلك أجريت سبع مفاوضات متعددة الأطراف من أجل تحرير التجارة الدولية، كان أخرها وأهمها (جولة أورغواي) والتي نجحت في إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1994، وقد أسفرت جولة أورغواي للمفاوضات التجارية متعددة الأطراف من عدة اتفاقيات( )، ويعد اتفاق إجراء الاستثمار المتصلة بالتجارة أحد أهم الاتفاقات التي تم التوصل إليها في ختام مفاوضات جولة أورغواي، حيث يتناول هذا الاتفاق موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال أهم الأحكام التي تضمنها اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة وذلك كالأتي:
-التعريف بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:
يقصد بها تلك القوانين واللوائح وكذا القواعد والإجراءات التي تنظم التعامل مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة حيث يكون لها تأثير أو انعكاس على التجارة الدولية.
تقوم حكومات الدول المختلفة عادة بفرش مجموعة من القوانين واللوائح والإجراءات التي تنظم أسلوب التعامل مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويتحقق ذلك من خلال تقرير عدد من المزايا والحوافز لجلب تلك الاستثمارات وتوجيهها إلى مجالات معينة تتمتع بأولوية خاصة وفقا لخطط وبرامج التنمية الاقتصادية التي تطبقها الدولة وبالمقابل قد تضع الدولة بعض القيود والتدابير أو الشروط التي تحدد من دخول رأس المال الأجنبي تجنبا لبعض مخاطره.
وقد حدد اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة معنى هذه الإجراءات بأنها:” تلك الشروط التي تضعها السلطات المحلية على الاستثمارات الأجنبية التي ترغـب في العمل على نطـاق إقليمها، والتي تنطـوي على تقييـد للتجـارة العالمية “( ) .
أسباب إدراج اتفاق إجراءات الاستثمار ضمن جولة أورغواي:
أمضت العديد من الدول النامية عقودا من الزمن في وضع الحواجز والعقبات أمام الاستثمار الأجنبي المباشر، وقد اشتملت تلك الحواجز على قيود الحصة المسموح للمستثمر الأجنبي امتلاكها في مؤسسة ما، وقيود على أنواع المشروعات التي يمكن للمستثمر الأجنبي القيام بها، ورغم أن هذه القيود لم تكن تستهدف إلى حد بعيد سد الطريق أمام الاستثمار الأجنبي المباشر بقدر ما هدفت لتشجيع الاستثمارات المحلية، إلا أنها أدت إلى تثبيط الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإضعاف نوعيتها، ولكنها أدت في المقابل في كثير من الأحيان إلى إقامة مشروعات مشتركة بين المستثمرين المحليين والأجانب ورغممعقوليتها من الوجهة التجارية، إلا أنها كانت تصطدم بعقبات أبرزها ضعف نوعية الشريك المحلي أو نتيجة الصعوبة المتأصلة في إدارة المشروعات المشتركة.
وقد أسفرت القيود التي فرضتها الدول النامية على الملكية الأجنبية للمشروعات المحلية عن أثر معاكس تمثل في انخفاض الحوافز الضرورية لدى المستثمرين الأجانب لإنجاح مشروعاتهم وقد اشتملت القيود وأنظمة التحكم في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر ، والتي وضعتها الدول النامية على العديد من العناصر( ) قد يكون أهمها:
– الحظر الصريح على الاستثمار في مجالات اعتبرت إستراتيجية.
– اشتراطـات الحصول علـى الموافقـة الرسميـة.
– وجود معايير غامضة بشأن الحصول على الموافقة.
– الضرائب الباهظة التي تستلزم إجراءات تعويضية من خلال حوافز الاستثمار.
– القيود التي تفـرض علـى حصـة الشركـة الأجنبية فـي المشروعـات.
– الشروط التي تنص على نسبة محددة من المستلزمات المحليـة (المحتوى المحلي).
لذا أصبحت تلك القيود والإجراءات محور نقاش في جولة الأورغواي بغية تحرير للتجارة الدولية .
ونظرا للأهمية التي اكتسبتها الاستثمارات الأجنبية في مواجهة أوجه النشاطات الاقتصادية الأخرى لاسيما التجارة الدولية، لم يكون من الغريب أن تتمتع اتفاق إجراءات الاستثمار بعناية خاصة حضيت باهتمام كبير من جانب الاقتصاديين والمستثمرين المهتمين بشؤون التجارة الدولية.
ولقد كانت هناك جملة من الأسباب( ) التي ساهمت في إدراج هذا الاتفاق ضمن جولة أورغواي تتمثل فيما يلي:
– لا يخلو اتفاق من فكرة مبدأ تحرير التجارة، إذ يعد أهم أهداف منظمة التجارة العالمية على الإطلاق سواء على مستوى الإطار الدولي أو اتفاقيات الاتحادات الجمركية أو مناطق التجارة الحرة، ويعتبر رأس المال في نظر الدول الصناعية الكبرى في حد ذاته سلعة من السلع التي يتم تداولها وانتقالها وفقا للمبادئ تحرير التجارة السلعية استيرادا أو تصديرا، وانطلاقا من ذلك تقضي بحرية انتقال رؤوس الأموال فيما بين الأعضاء الذي ينظر إليها على أنها ليست أحد عناصر العملية الإنتاجية وإنما سلعة متداولة.
– يعد تعاظم دور الشركات المتعددة الجنسيات ،وأثرها الكبير على توجهات الاستثمارات الأجنبية الذي أصبح أهم أهداف نشاطاتها الكبرى، انجر عن هذا الاتفاق أثار مهمة على العلاقة بين الدول المضيفة والشركات المتعددة الجنسيات التي أصبحت توظف أموالها بغرض الاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها الإنتاج في بعض البلدان من ناحية انخفاض تكلفة العمالة أو وفرة المواد الأولية اللازمة لعملية الإنتاج، وذلك من أجل إنتاج سلعة قليلة التكلفة وذات قدرات تنافسية مرتفعة في الأسواق العالمية.
ومن أجل إدراج مبدأ تقرير انتقال رؤوس الأموال ضمن اتفاق1994، وإزالة القيود المعوقة للتجارة في هذا الصدد مارست هذه الشرعيات ذات القدرة النفوذية ضغوطات كبيرة على حكومتها في الدول الصناعية كون أن ذلك يقف أمام مصالح الدول الكبرى المصدرة لرأس المال .
– إن هذا الاتفاق يعد أحد الاتفاقيات المتعلقة بالمكونات الأساسية للتجارة الدولية بمفهومها الواسع، حيث يشير إلى الجهود الدولية المبذولة لتوسيع دائرة التبادل الدولي عن طريق إدخالها لمفاهيم والمحددات الخاصة بالحركة الدولية لرؤوس الأموال، وإخضاعها لنفس قواعد الجات لسنة 1994.
الأحكام الرئيسية لاتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:
 نطاق تطبيق الاتفاق: نصت المادة الأولى من الاتفاق على أنه ينطبق هذا الاتفاق على تدابير الاستثمار
المتصلة بالتجارة في السلع (والبضائع) وحدها، ومن ثمة فإن هذا الاتفاق لا ينطبق على إجراءات الاستثمار غير المتصلة بالتجارة في السلع.
 إجراءات الاستثمار المحظورة طبقا لاتفاق التريميز (TRIMS):طبقا لهذا الاتفاق تعتبر إجراءات الاستثمارات
المحظورة، تلك الإجراءات التي تخالف الالتزام بمبدأ معاملة الاستثمارات الأجنبية بنفس معاملة الاستثمارات الوطنية، أو مع الالتزام بمبدأ الإلغاء العام للقيود الكمية ، وهذا ما نصت عليه المادة الثانية من اتفاق إجراءات الاستثمار التي تنص على أنه: “لا يجوز لأي عضو أن يطبق أي إجراء للاستثمار متصل بالتجارة يتعارض مع أحكام المادة الثالثة بخصوص مبدأ الالتزام بالمعاملة الوطنية أو المادة 11 بخصوص الالتزام بالإلغاء العام للقيود الكمية من اتفاقية الجات1994، حيث لا يوجد هناك انفصال بين الجات واتفاق تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة.
 تدابير الاستثمار المقيدة لحرية التجارة: لايخضع الاستثمار الأجنبي المباشر لقواعد منظمة التجارة العالمية،
ماعدا في قطاع الخدمات وعليه فبإمكان الحكومات اتخاذ تدابير التي تراها مناسبة لتشجيع الاستثمار الأجنبي، وان كان ذلك بشكل تفضيلي وتمييزي، ومن هذه التدابير تأمين الأسس السليمة والشفافة من أجل تشجيع الاستثمار الأجنبي الذي يعتمد كثيرا على الثبات في المعاملة.
ويمكن تقسيم( )تدابير الاستثمار المقيدة للتجارة إلى قسمين: الأول يتعلق بالمعاملة الوطنية، والثاني يتعلق بالقيود الكمية . وتتخلص أهم الأحكام (المبادئ) التي تعتبر مقيدة لحرية التجارة الدولية فيما يلي:
– مبدأ المعاملة الوطنية: جاء النص على المبدأ في المادة الثانية من الاتفاق حيث منعت الاتفاقية على الدول الأعضاء القيام بتطبيق تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة، والتي تتعارض مع الالتزام بالمعاملة الوطنية المنصوص عليها في الفقرة الرابعة من المادة السابقة من اتفاقية الجات 1994 على النحو الآتي:
– شرط المكون المحلى : ويعني اشتراط قيام المشروع الاستثماري الأجنبي بشراء أو استخدام منتجات محلية المنشأ أم من أي مصدر محلى، سواء كان الشراء محددا بمنتجات بعينها أو بحجم معين أو بقيمة معينة أو في قيمة الإنتاج المحلى للمشروع.
– شروط التوازن التجاري :ويعني تقييد استيراد المشروع الاستثماري الأجنبي أو استخدامه لمنتجات مستوردة من الخارج بكمية معينة تمثل نسبة محددة من حجم أو قيمة ما يصدره المشروع من منتجات محلية.
– حظر القيود الكمية: يحظر الاتفاق أيضا على الدول الأعضاء القيام بتطبيق التدابير أو الإجراءات الاستثمارية المرتبطة بالتجارة، بما يتعارض مع الالتزام بحظر القيود الكمية المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 11 من اتفاقية الجات 1994 والتي تشمل: ( )
-تقييد استيراد المشروع الأجنبي لمنتجات تستخدم في إنتاجه المحلي، أو ترتبط بهذا الإنتاج سواء كان هذا التقييد بصفة مطلقة ، أو مرتبط بما يستورده المشروع من منتجات أو بحجم قيمة ما يصدره المشروع من إنتاجه المحلي، ويعتبر هذا التدبير من متطلبات توازن التجارة التي تؤدي إلى التقييد الكمي للواردات.
-تقييد استيراد المشروع الأجنبي لمنتجات تستخدم في إنتاجه المحلي،أو ترتبط بهذا الإنتاج عن طريق تقييد حصوله على النقد الأجنبي بمبلغ يتناسب مع قيمة النقد الأجنبي التي تتدفق إلى البلد المضيف، ويطلق على هذا التدبير شرط توازن العملات الأجنبية، و الذي يؤدي إلى التقييد الكمي للواردات.
– تقييد قيام المشروع الأجنبي بالتصدير أو البيع من اجل التصدير، سواء كان ذلك محددا بمنتجات بعينها أو بحجم معين أو بقيمة الإنتاج المحلي للمشروع، ويترتب على هذا التدبير التزام المشروع ببيع نسبة معينة من إنتاجه أوحدا أدنى منه في السوق المحلي للدولة المضيفة للاستثمار، ويطلق على هذا التدبير شرط حدود التصدير، وهو يؤدي إلى التقييد الكمي للصادرات.
الضمانات التي نصت عليها الاتفاقية: إن اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة في إطار المنظمة العالمية للتجارة، وباعتباره اتفاقية جماعية دولية يجب أن يتضمن وكأي اتفاق آخر، مجموعة من الضمانات التي تكفل الالتزام الكامل لقواعده، ومن خلال استقراء ما احتوى عليه الاتفاق من أحكام نجد انه قد أشار إلى مجموعة من الضمانات الموضوعية والإجرائية والتي تتماشى مع أهداف هذا الاتفاق.
الضمانات الموضوعية:تختص بكل الأوضاع المتعلقة بمسالة إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة على النحو ( ):
1-. مبدأ خضوع استمرار فرض تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة للرقابة: اعترافا من واضعي اتفاقات الجات بإمكانية وجود أوضاع وظروف تهتم باستمرار فرض التدابير المقيد للاستثمار من قبل الدول النامية ،و الأقل نموا ثم منح هذه الدول الحق في استمرار فرض القيود والتدابير المذكورة، وباعتبار أن الهدف المنشود للمنظمة العالمية للتجارة هو تحرير التجارة الدولية من القيود تكريسا لمبدأ حرية التجارة، إلا انه قد تم النص على مجموعة من القيود التي تتشكل خروجا عن الهدف المنشود.و تتمثل في :
– ضرورة مواجهة الدولة العضو لصعوبات تمنع تنفيذ أحكام الاتفاق.
– ضرورة خضوع طلب مدة الفترة الانتقالية لرقابة مجلس التجارة في السلع، الذي عليه أن يضع في اعتباره في هذا الطلب الاحتياجات الإنمائية والمالية والتجارية للعضو المعني.
02- مبدأ مراعاة أوضاع الاستثمارات الجديدة:أجاز الاتفاق للدول الأعضاء أن تقوم بتطبيق أحكام
الفترة الانتقالية المحددة لإلغاء إجراءات الاستثمار المقيدة للتجارة على المشروعات الاستثمارية الأجنبية الجديدة والتي تنتج منتجات متشابهة لمنتجات مشروعات قائمة من قبل، ولتفادي تشويه ظروف المنافسة بين الاستثمار الجديد والاستثمار القائم لابد من تطبيق هذه الإجراءات بغية توحيد ظروف المنافسة ويشترط لذلك أخطار مجلس التجارة في السلع بإجراءات الاستثمار بالنسبة للاستثمارات الجديدة ، بحيث يتم إلغاء الإجراءات فيما بعد عن المشروعات الجديدة والمشروعات القائمة في نفس الوقت.
03-. مبدأ إنهاء التقييد الدائم الإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة:من أجل تحقيق هذا المبدأ، فقد ألزمت المادة 5 الفقرة 1 من الاتفاق كل الدول الأعضاء في منظمة العالمية للتجارة OMC بأن تقوم بإلغاء الإجراءات أو التدابير القائمة من خلال تشريعاتها المختلفة، والتي تعيق الاستثمار في مجال التجارة، ومن أجل ذلك أوجب الاتفاق المعنى على الدول الأعضاء القيام بإخطار مجلس التجارة في السلع بكافة تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة التي يطبقونها والتي لا تتطابق مع أحكام الاتفاق، وذلك من خلال ثلاثة أشهر من بدء نفاذ اتفاقية منظمة التجارة العالمية، ولمعرفة مدى التقدم من أجل إنهاء التقييد القائم لإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة فانه مما لاشك فيه أن الإخطار سوف يلعب دورا هاما في اختفاء رقابة فعالة من جانب أجهزة المنظمة من جهة، والدول الأعضاء المعنية من جهة أخرى.
04-. مبدأ عدم التحايل أو استغلال الفترة الانتقالية لنفاذ الاتفاق: نصت المادة الخامسة من الفقرة الرابعة من الاتفاق على أنه: “لا يجوز لأي عضو أن يعدل خلال الفترة الانتقالية أيا من التدابير الاستثمار التي قام بالإبلاغ عنها خلال 90 يوما من بدء سريان اتفاقية منظمة التجارة العالمية، ولعل الهدف من ذلك هو منع احتمال استغلال بعض الدول أو تحايلها لفرض تدابير جديدة لتقييد الاستثمار في مجال التجارة، وذلك من خلال منع الاتفاق لتقييد إجراءات الاستثمار التي أدخلت قبل ما يقل عن 180 يوما من تاريخ نفاذ اتفاقية المنظمة وبالتالي عدم الخضوع لأحكام الفترة الانتقالية .
05-. مبدأ التدرج في إلغاء إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة: من أجل مراعاة الأوضاع الاقتصادية لم يسمح الاتفاق للدول الأعضاء الإنهاء الفوري لتلك التدابير، حيث حدد ذلك بموجب مرحلة انتقالية يتم من خلالها إلغاء تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة تدريجيا ومعنى ذلك أنه يتعين على الدول الأعضاء خلال هذه الفترة القيام بإلغاء إجراءات وقوانين الاستثمار التي تتعارض مع أحكام هذا الاتفاق، ومن خلال هذه مدة قدرها سنتين من تاريخ سريان اتفاقية المنظمة التجارة العالمية بالنسبة للدول المتقدمة و5 أعوام بالنسبة للدول النامية و7 سنوات بالنسبة للدول الأقل تقدما.
الضمانات الإجرائية : يتعين عل الدول الأعضاء ،طبقا لما نصت عليه المادة الخامسة من اتفاق الاستثمار اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها أن تضفي وتكفل تحقيق ضمانة شكلية لاحترام قواعد ومبادئ اتفاق إجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة، وتتجلى هذه الإجراءات الشكلية من خلال تنفيذ فحوى المبادئ التالية:
-مبدأ حسن النية: يأخذ هذا المبدأ مجال تطبيقية من خلال التزام كل دولة عضو بأن يجيب على كل الطلبات المقدمة من الأعضاء الأخرى، وهذا من أجل إتاحة الفرصة لمشاركة الجميع مع الأعضاء الآخرين للتشاور في أية مسألة تتعلق بالاستثمار والتي تنشأ بموجب الاتفاق بينهم( ).
-مبدأ مراعاة المصالح الاقتصادية للعضو : يمثل هذا المبدأ سمة مميزة جاءت به اتفاقات الجات ومقتضى هذا المبدأ عدم التزام أي عضو في منظمة التجارة العالمية بالكشف عن أية معلومات يؤدى إفشاؤها إلى عرقلة سريان القانون، أو تكون المعلومات متناقضة للصالح العام أو يمكن أن تسيء إلى المصالح التجارية المشروعة لمنشآت الدول العضو.
-مبدأ الشفافية : ويتحقق هذا المبدأ من خلال قيام الدول الأعضاء بإخطار الأمانة العامة لمنظمة التجارة العالمية بكافة تدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة التي تطبقها تلك الدول، وكذلك الأخطار بكل الموضوعات المتصلة بالهدف من الاتفاق على مستوى الحكومة المركزية أو السلطات الإقليمية والمحلية، وذلك خلال مدة 90 يوما من بدء نفاد الاتفاقية.
ومن أجل تطبيق الضمانات السابقة، سواء الموضوعية أو الإجرائية فانه ووفقا لنص المادة السابعة من الاتفاق، فقد تم بإنشاء لجنة مختصة بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة العالمية وتكون عضويتها مفتوحة لكل الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ، هدفها مراقبة سير وتنفيذ الاتفاق المعني، والقيام بمسؤوليات والمهام التي يعهد إليها أو يحددها مجلس التجارة في السلع، كما تقوم اللجنة المذكورة بالمساعدة والإشراف على مشاورات الأعضاء الخاصة بإجراءات الاستثمار المتصلة بالتجارة، وتقوم اللجنة بإعداد تقرير سنوي ترفعه لمجلس التجارة في السلع متضمنا ملاحظاتها حول الأمور الخاصة بتنفيذ الاتفاق.
-اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار:
ظهرت فكرة إنشاء جهاز دولي لضمان الاستثمارات في فترة الخمسينيات من القرن الماضي وذلك بغية تغطية الخسائر الناجمة عن الأخطار السياسية وغير التجارية، التي تتعرض لها المشاريع الاستثمارية التي تزاول الأنشطة الاقتصادية في الدول المضيفة، وفي هذا الصدد تعددت الآراء وتباينت حول خطط ضمان الاستثمار متعددة الأطراف LES PLANS DES GARANTEES DES INVESTISSEMENTS MULTILATERALES، إذ تدور هذه الآراء والمقترحات في مجملها حول أهمية إقامة مؤسسة أو منظمة دولية لضمان الاستثمارORGANISATION INTERNATIONAL GARANTIES DES INVESTISSEMENT ، تعمل وفقا للقواعد المتعارف عليها في القطاع المصرفي ، وتخضع لإشراف وإدارة البنك الدولي للإنشاء والتعمير BIRD باعتباره المؤسسة الدولية الوحيدة المسئولة عن إدارة عمليات الاستثمارات الدولية( )، حيث جرت مناقشة هذه الفكرة في البنك الدولي للإنشاء والتعمير في عدة مناسبات خلال الفترة من عام 1962 إلى 1982 دون اتخاذ أي قرار في هذا الشأن.
كما تم إحياء الفكرة من جديد في خطاب رئيس البنك الدولي كلاوسن في الاجتماع السنوي لمجلس البنك الدولي عام 1982، وبعد دراسات تفصيلية أجراها المختصون في البنك ومناقشات غير رسمية مع المديرين التنفيذيين للبنك ، انتهى العمل بوضع مشروع اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمانالاستثمارAMGI والذي تم إقراره في سبتمبر1985، ولعل من أهم الأسباب والمعطيات التي أدت بميلاد هذه المنظمة ما يلي:
تعتبر فكرة الحماية القانونية والضمان الذي يتحقق عبرها ، أحد أبرز الأسباب التي تحدو بالمستثمر الأجنبي أن يقرر أين ستكون وجهته في العالم النامي بالتحديد ، وخاصة في مجال التنمية( ).و يفضل المستثمر الأجنبي التأمين على استثماراته بواسطة هيئة دولية، حتى وإن كانت دولته تطبق نظاما وطنيا للتأمين على الاستثمار، ويرجع هذا التفضيل إلى أسباب متعددة، أهمها:
– تخفيض أقساط التأمين نظرا لتوزيع عبء الخسائر بين عدد كبير من الدول.
– توحيد شروط التأمين بين الاستثمارات الأجنبية المختلفة، مما يؤدي بالنتيجة إلى المساواة في معاملة تلك الاستثمارات.
– إمكان ضمان المشروعات الدولية المشتركة التي لا تتمتع بجنسية دولة معينة بالذات.
– نظرا للدور الذي يمكن أن تضطلع به هيئة الضمان الدولية في إرساء قواعد قانونية موحدة لمعاملة الاستثمارات الأجنبية.
هذه الفكرة تتمثل في منح المستثمر الأجنبي ضمانات ضد أي مخاطر قد يتعرض لها مشروعه الاستثماري في البلد النامي المضيف ضمانات يتحقق فيها معنى الحماية ضد أي خطر غير تجاري كالحرب أو التأميم أو منع تحويل ناتج الاستثمار إلى الخارج، هذه المخاطر لا تتعلق بالتعامل التجاري ولا تدخل في توقعات الأفراد، وتحققها يعني الأضرار بمصالح المستثمر الأجنبي، بما ينتج عنه أضرار أكبر بمصالح التجارة الدولية فضمان هذه المخاطر يجعل المستثمر بمنأى عنها ويحقق له الأمان القانوني حال تحققها ، ويجعل من المشروع الاستثماري دوما على شاطئ الأمان.
إن فشل( ) النظم القانونية الداخلية التي جاءت لتمنح بعض الضمانات للاستثمارات الأجنبية هي التي شجعت وأنشأت الحاجة لضرورة وجود هيئة ضمان دولية تحقق أمانا أوسع للمستثمر الأجنبي، وتمنح الضمان للاستثمارات من خلال ما قد يتعرض له من مخاطر غير تجارية، ولعل إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار أتى كي يلبي هذه الحماية، فالدول المتعاقدة في هذه الاتفاقية واعتبارا منها للحاجة إلى تعضيد التعاون الدولي في مجال التنمية الاقتصادية ، ودعم مساهمة الاستثمار الأجنبي، وعلى خصوص الاستثمارات الأجنبية الخاصة في تلك التنمية، وإدراكا لما يترتب على رفع المخاوف المتعلقة بالمخاطر غير التجارية من تسيير وتشجيع تدفق الاستثمار الأجنبي إلى الدول النامية، خاصة وأن هذه الأخيرة بحاجة لجذب أي استثمار يحقق لها مطامحها في تحقيق التنمية عبر منح هذه الاستثمارات ميكانيزمات قانونية واقتصادية ووسائل فاعلة وضمانات تحقق للمستثمر اطمئنانا على مشروعه الاستثماري القادم به إلى هذه الدولالنامية، وحوافز من شأنها أن تشجع هذا المستثمر على الإقبال على الاستثمار وهو مطمئن أن هدفه الأساسي وهو الربح سوف يتحقق ضمن إطار هذه المنظومة المتكاملة في هذا البلد المضيف.
وقد تم إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار( )، التي أنشأت بموجب اتفاقية سيول في :12/10/1985، (AMGI) MULTILATERAL DE GARANTEE DES INVESTISSEMENTS AGENCE، تحت إشراف البنك الدولي للإنشاء والتعمير، من أجل تقديم ضمانات مالية للمستثمرينالأجانب ضد المخاطر غير التجارية التي قد تتعرض لها في الدول المضيفة، كوسيلة لتحسين المناخ الاستثماري في الدول النامية ، وتسهيل انسياب رؤوس الأموال الأجنبية الخاصة إليها ، ولم تدخل الاتفاقية حيز التطبيق فعليا إلا في سنة 1987.
نبذة تاريخية عن فكرة إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار AMGI: لقد جاءت أول مبادرة تهدف إلى إنشاء تنظيم دولي لضمان الاستثمار باقتراح من لجنة الخبراء التابعة للجمعية الاستشارية لمجلس أوروبا سنة 1957، وجاء في ذلك الاقتراح إنشاء صندوق الضمان والمعونة المالية ، يغطي الاستثمارات الأوروبية في إفريقيا، وفي نفس تلك السنة طالب نائب رئيس الأمريكي السيد نيكسون (الذي أصبح بعد ذلك رئيسا لبلاده)، إجراء دراسات للنظر في إمكانية إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمار في الخارج، تديره هيئة خاصة لحماية الاستثمارات من أخطار التأميم( )، وتخفيض قيمة العملة أو منع تحويلها وغيرها من الأخطار السياسية.
وفي سنة 1958 تكرس ذلك المطلب في بحث قدمه الأستاذ “روبنسون”، إلى اللجنة الخاصة ببحث سياسة التجارة الخارجية الأمريكية بمجلس النواب الأمريكي، واقترح البحث عن إنشاء شركة دولية من قبل الحكومات والأفراد، وإحدى المنظمات الدولية كالبنك الدولي مثلا( ).
وموازاة لذلك قدم عضو في مجلس الشيوخ الفرنسي اقتراحا مماثلا في نفس السنة ، إلى لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية في الاتحاد البرلماني الدولي، الشيء الذي أدى إلى موافقة ذلك الاتحاد على فكرة إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمارات الأجنبية الخاصة تشرف عليه الأمم المتحدة ، وفي نفس السنة اقترحت إنشاء نظام لضمان الاستثمارات الأوربية في الخارج ضد المخاطر السياسية ، تقوم بتنفيذه هيئات وطنية تعيد التأمين لدى وكالة ضمان أوربية تنشأ لذلك الغرض( )، ومن جهة أخرى وافقت الجمعية الاستشارية لمجلس أوربا سنة 1959 على إنشاء صندوق دولي لضمان الاستثمارات الأوربية في إفريقيا، وفي السنة التالية تم نشر العديد من الاقتراحات المتعلقة بإنشاء هيئة دولية لضمان الاستثمارات الأجنبية.
ومن تلك المقترحات ما قدم لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OCDE مثل “اقتراح مافري”و”اقتراح ستراوسن” وغيرهما، ومنها ما قدم إلى غرفة التجارة الدولية مثل ما هو الشأن بالنسبة لاقتراح “فان إيفن”.
أما الاقتراحات الجماعية فمنها مشروع الجمعية الدولية لتشجيع وحماية الاستثمارات الأجنبية الخاصة (APDI)، وفي لقاء طوكيو في جويلية من عام1961، قامت مجموعة مساعدة التنميةDAG التابعة لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية بدراسة عدة اقتراحات تتعلق بموضوع إنشاء هيئة دولية لضمانالاستثمارات ، حيث تم الطلب من البنك الدولي لقيام بدراسة حول النظم الممكنة للضمان الدولي للاستثمار، وتقدم البنك بتلك الدراسة في مارس 1962، وقامت منظمة التعاونوالتنمية الاقتصادية سنة 1963 بالنظر في تلك الدراسة إلى جانب دراسات أخرى منها دراسة الأستاذ متزجر، وفي سنة 1965 تبنت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية قرارا حول إنشاء هيئة دولية لضمان الاستثمارات، عرضته على البنك الدولي لكي يضع اتفاقية دولية في الموضوع .
وبعد ذلك شكل البنك لجنة من الديرين التنفيذيين، بدأت بمناقشة المسائل الرئيسة التي يمكن أن يتناولها المشروع المقترح، ثم وضعت مشروع اتفاقية الذي وزع في30-11-1966، وبهدف الزيادة من تعميق الدراسة شكلت لجنة جديدة من المديرين التنفيذيين ناقشت الموضوع بصفة مطولة من مايو 1967 إلى أوت 1968، وتمخض عن تلك المناقشات مشروع ثان تم توزيعه في25 -6-1968، وبعد تعديله تم عرضه على مجلس مديري البنك في 19-8-1968.
وقد توالت الاقتراحات حول مدى أهمية مواصلة مناقشة فكرة تدويل هذه البرامج الوطنية والمضي بها قدما نحو منظمة دولية متعددة الأطراف على المستوى العالمي تكون لها سلطات ضمان الاستثمارات الأجنبية بالخارج بشكل يحل محلها، أو يكمل هذه البرامج الوطنية، وقد جاء في هذا السياق الاقتراح الذي تقدم به تشارلز روبنسون CHARLES ROBINSON( )وحمل فيما بعد اسم PLAN DE ROBINSON في مايو1973، إذ اعتبر أحد هذه الاتجاهات البارزة نحو تدويل البرامج الوطنية والاتجاه بها نحو العالمية.
ثم ظهر بعد ذلك اقتراح أخر حظي هو أيضا بالاهتمام من قبل الأوساط المهتمة بمحيط ضمان الاستثمارات، ويتعلق الأمر باقتراح بيترز جبريل( )PROPOSITION DE GABRIEL وينصرف هو الأخر إلى إنشاء برنامج متعدد الأطراف لتأمين الاستثمارات الخاصة المباشرة ضد الأخطار السياسية أو بالأخص غير التجارية، ويخضع للإشراف المباشر لإحدى الوكالات الدولية المتخصصة.
أما عن تجسيد الفكرة ، فقد ترتب عن إحياءها من طرف رئيس البنك الدولي آنذاك السيد كلاوزن، في أول خطاب له في الاجتماع السنوي لمحافظي البنك سنة 1981 ( ).
وقد وضعت إدارة البنك دراسة بعنوان: الملامح الرئيسية لوكالة الاستثمار الدولية المقترحة، وذلك عل إثر دراسات قام المختصون ومناقشات غير رسمية مع المدراء التنفيذيين ، ليقوم بعد ذلك البنكالدولي بعرضها عليهم في مايو 1984، وإدراج ذلك الاتفاق فيما بعد تعديله ومناقشته في مشروع اتفاقية إنشاء الوكالة الدولية لضمان الاستثمار ، وهو مشروع تم توزيعه في أكتوبر من نفس السنة، وبعد مشاورات مع دول الأعضاء عدل المشروع، وعرض مرة أخرى على تلك الدول في مارس 1985، ثم نوقش المشروع مرة أخرى في الفترة ما بين جوان إلى سبتمبر من نفس السنة من طرف لجنة مشكلة من المديرين التنفيذيين وخبراء من دول الأعضاء.
وقد تم الموافقة على النص النهائي لذلك المشروع في سبتمبر 1985 واصدر توصياته إلى مجلس المحافظين لكي يصدر قرار بعرض الاتفاقية على الدول الأعضاء للتوقيع عليها وهو ما تم بالفعل في 11 أكتوبر 1985 في سويسرا، وقد تقرر دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بعد المصادقة عليها من طرف 20 دولة على الأقل، من بينها 05 دول من المجموعة الأولى (أي الدول المتقدمة).
لكن بشرط أن تبلغ قيمة مساهمات مجموع تلك الدول ثلث رأس الوكالة. وجاءت الاتفاقية مشكلة من15 فصلا وملحقين، تعلق أولهما بالضمانات التي تقوم بها الوكالة وفقا للمادة 24 من الاتفاقية، وتعلق ثانيهما بتسوية المنازعات التي تثور بين الدول الأعضاء والوكالة وفقا للمادة 57 من الاتفاقية، ولقد دخلت تلك الاتفاقية حيز التنفيذ والتطبيق فعلا في سنة 1987.
النظام القانوني للوكالة الدولية لضمان الاستثمار: نصت الفقرة ب من المادة 01 من الاتفاقية على تمتع الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بالشخصية القانونية كالتمتع بالتعاقد وإبرام المعاهدات مع الدول والمنظمات الدولية الأخرى وحق التصرف والتقاضي أمام محاكم التحكيم الدولية والمحاكم الداخلية، وحق تملك العقارات والمنقولات، ولا شك أن التسليم للوكالة بالشخصية القانونية الدولية يعني أهليتها للدخول في علاقات تعاونية مع أشخاص القانون الدولي الأخرى في إطار الغرض منها( ).
كذلك تتمتع الوكالة شأنها في ذلك شأن المنظمات الدولية أثناء ممارستها لعملها في أراضي كل من الدول الأعضاء بالحصانات والامتيازات التي تمكنها من أداء وظائفها، فممتلكاتها وأموالها محصنة ضد إجراءات التفتيش والاستيلاء والمصادرة ونزع الملكية( )، ولا يجوز انتهاك حرمة أرشيفها وأوراقها، وتعفى ممتلكاتها وعملياتها من الضرائب والرسوم الجمركية، لذلك يتمتع العاملون في الوكالة بالحصانة القضائية بالنسبة للأعمال التي يقومون بها بصفاتهم الرسمية شأنهم في ذلك شأن الموظفين الدوليين الآخرين.
-أحكام العضوية.
بالرغم من أن العضوية في الوكالة الدولية مرتبطة ارتباطا وثيقا العضوية في البنك الدولي إلا أنه ليس هناك التزام على أعضاء البنك الدولي بالانضمام إلى عضوية الوكالة، فهي متاحة لجميع الدول الأعضاء في البنك الدولي وسويسرا( )، سواء كانت دولا مصدرة لرأس المال أو مستوردة له حسب ما يتضح من نص المادة 61، الفقرة ب، الخاصة بسريان الاتفاقية، و المادة 35 الخاصة بالتصويت.
مما لا شك فيه أن مبدأ عمومية العضوية وشمولها للفئتين من الدول ، يحقق فائدة مشتركة لهما، فالدول المستوردة للاستثمارات تستطيع من خلال عضويتها في الوكالة الإسهام في إدارتها ورقابتها من الداخل، كما تضمن الدول المصدرة من خلال عضوية الدول المستوردة سلوكا أفضل من جانبها تجاه الاستثمارات الأجنبية، خاصة إذا ترتب على هذه العضوية قبول التزامات معينة في معاملة الاستثمارات ( ).
هذا وقد وضعت الاتفاقية الدول المتقدمة المصدرة لرأس المال في الطائفة الأولى من الجدول أ كأعضاء أصليين في الوكالة بشرط انضمامهم للاتفاقية قبل 30-10-1987، وهي الدول الأعضاء في السوق الأوربية المشتركة: استراليا، كندا، اليابان، الولايات المتحدة الأمريكية، جنوب إفريقيا.
أما الدول المنتمية للطائفة الثانية فهي الدول النامية ومنها: الصين، الهند، و الدول العربية، ودول وسط وجنوب أمريكا اللاتينية.
كما تنص الاتفاقية على إمكانية انسحاب الأعضاء من الوكالة بعد انقضاء 03 سنوات من الانضمام إليها، وفق المادة 51 من الاتفاقية.
– عوارض العضوية:
يمكن وقف عضوية دولة ما عند الإخلال بالتزاماتها، و تظل الدولة الموقوفة محملة بكافة التزاماتها وفقا لحكام الاتفاقية خلال مدة الوقف( )، كما تتفق الوكالة والدولة التي فقدت عضويتها على الترتيبات الضرورية لتسوي المطالبات والالتزامات المتبادلة بين الطرفين، كما يجب موافقة مجلس الإدارة على تلك الترتيبات( ).
– أهداف الوكالة:
أنشأت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار بغية تشجيع تدفق الاستثمارات لغايات تطوير و إنماء البلدان النامية و لأهداف إنتاجية، و لأغراض تكون حافزا للمزيد من عمليات نقل التكنولوجيا، الذي يؤدي في النهاية و عبر الاستثمار الأجنبي المباشر إلى تنمية حقيقية مستدامة، لا تنمية زائفة، بما يعود بالنفع على جميع الدول الأعضاء، و لعل زيادة المعلومات ورفع مستوى كفاءة الخبرات المرتبطة بعملية الاستثمار تعد عاملا أساسيا لتحقيق مثل تلك الأهداف ( )، في ظل ما يهيمن على عالم التجارة الدولية ضمن إطار من المصالح، فيما يعرف بالنظام العالمي الجديد.
ولا دلالة على ذلك أكثر من محاولة الوكالة الدولية القيام بالوظائف تكون عونا لها في تحقيق أهدافها بتشجيع الاستثمارات الأجنبية عبر إعطائها تأمينات ضد المخاطر غير التجارية التي من الممكن أن تتعرضلها خاصة أن مثل هذه المخاطر تعتبر فوق توقعات الأفراد على عكس المخاطر التجارية التي تدخل دائما في الحسبان، و تخرج عن نطاق ما تصبو إليه الوكالة.
تقوم الوكالة إذن بأية أعمال من شأنها تحقيق أهدافها ومن أجل تشجيع تدفق الاستثمارات، لقد نصت الاتفاقية بوضوح على الأهداف التي تصبوا إليها الوكالة، ويتوجب على الوكالة عند قيامها بالأنشطة المتعلقة بتشجيع الاستثمار أن تستهدف باتفاقات الاستثمار المبرمة بين الدول الأعضاء، وأن تسعى لإزالة المعوقات الماثلة أمام تدفق الاستثمارات بينها، وكذلك تقوم بالتنسيق مع الهيئات الأخرى المعنية بتشجيع الاستثمار الأجنبي( )، ومن أمثلة ذلك المؤسسة الدولية لضمان الاستثمار لتحقق الهدف الرئيسي وهو تشجيع الاستثمار، وذلك بغية تلافي الازدواجية في أنشطة مؤسسات الدولية والإقليمية ولعل المادة الثانية، كانت محددة حينما تحدثت عن هدف الوكالة وأغراضها والتي نصت على أنه:”هدف الوكالة هو تشجيع تدفق الاستثمارات للأغراض الإنتاجية فيما بين الدول الأعضاء، وعلى وجه الخصوص إلى الدول النامية الأعضاء تكملة لأنشطة البنك الدولي للإنشاء والتعمير ، وشركة التمويل الدولية، ومنظمات تمويل التنمية الدولية الأخرى، وفي سبيل تحقيق هدفها تقوم الوكالة بما يلي”:
– إصدار ضمانات للاستثمارات التي تقدم لإحدى الدول الأعضاء، ضد المخاطر غير التجارية بما في ذلك التأمين المشترك وإعادة التأمين ضد هذه المخاطر.
– القيام بأوجه النشاط المكملة المناسبة التي تستهدف تدفق الاستثمارات إلى الدول النامية الأعضاء وفيما بينها.
– ممارسة أية صلاحيات ثانوية أخرى كلما كان ذلك ضروريا ومرغوبا فيه لخدمة الهدف منها.
كما تختص الوكالة أيضا وفق المادة 23 المخصصة لتشجيع الاستثمار بما يلي:
تقوم الوكالة بإجراء الأبحاث، وبالأنشطة اللازمة لتشجيع تدفق الاستثمارات ، وبنشر المعلومات المتعلقة بالفرص المتاحة للاستثمار في الدول النامية الأعضاء توخيا لتحسين الظروف المتعلقة بتدفق الاستثمار الأجنبي إلى تلك الدول ، ويجوز للوكالة بناء على طلب أي من الأعضاء أن تقوم بتقديم المشورة والمساعدات الفنية فيما يتعلق بتحسين ظروف الاستثمار في إقليم ذلك العضو ، وعلى الوكالة بصدد قيامها بتلك الأنشطة العمل على ما يلي:
-أن تستهدف باتفاقات الاستثمار ذات الصلة بين الدول الأعضاء.
-أن تسعى إلى إزالة العقبات في كل من الدول المتقدمة والدول النامية والتي تعوق تدفق الاستثمار إلى الدول النامية الأعضاء .
-أن تنسق مع الهيئات ا لأخرى المعنية بتشجيع الاستثمار الأجنبي وخاصة شركة التمويل الدولية.
كما تقوم الوكالة أيضا:
-تشجيع التسوية الودية للمنازعات بين المستثمرين والدول المضيفة.
-السعي إلى الدخول في اتفاقيات مع الدول النامية الأعضاء،وعلى الوجه الخصوص عندما تحل محل المستثمرين الذين تعوضهم عن الأضرار التي تصيبهم من جراء التعرض للمخاطر غير التجارية طبقا لعقود الضمان المبرمة وفقا للاتفاقية ( )، الدول التي يتوقع أن تكون من الدول المضيفة، تكفل للوكالة في شأن الاستثمارات التي تضمنها معاملة لا تقل تمييزا عن أفضل معاملة وافق العضو المعني لإضفائها على هيئة ضمان الاستثمار، أو دولة من دول بموجب اتفاقية تتعلق بالاستثمار، وتتعين موافقة مجلس الإدارة بالأغلبية الخاصة على هذه الاتفاقيات.
-تشجيع وحماية الاستثمار وتيسير إبرام الاتفاقيات المتعلقة بالاستثمار فيما بين الدول الأعضاء، على الوكالة أن تهتم بصورة خاصة في مجال جهودها التشجيعية بزيادة حركة الاستثمارات فيما بين الدول النامية الأعضاء.
– المخاطر التي تغطيها الوكالة:
يقتصر ضمان الوكالة للاستثمارات على المخاطر السياسية، ولقد ذكرت اتفاقية سيول أربعة أنواع من تلك المخاطر مع السماح للوكالة لتغطية أخطار أخرى تجارية، بناء على طلب مشترك من المستثمر، والدولة المستقبلة للاستثمار وموافقة مجلس إدارة الوكالة بأغلبية خاصة، حيث نصت المادة 11 من الاتفاقية على المخاطر التي يمكن تغطيتها من قبل الوكالة، ومن أهم المخاطر التي نصت عليها الاتفاقية فهي كالأتي:
 المخاطر المتعلقة بتحويل العملة:
وهي تلك المخاطر الناجمة عن فرض قيود من قبل الدولة المضيفة، والخاصة بتحويل المستثمر للعملة المحلية إلى عملية قابلة للتحويل، أو عملة أخرى مقبولة للمستفيد من الضمان، ويشمل ذلك تراخي حكومة الدولة المضيفة في الموافقة خلال فترة معقولة على طلب التحويل المقدم من المستفيد من الضمان.
ويجب أن تتوفر شرطان لصلاحية هذا الخطر للتأمين عليه من قبل الوكالة وهما:
01- أن تكون القيود المفروضة جديدة، أي تفرض بعد تاريخ عقد الضمان .
02- أن تفرض هذه القيود على العملة التي تمثل عوائد ، أي رأس المال الناجم عن الاستثمار المضمون.
وبالنسبة لعقود الضمان ضد خطر تحويل العملة المحلية إلى عملة أخرى قابلة للتحويل ، فيجب أن يذكر في العقد نوع من العملة الأخرى التي تضمن الوكالة خطر عدم قابلية تحويل العملة المحلية لها ( )..
بصفة عامة، فإن خطر تحويل العملة التي تقوم الوكالة بضمانه يشمل جميع صور القيود التي تفرضها حكومة الدول المضيفة سواء تم فرضها قانونيا أو عمليا، وكذلك القيود التي تفرضها الهيئات العامة وغيرها من الأجهزة العامة للدولة المضيفة.
كما يشمل نص المادة أيضا أحوال تراخي الدول المضيفة في الموافقة خلال فترة معقولة على طلب التحويل المقدم من المستفيد من الضمان.

 مخاطر نزع الملكية:
إن مخاطر نزع الملكية وما شابه ذلك من إجراءات ناجمة عن عمل تشريعي أو إداري أو أي عمل أو امتناع عن عمل تقوم به الهيئات الإدارية في الدول المضيفة، ويترتب عليه حرمان المستثمر من ملكية استثماراته أو من السيطرة عليها، أو من منافعها الجوهرية له.
تحدد لوائح عمل الوكالة هذه الإجراءات بأنها تشمل على سبيل المثال: التأميم- المصادرة- الحراسة الاستيلاء – الحجز- تجميد الأصول .. ، وتشير عبارة ” إجراء تشريعي أو إداري ” الواردة في نص المادة السالفة الذكر، إلى الإجراءات التي تتخذها السلطات التنفيذية، كامتناع الجهات الإدارية عن اتخاذ الإجراءات الواجبة إذا كان ذلك يشكل خرقا للالتزام القانوني مفروض على السلطات الإدارية المختصة سواء كان مصدر هذا الالتزام عقد استثمار، أو القانون الوطني للدولة المضيفة، أو القانون الدولي، ولكن هذه الإجراءات لا تشمل ما تقوم به الهيئات القضائية بصدد قيامها بوظائفها( ) .
كما تستفيد الاتفاقية من نطاق ضمانها الإجراءات ذات التطبيق العام التي تتخذها حكومة الدولة المضيفة من أجل تنظيم النشاط الاقتصادي في الدولة، ويشرط أن لا تنطوي هذه الإجراءات على تمييز يضر بالمستفيد من الضمان.
 مخاطر الإخلال بالعقد:
لقد نصت الاتفاقية على مجموعة جديدة من المخاطر، وتتمثل هذه المخاطر في قيام الدولة المضيفة بخرق التزاماتها التعاقدية مع المستثمر الأجنبي متى أقترن ذلك بإنكار العدالة في إحدى ثلاث حالات يستحق المستثمر التعويض فيها وهي كالآتي ( ):
– عدم وجود هيئة قضائية أو تحكيمية يمكن للمستثمر اللجوء إليها لمتابعة مطالبه العقدية، و إنصافه في مواجهة الدولة المضيفة.
– تأخر الهيئة عن إصدار حكم في موضوع النزاع خلال مدة معقولة وكان التأخير غير مبرر على النحو الذي يحدده عقد الضمان.
– عدم تمكن المستثمر من تنفيذ القرار أو الحكم الصادر لصالحه من الهيئة المذكورة.
وتبدو أهمية هذه المجموعة من المخاطر بشكل واضح بالنسبة للمستثمر، وذلك لأن معظم أنظمة الضمان الوطنية لا تغطيها، ومن ناحية أخرى فإن ضمان هذه المخاطر يعمل على تعزيز الثقة بعقود الاستثمار وتزيد من مصداقية الترتيبات التعاقدية بين الدولة المضيفة للاستثمار والمستثمرين الأجانب و تقوي ثقة الآخرين بأن عقدهم سوف تتم حمايته عند قيام الدولة المضيفة بمحاولة الإخلال بتلك العقود من جانبها.
 مخاطر الحرب والاضطرابات الأهلية التي تجتاح الدولة المضيفة:
يقصد بهذه المخاطر الثورات والتمرد والانقلابات، وما يماثلها من الأحداث السياسية التي تتميز بخروجها من سيطرة الحكومة المضيفة، غير أن نص الاتفاقية لا يشمل الأعمال الإرهابية والأنشطة المماثلة التي تستهدف المستفيد من الضمان بعينه، والتي يجوز تغطيتها طبقا لأحكام المادة 11 فقرة ب، وعلى كل حال يجب أن يكون الدافع من وراء هذه الاضطرابات والفتن، تحقيق أغراض سياسية وإيديولوجية لكي تكون صالحة لضمان الوكالة الدولية.
ويعني ذلك استبعاد الأضرار الناتجة عن أعمال شخصية أو انتقامية فردية من نطاق ضمان الوكالة، وبذلك تكون مؤسسات الضمان الدولية كالوكالة الدولية، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار والتي قامت بسد النقص الموجود في مؤسسات الضمان الوطنية والتي يقتصر الضمان فيها فقط على الحرب والثورات.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن الوكالة يمكن أن توسع من نطاق ضمانها لتغطية أنواع محددة من المخاطر غير التجارية ، وذلك بناء على طلب مشترك يقدمه كل المستثمر والدولة المضيفة للاستثمار ، وبشرط موافقة مجلس الإدارة بالأغلبية الخاصة ، وبشرط ألا تتعلق هذه المخاطر بالأضرار الناجمة عن إعادة العملة أو انخفاضها ، كما استبعدت الاتفاقية من نطاق الضمان كافة الخسائر الناتجة من إجراءات وأحداث وقعت قبل إبرام عقد الاستثمار أو عقد الضمان ، أو عن الإجراءات الحكومية التي سبق وأن سبق عليها المستثمر أو كان مسئولا عنها( ).
الفرع الثاني: الجهود الإقليمية.
تمثل هذه الجهود حلا وسطا بين الفشل الدولي في التوصل إلى اتفاقية دولية متعددة الأطراف بشأن وضع إطار قانوني شامل لتنظيم معاملة الاستثمارات الأجنبية، وبين المقاربة الثنائية لإبرام اتفاقيات حماية وتشجيع هذه الاستثمارات، التي تتميز بأنها تراعي مصلحة أطرافها في المقام الأول أكثر من الاهتمام بوضع الإطار المذكور.
تتم هذه الجهود الجماعية الإقليمية بين دول تتمتع بقدر كبير من التجانس من حيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والثقافية في تسهيل حركة رؤوس الأموال فيما بينها من أجل تحقيق المصلحة المشتركة وتعزيز التكامل الاقتصادي فيما بينها( ).
البند الأول: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري على مستوى دول تنتمي لتقسيم القاري.
من بين أهم هذه الاتفاقيات نذكر:
أولا : على مستوى دول تنتميلنفس القارة.
-على الصعيد الأوروبي:
بعد الحرب العالمية الثانية أفاقت أوروبا على نفسها وهي تعيش أوضاعا سيئة، فقد دمر اقتصادها نتيجة الحرب ومزقت وحدتها بين السيطرة الأمريكية على الأجزاء الغربية، والسيطرة السوفيتية على الأجزاء الشرقية، وكذلك وجدت عوائق تجارية كانت تحد من التبادل التجاري بين الدول الأوروبية الغربية، بالإضافة إلى تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية الذي أدى إلى الحد من حجم التجارة الخارجية، وبدأت أوروبا في البحث عن حلول للخروج من هذا المأزق، فوجدت أن الحل يكمن بالسير في الطريق باتجاه التكامل الاقتصادي بين البلدان الأوروبية.
وأثبت التكامل الاقتصادي الأوروبي تقدما ملحوظا خلال الخمسين عاما الماضية، وذلك بضم المزيد من الدول الأوروبية في تكتلات اقتصادية، فمثلا الجماعة الاقتصادية الأوروبية(EEC)، بدأت بست دول أعضاء والآن تحتوي على 25 دولة عضو جميعها من الدول الأوروبية، وفي عام 1948 شكلت كل من بلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا إتحادا جمركيا أطلق عليه البنلوكس (BENELUX).
وفي عام 1951 أسست دول البنلوكس الثلاث بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا جماعة الفحم والفولاذ الأوروبية، التي كانت تعتني بتنسيق الإنتاج والتوزيع وبعض الأشياء الأخرى التي تتعلق بها هاتين الصناعتين في الدول الست المذكورة، بالتوقيع على اتفاقية باريس عام1951، ولكن هذه الدول الست 06 (بلجيكا/ هولندا /لوكسمبورغ/فرنسا/ ألمانيا الغربية/إيطاليا )، قامت لاحقا بتطوير التعاون بينها إلى أبعد الحدود ، وذلك بالتوقيع على معاهدة روما عام 1957، وهي معاهدة تتعلق بتأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية والتي أصبحت تعرف باسم: السوق الأوروبية المشتركة لسنة 1956.
 اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة لسنة 1956: لقد ورد في اتفاقية روما الخاصة بإنشاء السوق الأوروبية
المشتركة ، التأكيد على تنظيم العلاقات الاقتصادية فيما بين الدول الأعضاء ، في حين لم تكن هناك مبادرة بشأن وضع قواعد تنظم الاستثمار الأجنبي بصفة مباشرة، وعموما فقد كان من أهم بنود( ) معاهدة روما لعام 1957 المتعلقة بتأسيس الجماعة الاقتصادية الأوروبية كالأتي:
– إلغاء الرسوم الجمركية ونظام الحصص بين الدول الأعضاء .
– إزالة عوائق التي تحول دون انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال بين الدول الأعضاء .
– توحيد التعريفة الجمركية التي تتعامل بها الدول الأعضاء مع العالم الخارجي، ووضع سياسة موحدة في مجال التجارة الخارجية والزراعة والنقل.
– تطبيق إجراءات تسمح بالتنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية لدول الأعضاء.
ويذكر أن دول الأعضاء في الاتحاد الأوربي، وحتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي لم تتمكن من تكوين سوق أوروبية مشتركة وموحدة على الكيفية التي خططت لها “معاهدة روما” في سنة 1957، إذ لم تكتمل الوحدة الجمركية بين الدول، كما لم يتم تحرير حركة العمل ورأس المال بين هذه الدول بالكامل ، ولذلك وضع برنامج وإجراءات قابلة للتنفيذ تؤدي إلى خلق السوق الأوروبية مشتركة وموحدة ، وتتكون السوق الأوروبية الموحدة لعام 1992 من مجموعة بنود رئيسية ولعل من أهمها:
– عدم فرض قيود جمركية وغير جمركية جديدة في مواجهة الدول الأعضاء لبعضها البعض والتفرغ لإزالة مجموعة القيود الفعلية القائمة.
– تحويل الحدود الدولية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والتي تعيق حرية حركة الأفراد والسلع والخدمات ورؤوس الأموال إلى حدود دولية موحدة ومشتركة لجميع الدول الأعضاء وتسمح بحرية مرور السلع،الخدمات وعناصر الإنتاج.
أما في مجال الاستثمارات فلم تكن المجموعة الأوروبية (الاتحاد الأوروبي) تتناول قضية الاستثمارات الأجنبية إلا بطريقة عرضية وذلك من خلال كون الدول الأعضاء طرحت القضية فيما يتعلق بتحقيق الحريات الأساسية في الاتفاقيات، وخاصة حرية تنقل الأموال، وقد ثار جدال وتساؤل حول علاقة الفصل الرابع بمدى إلغاء أو ترك التنظيمات الوطنية المتعلقة بإنشاء الاستثمارات وتصفيتها، وتحدد اللجنة الأوروبية ثلاث ميادين للتنظيم الدولي للاستثمارات وهي:
– قبولالاستثمارات(Admission).
– المعاملة الوطنية للاستثمارات الأجنبية.
– والإجراءات التي تتضمن احترام التزامات اتجاه المستثمرين وهذا ما بجسد نظرة مشمولة ( Globalisation)، من حيث عدد المشاركين ومن حيث الدلالة.
إن اللجنة الأوروبية بصدد الدراسة الشاملة، ترى أن الأمر لا يتعلق بالبحث عن حل لمشكلة الاتحاد الأوروبي، أو لمشكل ما بين دول الأعضاء بل تتعلق بالتفاوض حول حل لمشكلة شاملة تهم كافة الدول على حد سواء، وهي مشكلة تنظيم الاستثمارات الدولية بأوجهها المتعددة، التي من بينها إنشاء والتصفية والمعاملة والعلاقة بين حرية الاستثمار، وحرية التجارة والمنافسة وحل النزاعات، أي أن الأمر يتعلق بكامل النظام القانوني للاستثمارات، ومدى وجود قواعد دولية موحدة ومنظمة لها .
 منظمة التجارة الحرة الأوروبية (EFTA) لسنة 1960: تأسست منظمة التجارة الحرة الأوروبية عام 1960،
من سبع دول أوروبية غربية وهي (المملكة المتحدة – النمسا – الدانمارك – النرويج – البرتغال – السويد – سويسرا)، وانضمت فنلندا إلى هذه المنظمة كعضو مزامل (ASSOCIATE – MEMBER) لا يتمتع بكامل الحقوق والامتيازات عام1961، وقد حققت إيفتا تجارة حرة في مجال البضائع الصناعية 1967، ولكنها اتخذت قليلا من التدابير الاحتياطية الخاصة بخفض العوائق على تجارة المنتجات الزراعية، ولقد احتفظت كل دولة بنظامها الخاص ضد العوائق التجارية اتجاه الدول غير الأعضاء في ايفتا (EFTA)، مما أدى إلى انحرافات تجارية (TRADE-DEFFECTIONS) بين الدول الأعضاء( ).
وهذا يشير إلى دخول البضائع المستوردة من بقية دول العالم إلى الدولة العضو ذات التعريفة الجمركية المنخفضة في إيفتا (EFTA)، وذلك لتجنب دفع الرسوم الجمركية المرتفعة التي تفرضها الدول الأعضاء الأخرى ويتطلب مقاومة انحراف التجارة التحقق من البلد المنشأ التي تصنع فيه السلع المستوردة، والبلد الأخير الذي تصل إليه هذه السلع وبطبيعة الحال فإن هذه المشكلة لا تكاد تظهر في الإتحادالجمركي، لأن الدول الأعضاء في الإتحاد تفرض ضريبة موحدة خارجية على الواردات من العالم الخارجي تجنبا لحدوث الازدواج الضريبي .
وهذا كله يعطي دفعا قويا نحو نمو الاستثمارات الأجنبية وتدفقها، وبالتالي تسهيل حركة انتقالها فيما بين الدول الأعضاء والعالم الخارجي. وفي سنة 1970 انضمت “أيسلندا” مع انسحاب “المملكة المتحدة” و”الدانمارك” عام 1973، لتصبح “فنلندا” دولة دائمة كعضو كامل العضوية سنة 1986.
وفي سنة 1991، كانت الإيفتا (EFTA) تظم سبع دول أعضاء وهي: “النمسا- فنلندا- أيسلندا- لايجبستنسيتن- النرويج – السويد – سويسرا ” ، ويقع مركزها الرئيسي في جنيف، وقد عملت هذه المنظمة (EFTA) على توحيد التعريفة الجمركية والسماح بحركة حرة لمعظم السلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال ، وهو ما أدى في الأخير إلى إعطاء نوع من شبه المعاملة التنظيمية للاستثمار .
-على الصعيد الإفريقي:
إن من أبرز الاتفاقيات التي حضيت من قبل التنظيمات الإقليمية الإفريقية نجد:
 اتفاقيات المعونة المتبادلة وضمان القروض: والتي قامت بإبرامها المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا ( )،
والتي تمت على مستوى وسط إفريقيا وذلك بتاريخ 09-06-1966 عن طريق مجموعة من الدول إفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية وهي : “ساحل العاج- فولتا العليا- داهومي – النيجر- الطوغو”، بإبرام اتفاقية أيبجان عام 1973 تم بموجبها إنشاء هيئة دولية عامة تمثلت في “صندوق المعونة المتبادلة وضمان القروض” مقرها أبيجان.( )
وتعتبر هذه الاتفاقية صورة من صور اتفاقيات الجماعية الإقليمية لرؤوس الأموال الأجنبية، وقد جاء في ديباجتها :”أنه ورغبة في منح أقصى قدر من الضمان والأمان للرساميل الأجنبية المستثمرة في إقليم هذه البلدان، تنشأ هيئة دولية عامة مقرها أبيجان وتعرف بصندوق المعونة المتبادلة وضمان القروض “.
حيث تقوم الهيئة المذكورة بضمان القروض الأجنبية التي تحصل عليها الدول الأعضاء وهيئاتها العامة أو المشروعات الخاصة التي يكون مركزها القانوني ونشاطها الأساسي في أقاليم الدول الأعضاء ، شريطة أنتكون الأموال محل الضمان مخصصة لتمويل المشاريع الاقتصادية المنتجة ، والتي تساهم في بناء الأسس الاقتصادية للدول المتعاقدة ، وتتشكل موارد الصندوق المخصصة لضمان القروض من مساهمات الدول الأعضاء وعائدات استثماراته المالية ، والعملات التي يحصل عليها من عمليات الضمان التي يقوم بها والمنح والإعانات ، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الصندوق تلقى إعانة من صندوق المعونة والتعاون الفرنسي بقيمة 100 مليون فرنك فرنسي( ).
 اتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد المغرب العربي: تم إبرام هذه الاتفاقيـة تطبيقا لنص
المادة 03- فقرة 03 من “معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي” المبرمة في 17-02-1989، وتهدف هذه الاتفاقية حسب نص المادة الأولى منها: ” تشجيع انتقال رؤوس الأموال المملوكة لمواطني الاتحاد بين الدول الأعضاء، التي تتعهد بتمكين المستثمر من الحصول على التسهيلات والضمانات المقررة بموجب هذه الاتفاقية على أساس المعاملة المنصفة والعادلة ( )”.
وتعتبر تجربة إنشاء اتحاد المغرب العربي النموذج العملي لدراسة الأسس الخاصة للاستثمارات الأجنبية في إطار الاتفاقيات الجهوية متعددة الأطراف، حيث بدأت هذه التجربة بالتوقيع على معاهدة الإنشاء بمراكش بتاريخ: 08-02-1989، وقد قامت هذه الاتفاقية بتنظيم الاستثمار الأجنبي من خلال:
– توقيع اتفاقية منع الازدواج الضريبي المؤرخة في 23-07-1990، والتي لها أهمية خاصة على الاستثمارات الأجنبية الخاصة بين الدول الأعضاء ، بحيث يعفى المستثمر من أداء الضريبة في البلد المضيف متى أداها في البلد المصدر.
– توقيع اتفاقية جمركية حول إلغاء الرسوم الجمركية على البضائع المحددة في الاتفاقية المؤرخة في09-03-1991.
– إنشاء منظمة حـرة للتبادل قبل تاريخ جانفي 1992.
– إنشاء وحـدة جمـركية قبل تاريـخ جانفي 1995.
– إنشاء وحدة اقتصادية مندمجة كليا قبل جانفي 2000.
إلا أن أهم الاتفاقيات التي لها علاقة مباشرة بالاستثمارات المتبادلة تتمثل في اتفاقية تشجيع وضمان الاستثمار بين دول الاتحاد الموقعة في الجزائر بتاريخ 23- 06- 1990، والمصادق عليها من قبل الدولة الجزائرية بموجب المرسوم الرئاسي رقم90/420 المؤرخ في 22-12-1990.
وتقوم هذه الاتفاقية على الأسس التالية( ):
– الاعتماد على معيار الجنسية في منح ضمانات الاستثمار حيث يستفيد منها بالخصوص المواطن الحامل لجنسية أحد الأطراف المتعاقدة.
– حرية الاستثمار كما نص عليها الفصل الثاني من الاتفاقية بحيث يلتزم العضو المتعاقد لتشجيع انتقال رؤوس الأموال المملوكة لمواطني الدول الأخرى ويشجع على استثمارها بكل حرية في كافة المجالات غير الممنوعة على مواطني البلد المضيف.
– المعاملة المنصفة والعادلة للمستثمر المنتمي إلى إحدى الدول المتعاقدة.
ويذكر أنه قد ظهرت بعض المحاولات الضعيفة جدا في إطار بعض المنظمات الإقليمية الإفريقية، والتي لم ترى النور وتتمثل في:
– جماعة شرق إفريقيا الاقتصادية التي تأسست في 1967 من كينيا، تنزانيا، أوغندا، حيث انهارت هذه المنظمة عام 1977.
– منظمة التجارة التفضيلية لشرق وجنوب إفريقيا وتضم 19 عضوا، تمتد من السودان شمالا إلى لموزنبيق جنوبا، وأنشأت عام 1981، وقد جاءت هذه المنظمة بغية وضع برنامج لتأسيس اتحاد جمركي قبل نهاية العقد.
-على الصعيد الأمريكي:
وتنقسم أهم الاتفاقيات الإقليمية على الصعيد الأمريكي إلى قسمين:
 على مستوى أمريكا اللاتينية (تقنين الأنديين):قامت مجموعة من دول أمريكا اللاتينية كـ”بوليفيا، الشيلي، كولومبيا، الإكوادور”، بغية تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها، ومحاولة الشركات متعددة الجنسيات بأقاليمها، فأصدرت بهدف تحقيق ذلك تقنينا لتنظيم الاستثمارات الأجنبية، عرف باسم تقنين مجموعة الأنديين (ANDEAN).
ولقد تناول ذلك التقنين كل المسائل التي تطرحها الشركات المتعددة الجنسيات، حيث يندرج هذا التقنين في إطار سياسة التكامل الإقليمي للبلدان المذكورة، الهادفة إلى الحد من النفوذ الأجنبي، وجعل الاستثمارات الأجنبية تساهم بفعالية في دفع عجلة التنمية الاقتصادية لتلك البلدان، وبذلك تجسدت أهداف( ) التقنين المذكور فيما يلي:
– تحويل المشاركة الأجنبية في المشاريع الاستثمارية إلى أقليـة.
– إبعاد الاستثمارات الأجنبية عن القطاعات الحيوية للاقتصاد.
– تنمية التكنولوجيا الوطنية لتحل محل التكنولوجيا الأجنبيـة.
وتتجلى الخطوط العريضة التي جاء بها تقنين مجموعة الأنديين فيما يلي( ):
 معاملة الاستثمارات الأجنبية:
يميز تقنين أندين في مجال معاملة الاستثمارات الأجنبية بين نوعين منها : الاستثمارات القائمة والاستثمارات الجديدة.
 فيما يخص الاستثمارات القائمة: يهدف التقنين المذكور إلى جملة من الأهداف:
– تخفيض المساهمة الأجنبية في القطاعات الاقتصادية الحيوية بغية تكريس اضمحلال التبعية الاقتصادية ، وتحقيق الهدف المنشود المتمثل في السيادة الوطنية.
– السماح بنسبة كبيرة للمساهمة الأجنبية في القطاعات الأخرى غير الحيوية ، شريطة استمرارها بشرط تنازل عن المزايا الممنوحة لها، والتي لا تتمتع بها الاستثمارات المحلية وتحدد التنظيم القطاعات التي يجب نقل المساهمة فيها إلى 20% قبل 01-07-1979، وهي القطاعات التجارة الداخلية بالجملة، والاتصالات والمواصلات الداخلية،كما يمكن للدول إضافة قطاعات أخرى ترى فيها من شأن المحافظة على سيادتها الوطنية أن يتحول فيها رأس المال الأجنبي إلى أقلية .
– تنظيم البنوك التجارية الأجنبية من خلال النص على وجوب وصول نسبة المشاركة الأجنبية خلال السنوات الثلاث التالية لسريان التقنين إلى أقل من 20% وإلا فقدت الشركة حق تلقي الودائع المحلية.
 فيما يخص الاستثمارات الجديدة: لقد تم تحديد المجالات المفتوحة أمامها،حيث تضمن التقنين التزاما يقع على
عاتق المستثمر الأجنبي، يتم من خلاله التوقيع على اتفاق التنازل التدريجي، حيث حصر الاستثمار في خمسة 05 قطاعات حيوية: التجارة الداخلية – الخدمات العمومية(كالنقل الداخلي ،المياه ، الكهرباء ،الصحة..) – قطاع الاتصالات- قطاع الخدمات المالية(كالتأمين- البنوك -…) – المنتجات الأخرى التي يكون تصنيعها مقتصرا على “بوليفيا والإكوادور”.
نلاحظ هنا عدم ضم قطاع استغلال الثروات الطبيعية إلى القطاعات المحظورة على الاستثمارات الأجنبية، من خلال وضع قيد على الشركة التي تريد الاستثمار في هذا المجال أو القطاع لتخلي عن الامتيازات المحصل عليها، غير أن للدول حرية عدم تطبيق تلك الأحكام.
هذا وتعمل الشركات الأجنبية في قطاع المحروقات حسب شروط هي أن يسمح بالاستثمار حتى 01 -07-1981، وأن يكون في إطار عقود امتياز البترول والغاز المبرمة لمدة 20سنة، مع السعي إلى إشراك المشروعات العامة في الامتيازات، كما أنه يمكن منع الاستثمار الأجنبي في تلك المجالات وقصرها علىالشركات المحلية أو المشتركة التي تعرف بالاتفاق الثنائي المشترك ( )، أو على أن يتم تحويله للقطاع العام بقرار من اللجنة المختصة أو من طرف الدولة العضو في التقنيين.
 مراعاة الطبيعة الاقتصادية للنشاط محل التنظيم:
لقد احتوى تقنين الأنديين على بعض المرونة مثل إعطاء الدول الأعضاء أو اللجنة إمكانية منح استثناءات فيما يتعلق بالتنازل التدريجي مثلا، أو فيما يتعلق بالقطاعات غير المفتوحة لرأس المال الأجنبي، أو القطاعات المسموح مشاركة رأس المال الأجنبي فيها ، على أن تخضع تلك الاستثناءات لشرط الحصول على مقابل مثل التخلي عن مزايا سبق منحها للشركة أو وجود ضرورة ملحة للشراكة الأجنبية.
وبغية إضفاء آلية المراقبة فقد تم إقامة مكاتب للرقابة وكذا وضع مجموعة من القواعد التي توجه الاستثمارات الأجنبية من خلال الحصول على التراخيص في المجال المفتوحة فيها، وكذا وضع قواعد تتعلق بإعادة تصدير رؤوس الاموال إلى الخارج، وما يتعلق بالاستدانة.
وتكمن الطبيعة القانونية للتقنين في كونه يتميز بأنه قرار ملزما للدول الأعضاء قرارا تنظيميا المترتب عن السلطة التنظيمية للمنظمة الدولية ، ورغم الطبيعة الإلزامية للتقنين إلا أن ذلك لم يمنع من مواجهة صعوبات حول تطبيقه.
 نقل التكنولوجيا:
لقد فرض تقنين أندين بصدد عمليات نقل التكنولوجيا ، مجموعة من القيود في مجال : التراخيص ورسوم الابتكار والعلامات ، حيث أوكل مهمة تنظيم تلك العمليات إلى مكاتب الرقابة ، وذلك بالحصول مشاريع الاستثمار على الموافقة المبدئية من تلك المكاتب أو الحصول على التراخيص .
وعموما لا يتم الترخيص باتفاقيات نقل التكنولوجيا إذا كانت تتضمن شروطا يتم بموجبها خلق ارتباط دائم بالمنتجات الأجنبية أو توريد خدمات أجنبية، كما يمنع اشتراط استثناءات على القيود المتعلقة بتصدير المنتجات التي يشملها الترخيص أو ما شابهها.
ونفس الشيء بالنسبة لحق الشركات المرخص لها بتحديد سعر البيع أو إعادة البيع ، والنفقات المتعلقة بالحقوق الخاصة بالعلامات والبراءات غير المستخدمة، أو بإخضاع النزاعات للقضاء الأجنبي للدولة المصدرة للتكنولوجيا ،كما يحظر التقنين استخدام التكنولوجيا المنافسة .
كما يلح التقنين للدول الأعضاء بضرورة رفع مستوى التكنولوجيا المحلية ، بحيث يخول اللجنة وضع برنامج محدد يهدف إلى تجميع مصادر التكنولوجيا الدول الأعضاء ، والاستفادة من الاستثمارات التي تجري في مراكز البحث الوطنية والمشتركة ، كما تم العمل على وضع قانون لحماية الملكية الصناعية .
 تنظيم الشركات المتعددة الجنسيات المنتسبة للدول الأعضاء ذاتها:
أصدر التقنين قرار رقم 46 المؤرخ في: 1971 والمعدل في سنة 1982بالقرار رقم 169 والخاص بتنظيم الشركات المتعددة الجنسيات الجهوية والمتمثلة فيما يلي( ):
– أن يكون تأسيس تلك الشركات من طرف مواطني دول مجموعة الأنديين وبمساهمة 60 % على الأقل من طرف رعايا دولتين أو أكثر من دول المجموعة، وهي نسبة رفعها القرار رقم 169 لسنة 1982 إلى 80 % على أن يبقى للدول مقر الشركة تحديد الحدين الأعلى والأدنى لنسبة المشاركة الأجنبية في النسبة المتبقية .
– يجب منح المعاملة الوطنية لتلك الشركات في ميدان معدلات الائتمان وإعادة الاستثمار وتصدير الأرباح، وكل المزايا الأخرى المقررة في نطاق مجموعة الأنديين، إضافة إلى عدم خضوع تلك الشركات للقواعد المتعلقة بالتنازل التدريجي التي تخضع لها الشركات الأجنبية .
– يجب أن يظهر دور المساهمة الإقليمية في التوجيهات المالية والإدارية والتجارية والفنية لتلك الشركات.
– يجب أن يكون هدف تلك الشركات تحقيق التكامل الاقتصادي والتنمية بين الدول الأعضاء ، مع العمل على تنسيق برامجها مع مخطط التنمية في البلدان الأعضاء.

– على مستوى أمريكا الشمالية (اتفاقية التجارة الحرة في أمريكا الشمالية “NAFTA”) :
بدأت فكرة النافتا – وتعني اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية- بالظهور في عهد “الرئيس جورج بوش الأب” الذي تميز اقتصاده بالركود، وأخذت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث عن حل للخروج من حالة الركود الاقتصادي إلى حالة الانتعاش، فوجدت أن الحل يكمن في تشجيع التجارة الدولية باعتبارها الإلية التي تحرك النمو الاقتصادي وزيادة الاستثمار، وعملا بذلك فكرت الولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء اتفاقية للتجارة الحرة بينها وبين دولة كندا والمكسيك.
وبالرغم من أن وجود فكرة اتفاقية تتعلق بتجارة السيارات الحرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا منذ عام 1965 ، إلا أن البلدين لم تتمكنا من التوصل إلى اتفاقية حرة شاملة وعلى المستوى الاقتصاد القومي كله والاستثمارات خاصة إلا في عام 1988، حيث تم التفاوض والاتفاق على اتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية “NAFTA”،والتي بدأ سريان مفعولها في 01-01-1994، حيث قامت هذه الاتفاقية على إزالة الضرائب بين الدول الثلاث الأعضاء على مدى 15عاما، وفي نفس الوقت قامت بتخفيض العوائق غير الضريبية.
وفي مجال الاستثمار ( )، قامت اتفاقية “NAFTA” بإلغاء القوانينالاكتفاء المحلي المكسيكية ، وتم السماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في المكسيك ، ولأول مرة لقيت الشركات الأمريكية نفس المعاملة التي تلقتها الشركات المكسيكية ، أي العمل بمبدأ أو قاعدة المعاملة الوطنية للاستثمارات الأجنبية ، وقد وافقت المكسيك على إلغاء شروط التصدير التي ترغم الشركات على التصدير كشرط لسماح لها بالاستثمار .
وقد ظهرت محاولات إقليمية أخرى على الصعيد الأمريكي، إلا أنها باءت كلها بالفشل ونخص بالذكر:
-السوق المركزية لأمريكا الوسطى “CACM”:حيث قام بتأسيس هذه السوق مجموعة من الدول عام 1960 وهي (كوستاريكا– السلفادور-جواتيمالا- هندوراس -نيكاراغوا)، وقد حلت هذه السوق في عام 1965، ثم أعيد تكوينها عام 1990.
-منظمة التجارة الحرة لدول أمريكا اللاتينية “LAFTA”:أسست هذه المنظمة بواسطة المكسيك ومجموعة من الدول اللاتينية حيث يضم كل من الدول التالية:(بوليفيا، الإكوادور، الشيلي، كولومبيا، لبيرو، فنزويلا)، حث كانت تسعى هذه الدول إلى تحقيق تكامل اقتصادي بينها، وإنشاء سوق مشتركة إلا أنه في عام 1980 حلت محله منظمة التكامل الأمريكي”LAIA”.
-السوق المشتركة للمخروط الجنوبي(MERCOSUR): تشكلت هذه السوق من دول الأرجنتين والبرازيل ولباراغواي ولأورغواي في عام 1990، حيث أنشأت اتحاد جمركي عام 1995، وانضمت إليها بوليفيا والشيلي عام 1996.
-على الصعيد الأسيوي:
تتعدد أشكال المنظمات الإقليمية في أسيا، والتي سعت إلى محاولة تكوين اندماج اقتصادي بينها وتسهيل حرية حركة انتقال رؤوس الأموال بينها، ولكن سنركز تناولنا هنا فقط على منظمة إقليمية برزت على الصعيد الأسيوي وهي رابطة جنوب شرقي أسيا (الآسيان).
 رابطة جنوب شرقي أسيا(الآسيان):ارتبطت نشأة رابطة الآسيان بمجموعة متغيرات إقليمية وعالمية شاهدتها
منطقة جنوب شرق أسيا في الستينات، كان أبرزها ظهور التكتلات الاقتصادية العملاقة وبداية ظهور دول جنوب شرق أسيا كقوة اقتصادية متنامية تسعى لإيجاد دور لها على الساحة العالمية، ومنافسة التكتلات الاقتصادية الأخرى مثل الاتحاد الأوروبي، وبالرغم من أن بداية الرابطة كانت اقتصادية بحتة إلا أنها شكلت تقدما ملحوظا حيث جاءت أهداف ومبادئ الرابطة معبرة على هذا الاندماج – الجانب الاقتصادي – .
وقد جاءت البداية من خلال التوقيع على المعاهدة الخاصة بإنشاء رابطة أمم جنوب شرقي أسيا(الآسيان) في أغسطس 1967، كتجمع اقتصادي لمواجهة التهديد الشيوعي في جنوب شرقي أسيا (والذي مثلته بصفة رئيسية فيتنام في ذلك الوقت)، حيث ضمت الدول المؤسسة كل من (اندونيسيا – ماليزيا – الفلبين- سنغافورة – تايلندا- )، وانضمت إليهم سلطنة بروناي عام 1984، وفيتنام عام 1995، ولاوس وميانمار عام 1997، وكمبوديا عام 1999، وقد ظلت الآسيان منظمة إقليمية محدودة الفعالية إلى أن أخذت طريقها الجدي نحو تحقيق مزيد من الفاعلية على المستويين الإقليمي والدولي، وهو ما تحقق في “اجتماع بالي باندونيسيا” عام 1976 بحضور رؤساء الدول وحكومات الدول الخمس المؤسسة، وفي الاجتماع الثاني في “كوالالامبور” عام 1977 حيث شكل هذان الاجتماعان نقطة تحول في تاريخ الرابطة.
ومع بداية التسعينيات اتجهت الرابطة إلى إنشاء شبكة هائلة من المؤسسات، فضلا عن تدعيم العلاقات الاقتصادية والثقافية على النحو الذي جعلها أكبر أقاليم العالم الثالث ازدهارا .
ففي 28 يناير 1992 تم التوقيع على “إعلان سنغافورة” لإنشاء منطقة التجارة الحرة لدول الآسيان، بهدف الوصول بالتعريفة الجمركية إلى صفر في المائة 00%، وحددت أهدافها بحيث تشمل تحرير التجارة في منطقة الآسيان، وصولا إلى إسقاط الحواجز الجمركية، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتكييف الرابطة مع الأوضاع الاقتصادية الدولية، وقد كان الموعد المحدد للانتهاء من هذه الخطوات عام 2003، إلا أنه في اجتماع وزراء اقتصاد الدول الأعضاء في 28أفريل1995 تم الاتفاق على الإسراع بتخفيض الرسومالجمركية بهدف إنشاء منطقة التجارة الحرة قبل عام 2003، وهو ما تحقق في 24 نوفمبر 2000، بتوقيع “اتفاقية الجات”، وبموجب هذه الاتفاقية ستعمل الرابطة على إزالة جميع الرسوم الجمركية على السلع التقنية، وتطوير اتصالات الانترنت السريعة للغاية، وزيادة تدفق رؤوس الأموال الأجنبية فيما بين الدول الأعضاء، والعمل على إزالة كافة القيود التي تعترض سبيل تطور ونمو الاستثمارات الأجنبية، كما هو الحال بإلغاء الازدواج الضريبي.
-على مستوى دول لا تنتمي لنفس القارة:
 التنظيم الإقليمي الأفريقي الأوروبي للاستثمارات الأجنبية: لقد ظهرت مجموعة من الاتفاقيات الأفريقية
الأوروبية في إطار محور الجهود الجماعية الإقليمية المتعددة الأطراف ويذكر أن هذه المحاولات لم تتم على مستوى القارة ذاتها وإنما ظهرت بالاتحاد جهود دول مختلفة من قارات مختلفة ، ولقد ورد في القسم الرابع من اتفاقية روما الخاصة بإنشاء السوق الأوروبية المشتركة ، التأكيد على تنظيم العلاقة بين السوق المشتركة وبين الدول النامية ما وراء البحار ، مما يعني أن الاتفاقية الأفريقية الأوروبية جاءت كتجسيد لاتفاقية روما ، ويرتكز العمل التنظيمي فيها على أساس إطلاق حرية تنقل رؤوس الأموال والأشخاص فيما بين الجانبين مع منح تسهيلات تجارية وجمركية للسلع الواردة من الدول النامية المعنية دون المعاملة بالمثل.
وتعتبر اتفاقية ياوندي واتفاقية لومي الإطار التنظيمي لهذه العلاقة الإقليمية المتعددة الأطراف.
-الاتفاقية ياوندي: وقد مرت على مرحلتين هما:
 الاتفاقية الأولى: أبرمت عام 1963 بياواندا عاصمة الكاميرون بين منظمة السوق الأوروبية المشتركة و18
دولة نامية، من بينها 17 دولة إفريقية ومدغشقر، وعرفت باسم اتفاقية ياوندا .
 الاتفاقية الثانية: أبرمت عام 1969، وانضمت بموجبها ثلاث دول وهي: كينيا ، أوغندا ، تنزانيا ، وعرفت
باتفاقية اروشا، وفي عام 1975 وبعد مفاوضات شاقة شاركت فيها منظمة الوحدة الإفريقية انتهى إلى تنازل السوق الأوروبية المشتركة عن بعض الشروط خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الزراعية، وكذلك التفضيلات المطبقة بين انجلترا ودول الكومنولث.
اتفاقية لومي: تم إبرام هذه الاتفاقية بين السوق الأوروبية المشتركة وبين 46 دولة نامية من إفريقيا والبحر الكاريبي والمحيط الهادي والمحيط الهندي، وقد دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في بداية سنة 1976، وفي أكتوبر سنة 1979 جددت الاتفاقية لفترة 05 سنوات وعرفت باتفاقية لومي الثانية، وما تميزت به اتفاقية لومي الثانية عن سابقاتها هو إنشائها لصندوق موازنة أسعار التصدير (STABEX)، الذي يقضي بالتزام دول السوق بتعويض الدول النامية عن الأضرار التي تتعرض لها صادراتها من جراء انخفاض معدلات أسعار تلك الصادرات، وقد خصص لذلك مبلغ 375 مليون وحدة أوروبية خلال سريان مدة الاتفاقية التي حددت ب خمسة 5 أعوام. ( )
أن ما يميز هذه الاتفاقيات في مجال الاستثمارات الأجنبية أنها عملت بمبدأ حرية تنقل رؤوس الأموال والأشخاص والتمويل عن طريق القروض التي يقدمها بنك الاستثمار الأوروبي وصندوق التنمية الأوروبي( ).
وبعد بروز ظروف دولية جديدة من خلال انتشار حركات التحرر في معظم الدول النامية، وبالأخص في إفريقيا وأسيا، ونظرا للمزايا الاقتصادية التي حققتها السوق الأوروبية المشتركة كان لها صدى واسعأكسبها الخبرة التي مكنتها من السعي نحو توسيع النطاق الجغرافي للدول المنتسبة للسوق من خلال فتح المجال للانضمام دول أخرى، وهو ما حدث بالفعل في نهاية السبعينات، حيث بلغ عدد الدول المنتسبة 74 دولة خلال اتفاقية لومي الثالثة ( )، ومن بين الدول النامية التي كانت تحظى بثقل وتمركز كبير في علاقاتها المالية والتجارية مع المجموعة الأوروبية هي: (نيجيريا- زائير- زامبيا – الكاميرون- الغابون- ليبيريا- وجزر القمر) ، وتتراوح النسبة التي تحصل عليها هذه الدول بين 60-70%، حيث انفردت نيجيريا لوحدها ب 30% .
 التنظيم الإقليمي العربي الأوروبي للاستثمارات الأجنبية:
لقد ارتكزت أسس العلاقة بين الدول الأوروبية والعربية في مجال تنظيم الاستثمار على المستوى الإقليمي المتعدد الأطراف من خلال إبرام مشروع اتفاقية خاصة بحماية وتشجيع المتبادلة فيما بينهما ويقوم مشروع الاتفاقية على مبدأ الحماية ضد المخاطر غير التجارية، وقد نصت المادة 12 منها على:” إذا تعرضت استثمارات شركات أو مواطني إحدى الدول المجموعتين العربية والأوروبية لدى دولة من دول المجموعة الأخرى لخسائر ناجمة عن الحرب أو أي عمل عسكري أخر ، أو نتيجة لاضطرابات الأهلية العامة كالثورات والانقلابات والفتن وأعمال العنف ذات الطابع العام يكون لها نفس الأثر، فإن الدولة المضيفة للاستثمارات التي لحقها الضرر تلتزم بالتعويضات المناسبة في حدود المعاملة التي تتلقاها شركاته أو مواطنوها ممن قد يصيبهم أضرار مماثلة أو في حدود المعاملة التي تتلقاها شركات ومواطنو دولة من الغير، أيهما أفضل “( ) .
ويتجلى الإطار القانوني لمشروع هذه الاتفاقية فيما يلي :
-اعترافه بمبدأ سيادة الدولة على إقليمها من خلال إقراره لحق اتخاذ أي إجراء تراه الدولة المضيفة ضروريا ، حتى وإن كان التعامل الدولي وقواعد القانون الدولي العرفي يلزمان الدولة التي تتخذ مثل هذه الإجراءات أن تراعي في ذلك القواعد التي وضعتها الأعراف الدولية في مجال أخذ ملكية الأموال الأجنبية، مثل مبدأ المساواة وعدم التمييز بين الاستثمارات المؤممة أو المنزوعة، وعليه إن مشروع الاتفاقيات العربية الأوروبية لحماية وتشجيع الاستثمار، لم يمنع الدول الأعضاء من اتخاذها لإجراء من إجراءات التأميم أو نزع الملكية، أو ما شابه ذلك إزاء الاستثمار الأجنبي المتواجد على إقليمها تحقيقا للمصلحة العامة، شريطة الالتزام بالتعويض .
– يقوم مشروع الاتفاقية على شروط وقيود أخذ الملكية، وهو ما تضمنته المادة 3 -الفقرة الثانية التي نصت على أنه: “ليس لأي طرف أن يتخذ تدابير تحرم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أحد مواطني الطرف الأخر من ممتلكاته ما لم يستوفي الشروط التالية:
– أن تكون التدابير المتخذة تستهدف الصالح العام وبموجب القانون – ألا تتصف التدابير المتخذة بالتمييز بين المستثمرين- أن تتضمن التدابير المتخذة النص على دفع تعويض عادل ، حيث يمثل هذا التعويض القيمةالحقيقية للممتلكات ويجب دفعه دون تأخير وبالكيفية التي يكون فيها مؤثرا وفعالا للمواطن الذي يستحقه( )”.
– استبعاد أعمال العنف الفردية ، والاضطرابات الداخلية التي تحدث داخل المشروع أو بسبب العاملين فيه ، وقد ميز مشروع الاتفاقية بين الأضرار الناجمة عن عنف سياسي وبين الأضرار التي يكون مصدرها عنف مبني على مطالب مهنية أو تجارية ، فهذه الأخيرة لا تعد من قبل المخاطر السياسية ، وبالتالي لا تحظى بالحماية وفقا لمشروع الاتفاقية .
– يختلف التعويض حسب مشروع الاتفاقية باختلاف نوع وطبيعة المخاطر:
– بالنسبة للمخاطر الحروب والثورات، فقد اكتفى مشروع الاتفاقية بتطبيق مبدأ التعويض وفقا لما يقره قانون الدولة المضيفة، وشرط الدولة الأولى بالرعاية ، بحيث يتم التعويض على أساس مبدأ الحد الأدنى من المعاملة.
– أما المخاطر المتعلقة بالتأميم ونزع الملكية والاستيلاء، أو أي إجراء مشابه تتخذه الدولة المضيفة يكون التعويض فيها مساويا للقيمة الفعلية للاستثمار وعائداته، وبالعملة التي تم الاستثمار بها أو بعملة يرتضيها المستثمر.
وعليه فمشروع الاتفاقية تركت السلطة التقديرية للدولة المضيفة، ولتنظيمها الداخلي في التعويض عن الأضرار الناجمة عن مخاطر الحرب والثورات، وغيرها من المخاطر التي لا ترتبط في وقوعها بفعل إرادة السلطة العامة للدولة، في حين حدد كيفيات التعويض وشروطه بالنسبة للمخاطر الناتجة على الإرادة المباشرة لسلطات الدولة، كالتأميم ونزع الملكية والاستيلاء، وغيرها من صور إجراءات أخذ ملكية المال الأجنبي.
البند الثاني: محاولات تنظيم النشاط الاستثماري في إطار دول لا تخضع للتقسيم القاري.
-على المستوى العربي:
لقد خاضت الدول العربية تجربة الاتفاقيات الإقليمية متعددة الأطراف في مجال حماية وتشجيع الاستثمارات العربية ، وتأتي الاتفاقية( ) الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية في طليعة هذه الاتفاقيات من حيث موضوعها كإطار عام لتنظيم. الاستثمار بين الدول العربية كدول مصدرةلرؤوس الأموال، ودول مستوردة له، كما ظهرت من قبل اتفاقية تشجيع رؤوس الأموال العربية وانتقالها بين الدول العربية سنة 1970، وقد تمخض عن ذلك إنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي تم توقيعها في 02-05-1971 ( ).
 اتفاقية إنشاء المؤسسة العربية لضمان الاستثمار لسنة 1971: إذا كانت المحاولات والجهود الدولية الإقليمية
التي بذلت في بداية النصف الثاني من القرن العشرين لإنشاء جهاز دولي لضمان الاستثمارات الأجنبية ، لم يكتب لها النجاح ( )، فقد نجحت على النطاق الإقليمي العربي، حيث أسفرت المحاولات العديدة عن ميلاد المؤسسة العربية لضمان الاستثمار1971، والتي تعد أول نموذج إقليمي لهيئات الضمان الدولية في العالم المعاصر .
وقد تم الإعداد لمشروع الاتفاقية المنشئة لهذه المؤسسة من قبل الصندوق الكويتي للتنمية العربية في عام 1968، وذلك بعد أن أقره مؤتمر خبراء التمويل العرب في يونيو 1970، وتم التوقيع على الاتفاقية في 03 مايو 1971 في الكويت من قبل خمس دول عربية وهي (الأردن- السودان- الكويت- سوريا – مصر) ، ثم توالت التوقيعات عليها حتى أصبح عدد الدول العربية الموقعة عليها الآن 22 دولة عربية، لتصبح الاتفاقية نافذة بمجرد أن صادقت عليها خمس دول عربية اكتتبت في %60 من رأس المال المؤسسة ( ).
وتعد المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أول مؤسسة ضمان إقليمية دولية في العالم تخضع للقانون الدولي، وتقبل بصفة أساسية الاستثمارات العربية من الدول المصدرة والمستوردة لرؤوس الأموال وتظم دولا مختلفة النمو ذات أنظمة سياسية واجتماعية مختلفة( ).
 هدف المؤسسة العربية:
يتضح من نصوص الاتفاقية المنشئة للمؤسسة أن الهدف البعيد التي تسعى المؤسسة إلى إدراكه هو تشجيع انتقال رؤوس الأموال العربية المتعاقدة لتمويل جهودها الإنمائية لصالح شعوبها ، ودعم علاقتها الاقتصادية في إطار من التعاون الفعال( )، وذلك من خلال تقديم ضمان مالي للمستثمر العربي الذي يستثمر أمواله في قطر عربي أخر غير بلده ، بحيث يدفع له تعويض عند تعرض استثماره للمخاطر غير التجارية التي حددتها الاتفاقية( ) .
 ماهية المستثمر طالب الضمان:
عملية الضمان: لكي تقوم المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بتقديم ضمانها للاستثمارات داخل الدولة العربية المضيفة لها، والوفاء بالتزاماتها اتجاه المستثمر المؤمن له، فلابد أن يكون هناك عقد أو اتفاق فقد ابرم بين المؤسسة كهيئة ضامنة وبين المستثمر العربي المضمون، ثم تقوم المؤسسة بعد إبرام العقد بإصدار ما يسمى بـ” الضمانة “.
وتعرف عملية الضمان بأنها :” تعهد من جانب الهيئة الضامنة بأن تتحمل عن المستثمر المتعاقد معها الخسائر الناجمة عن نوع محدد أو كل المخاطر التي قد تتعرض لها استثماريته في الخارج تشجيعا له على القيام بهذا الاستثمار”( ).
شروط الضمان: لكي توفر المؤسسة العربية ضمانها للمستثمر العربي، فلا بد من توافر عدة شروط: نصت عليها المادة 17 من اتفاقية إنشاء المؤسسة على أنه:
– يشترط في المستثمر الذي يقبل طرفا في عقد التأمين أن يكون فردا من مواطنين الأقطار المتعاقدة، أو شخصا اعتباريا تكون حصصه أو أسهمه مملوكة بصفة جوهرية لأحد هذه الأقطار أو لمواطنيها، ويكون مركزه الرئيسي في أحد هذه الأقطار ويشترط في جميع الأحوال ألا يكون المستثمر من مواطني القطر المضيف.
– تتضمن عقود التأمين ما يجيز للمؤسسة تعديل العقد أو فسخه، أو اتخاذ أي إجراء مناسب أخر إذا تخلف بعد إبرام العقد شرط من الشروط الواردة في الفقرة السابقة، إلا أنه يجب أن تتوافر هذه الشروط عند مطالبة المستثمر بما يستحقه من تعويض عن الخسائر المؤمن عليها.
– إذا تعددت جنسيات المستثمر يكفي أن تكون إحداها جنسية أحد الأقطار المتعاقدة، فإذا كان التعدد ما بين جنسية أحد هذه الأقطار وجنسية القطر المضيف يعتد بهذه الأخيرة.
 الاستثمارات الصالحة للضمان:
نصت الفقرة الأولى من المادة 15 من الاتفاقية على أن الاستثمارات الصالحة لضمان المؤسسة تشمل كافة الاستثمارات ما بين الأقطار المتعاقدة سواء كانت من الاستثمارات المباشرة بما في ذلك المشروعات وفروعها ووكالاتها وملكية الحصص والعقارات أو من استثمارات الحافظة بما في ذلك ملكية الأسهم والسندات، وكذلك القروض التي يجاوز أجلها ثلاث سنوات أو القروض ذات الأجل الأقصر التي يقرر المجلس على سبيل الاستثناء صلاحيتها للتأمين.
يتضح من النص السابق أن ضمان المؤسسة يشمل( ):
– الاستثمار المباشر: يتمثل في ملكية المستثمر لكل أو بعض رأس مال مشروع خاضع لسيطرة المستثمر، سواء اتخذ المشروع شكل المنشأة أو نشاط مملوك كليا للمستثمر أو بالمشاركة مع الغير أو يكون المستثمر شريكا في شركة تضامن .
– المساهمة في رأس مال شركة:ويمثل في ملكية المستثمر لأسهم أو حصص في رأس مال الشركة.
– الاستثمار غير المباشر: ويتمثل هذا الاستثمار في القروض سواء طويلة أو متوسطة الأجل والتي لا تقل مدتها عن ثلاث سنوات، والتي يقدمها المستثمر إلى مشروع قائم في أحد الدول الأعضاء في المؤسسة.
– ضمان معدات مقاومات:كالمعدات التي يستخدمها مقاول ينتمي لأحد الأعضاء لتنفيذ عقد في دولة عربية أخرى، بشرط أن تكون تلك المعدات مستوردة من خارج الدولة التي يجري فيها التنفيذ أو مشتراة من سوقها المحلية بعملة محولة من الخارج أو قابلة للتحويل للخارج.
– ضمان ائتمان الصادرات: أي القروض المرتبطة بعمليات التصدير والاستيراد فيما بين الدول الأعضاء حتى ولو قل أجلها عن ثلاث سنوات، إذا كانت تتعلق بتصدير مواد أوليةمن منتجات إحدى الدول الأعضاء أو بسلع يتم تصنيعها كليا أو جزئيا في هذه الدولة أو تم تجميعها أو تشكيلها فيها مادام قد ترتب على ذلك عائد اقتصادي واضح لتلك الدولة.
كما يلاحظ أن الاتفاقية قد توسعت في مد ضمانها للاستثمارات ولم يقتصر ضمان المؤسسة على الاستثمارات الخاصة فحسب، بل إن الاتفاقية اعتبرت الاستثمارات المختلفة وكذلك الاستثمارات العامة التي تعمل على أسس تجارية من بين الاستمارات الصالحة للضمان( ).
 المخاطر الصالحة للضمان:
 المخاطر السياسية: أشارت المادة 18- الفقرة أ- 1 من الاتفاقية إلى هذه المخاطر حينما نصت على أن
التأمين الذي توفره المؤسسة يغطي كل أو بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية التالية: اتخاذ السلطات العامة بالقطر المضيف بالذات أو بواسطة إجراءات تحرم المستثمر من حقوقه الجوهرية على استثماره، وخاصة المصادرة والتأميم وفرض الحراسة ونزع الملكية والاستيلاء الجبري ومنع الدائن من استيفاء حقه أو التصرف فيه وتأجيل الوفاء بالدين إلى أجل غير معقول.
ونلاحظ من هذا النص أن الاتفاقية قد توسعت في ذكر المخاطر السياسية بضمانها، والتي يمكن أن يتعرض لها الاستثمار الأجنبي، سواء كان الاستثمار مباشرا كملكية المشروع كاملا أو المساهمة في ملكية حصص منه، أو استثمارا غير مباشر كالقروض المقدمة لحكومة الدولة المضيفة أو إحدى هيئاتها العامة.
إن ضمان المؤسسة يغطي كافة صور التأميم السائدة في العمل الدولي، سواء كان التأميم إنمائيا أو إصلاحيا أو إيديولوجيا، فقيام الدولة المضيفة بتأميم الاستثمار المضمون أمر يوجب الاستحقاق التعويض إذا أدى ذلك إلى حرمان المستثمر المضمون من حقوقه الجوهرية على استثماراته، ويصرف النظر عن مشروعية طابع الإجراء أو مدى مخالفته للقانون، فالاتفاقية أوجبت ضرورة التعويض بمجرد تحقق الخسائر الناجمة عن الخطر المؤمن ضده دون وصف أخر.
ومما لاشك فيه أن قيام المؤسسة بضمان مثل هذه المخاطر يتفق مع أهداف المؤسسة من حيث مد حمايتها إلى أكبر قدر من الأخطار، الأمر الذي يزيد من فعالية دورها في تحريك رؤوس الأموال العربية وتشجيعها على الاستثمار في المنطقة العربية.
 مخاطر العجز عن تحويل العملة( ): نصت المادة 18- الفقرة1 – ب من الاتفاقية على أنه: يغطى التأمين
الذي توفره المؤسسة كل أو بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية التالية :(اتخاذ السلطات العامة بالقطر المضيف بالذات أو بواسطة إجراءات جديدة تقيد بصفة جوهرية من قدرة المستثمر على تحويل أصول استثماره، أو دخله منه أو أقساط استهلاك الاستثمار إلى الخارج)، ويشمل ذلك التأخير في الموافقة على التحويل بما يتعدى فترة معقولة، كما يشمل فرض السلطات العامة عند التحويل سعر صرف يميز ضد المستثمر تمييزا واضحا.ولا يدخل في نطاق هذا الخطر الإجراءات القائمة بالفعل عند إبرام عقد التأمين، كما لا يدخل فيه إجراءات التخفيض العام لسعر الصرف أو أحوال انخفاضه .
ويمكن لخطر العجز عن تحويل العملة أن يتخذ ثلاث صور( ) بينتها المادة 18- الفقرة 1 – ب من الاتفاقية ونصوص عقد الضمان التي أبرمتها المؤسسة:
الصورة الأولى: تتمثل في رفض السلطات العامة في القطر المضيف تحويل مستحقات المستثمر المضمون من العملة المحلية إلى الخارج بعملة قابلة للتحويل أيا كان نوعها ولا يهم شكل الرفض، فقد يكون صريحا أو ضمنيا وعلى أي حال فالخطر يتحقق من اليوم الذي يتم فيه الرفض، ولكن التعويض لا يكون مستحقا للمستثمر المضمون إلا بعد مرور 90 يوما من تاريخ الرفض أو تسلم العملة أيهما جاء لاحقا.
الصورة الثانية: تتمثل في التأخير في الموافقة على تحويل العملة المحلية المستحقة للمستثمر المضمون إلى خارج القطر المضيف بما يتعدى فترة معقولة، وقد حددت عقود الضمان المختلفة هذه المدة ب90يوما، تبدأ من اليوم الذي تم فيه تقديم طلب التحويل مستوفيا شروطه أو من تاريخ تسلم العملة المحلية .
ويمكن اشتراط مدة أطول من 90يوما وذلك في حالة التأخر في الموافقة على التحويل، ولاشك أن هذا الأمر له ما يبرره، حيث أن التأخير يرجع في أغلب الأحيان إلى أسباب تتعلق بالبيروقراطية وسوء الإدارة الحكومية التي يواجهها المستثمرون العرب في أكثر من البلدان العربية المضيفة للاستثمارات، كما يرجع التأخير إلى عدم توافر العملات القابلة للتحويل لدى الدولة المضيفة.
أما في حالة الرفض فقد اكتفت العقود بمرور60 يوما فقط من تاريخ الرفض، أو تسلم العملة لقيام الخطر على أساس أن ذلك الموقف يفيد اتخاذ الدولة المضيفة لإجراء من شأنه تقييد حقوق المستثمر على استثماره.
الصورة الثالثة: تتمثل في قيام سلطات القطر المضيف بفرض سعر صرف تمييزي ضد المستثمر عند التحويل ، ويتحقق ذلك في حالة لو تعذر على الطرف المضمون خلال 60 يوما من تاريخ الموافقة على التحويل أو من تاريخ استلام العملة المحلية أيهما جاء لاحقا لإجراء التحويل عن طريق مشروع بسعر الصرف لا يقل عن 99 % من سعرا لصرف المعني يوم نشأة الخطر.
ويقصد بسعر الصرف :” السعر الرسمي المعتمد من المصرف المركزي في القطر المضيف للاستثمار، والذي ينطبق على تحويلات المستثمرين الأجانب فيما يتعلق بالعائد على استثماراتهم، وفي حالة تعدد أو تغير سعر الصرف في نفس يوم تحويل، فإنه يأخذ بمتوسط أسعار الصرف المطبقة لدى المصارف الرئيسية في القطر المضيف، وعند تعذر الكشف عن سعر الصرف في اليوم المعني تطبق القواعد السالفة في أقرب يوم سابق يتاح فيه تطبيقها.”
ويلاحظ أخيرا أن الاتفاقية قد استبعدت من نطاق خطر العجز عن التحويل بصفة عامة إجراءات التخفيض العام لسعر الصرف أو أحوال انخفاضه، كما أن الضمان لا يشمل الخسائر المترتبة على التضخم أو تخفيض العملة، وأساس استبعاد هذه المخاطر من نطاق ضمان المؤسسة أنها تعد من المخاطر التجارية التي يجب على المستثمر توقعها في الحسبان.
ومما تجدر الإشارة إليه أن خطر العجز عن التحويل قد تتعرض له الاستثمارات المباشرة، وغير المباشرة على حد سواء، حيث أن المستثمر المضمون يعجز في كلا الحالتين عن تحويل أمواله إلى خارج الدولة المضيفة أيا كانت الصورة التي يتخذها هذا المال، سواء كانت أرباحا أو أقساط استهلاك أو أصل القرض وفوائده.
 مخاطر الحرب والاضطرابات الأهلية: تنص المادة 18- الفقرة ج من الاتفاقية على أن يغطي التأمين الذي
توفره المؤسسة كل أو في بعض الخسائر المترتبة على تحقق واحد أو أكثر من المخاطر غير التجارية الآتية:
-“كل عمل عسكري صادر عن جهة أجنبية أو عن القطر المضيف تتعرض له أصول المستثمر المادية تعرضا مباشرا ، وكذلك الاضطرابات الأهلية العامة كالثورات والانقلابات والفتن وأعمال العنف ذات الطابع العام التي يكون لها نفس الأثر “.
يتضح من نص المادة السالفة الذكر، أن المؤسسة العربية تلتزم بتغطية الخسائر المترتبة على تحقق كل عمل عسكري يصدر عن جهة أجنبية أو عن القطر المضيف للاستثمار والتي تتعرض له الأصول المؤمن المادية تعرضا مباشرا، ورغم أن الاتفاقية لم تنص على الحرب كأحد المخاطر التي تقوم المؤسسة بضمانها، إلا أن الأعمال العسكرية قد تكون حروبا أو ثورات، ومن ثم فقد تواترت عقود الضمان المختلفة التي أعدتها المؤسسة على إدراج الحروب، وما يماثلها من مخاطر كالثورات أو أعمال العنف ذات الطابع العام، ولا شك أن الهدف من الاتفاقية والعقود هو حماية الاستثمارات التي يملكها المواطنون العرب من أي ضرر يصيبها.
ولكي يمتد( ) ضمان الاتفاقية إلى خطر الحرب أو الثورات، فيجب أن تكون الأخيرة قد تعرضت لأصول المستثمر المادية تعرضا مباشرا، أما الأصول غير المادية لاستثمار الطرق المضمون كالحسابات والنقود والمستندات وكذلك الأوراق التجارية والمالية فلا يشملها الضمان.
-على المستوى الإسلامي:
تعود نشأة منظمة المؤتمر الإسلامي إلى عام 1969، وذلك في القمة الإسلامية بالرباط، حيث تم إقرار ميثاق المنظمة في المؤتمر الثالث لوزراء خارجية الدول الإسلامية بجدة عام 1978، وقعته ثلاثون دولة إسلامية ، وقد انبثق عنه إنشاء البنك الإسلامي للتنمية بجدة .
وبموجب إبرام اتفاقية إنشاء المنظمة المؤتمر الإسلامي( ) التي وقعت عليها الدول الإسلامية بهدف تشجيع انتقال رؤوس الأموال، والاستثمارات بين الدول الأعضاء، وتحدد الاتفاقية المبادئ الرئيسية لتشجيع انتقال رأس المال بين أعضاء المؤتمر، وحماية استثماراتها ضد المخاطر غير التجارية ، وضمان إعادة تحويل رأس المال المستثمر وأرباحه إلى الخارج ، وأصبحت هذه الاتفاقية سارية المفعول ابتداء من فيفري 1988، كما شاركت في تأسيس المؤسسة الإسلامية لتأمين الاستثمار وائتمان الصادرات ، وذلك في الاجتماع السنوي الثالث المنعقد بتاريخ :19-02-1992 بمدينة طرابلس بليبيا، ويتكون رأس المال هذه المؤسسة من جزأين : 50% يكتتبه البنك الإسلامي للتنمية ، %50 الباقية يكتتبه باقي الأعضاء .
ويتمثل هدف هذه المؤسسة هو توسيع نطاق العمليات التجارية ، وتدفق الاستثمارات بين الدول الأعضاء ، ومن أجل تحقيق أهدافها تقدم المؤسسة وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية تأمين الصادرات أو إعادة التأمين بالنسبة للسلع التي تتوافر فيها الشروط المحددة في الاتفاقية ، وذلك بأن تدفع لحملة سندات التأمين تعويضا معقولا بالنسبة للخسارة الناجمة عن المخاطر المحددة في الاتفاقية ، أو المخاطر التي يحددها مجلس الإدارة ، وعموما يقوم المؤتمر الإسلامي للتنمية على ما يلي:
 ضمان معاملة متساوية وغير تمييزية بين جميع الدول الأعضاء في المؤتمر الإسلامي .
 عدم الاقتصار على التعريفات الجمركية بل يجب أن تمتد بصورة تدريجية لتشمل التسهيلات شبه جمركية وغير جمركية.

الفرع الثالث :جهود الأنظمة القانونية الوطنية لتنظيم الاستثمار.

البند الأول: الأنظمة الوطنية لحماية وتشجيع الاستثمار.

تتعدد مظاهر التأطير القانوني لعملية الاستثمار عموما داخل الدولة بين القانون الإداري والقانون التجاري ، بالإضافة إلى تقنينات الاستثمار باعتبارها قوانين خصوصية .
فبالنسبة للقواعد القانون الإداري التي تحكم عملية تنظيم النشاط الاستثماري فتتجلى في:
 منح التراخيص الخاصة بالاستثمار (تقديم وثيقة الترخيص) .
 التدخل بشأن كل ما يتعلق بتنظيم إقامة الأجانب، والقوانين التي تخصص بعض النشاطات للقطاع العام أو
للمواطنين ، كذلك أحكام الرقابة على الأسعار وكل التشريعات الاجتماعية وقوانين البناء.
ويتدخل القانون التجاري بالأحكام التي تنظم الشركات على الخصوص ، حيث توضح حقوق وواجبات الخاصة بالشركات الأجنبية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بتكريس المعاملة التمييزية بين الشركات الوطنية والشركات الأجنبية، ويختلف الشكل القانوني للشركة، حسب مشاركة الدولة في رأس المال الشركة، وهنا تتباين معاملة الشركة وفق مدى مشاركة الدولة المستقبلة أو عدم مشاركتها، كما يتدخل القانون التجاري أيضا عن طريق الوثائق الضرورية لإنشاء أو عمل الشركة، وبالمساهمات توزيع رأس المال وطرق التمويل بين الأجنبي والمحلي ، وقروض وعتاد مستورد ومحلي، كما يطرح من جهة أخرى تنظيم الشركة من سلطات مجلس الإدارة وصلاحيات الجمعية العامة وقضايا المحاسبة ، ونشاط الشركة التجاري ، هذا إضافة إلى مسألة إنهاء الشركة والطبيعة القانونية له (إنهاء قضائي أو إداري، ونقل الأموال الناتجة عن الإنهاء)( ).
غير أن ما يهم هنا في هذه الدراسة هو تقنينات الاستثمارLES CODES DES INVESTISSEMENTS ، حيث تهدف قوانين الاستثمار إلى التحكم في النشاط الاقتصادي من جهة وإلى دفع التنمية من جهة أخرى ، وقد شعرت البلدان النامية إلى ضرورة التحكم في اقتصادها بهدف تحقيق المخططات الاقتصادية ، وحماية شركاتها الوطنية أمام المنافسة الدولية، خاصة في مرحلة الانطلاق، وذلك بفرض التزامات على المستثمرين الأجانب، غير أنها في المقابل هي بحاجة إلى رؤوس الأموال ، وإل القدرات الأجنبية لبناء وتطوير اقتصادها بغية تغطية النقص في الرأس المال المحلي ، وبالتالي وضع أحكام تحتوي على ضمانات قانونية ، وامتيازات تشجيعية لتلك الاستثمارات.
 الطبيعة القانونية لتقنينات الاستثمار الداخلية:
تتسم أغلبية التقنينات الخاصة بالاستثمار بكونها أنظمة قانونية محددة ، وغالبا ما تضعها السلطات التشريعية داخل الدولة ، وقد يظهر التقنيـن في شكـل قانـون، وأحيانـا في شكـل أمـر (ORDONNANCE)، أو مـرسـوم (DECRET)، أو قـرار (ARRETE)، أو تنظيم (REGLEMENT).
ونشير من جهة أخرى إلى أن التقنينات تتسم بالتنوع ( ) والاختلاف في أحكامها، ولا تقتصر عبى مجال قانوني معين، بل تجمع أحكاما من القانون التجاري وأخرى من القانون الجبائي والجمركي، وأحكاما من قانون العمل، كما تحتوي التقنينات على عنصر الخارجية (EXTERIEURITEE ) ، حيث تستلهم عناصر من القانون الدولي ، وخاصة فيما يتعلق بنقل الملكية وحل النزاعات بالنص على التحكيم ، أو اختصاص قضاء أجنبي ما ، وعلى الرغم من أن التقنينات ذات طابع تشريعي ، فهي تترك جزء من المبادرة للمعنيين في وضع قرار الترخيص بالاستثمار، والتي غالبا ما تأتي من قبل الطرف الخاص عن طريق العناصر التعاقدية التي يحملها الترخيص، وهي عناصر تظهر بشكل جلي في اتفاقيات الاستثمار بين الحكومة والشركات الأجنبية.كما تكتسي التفنينات بالطابع السياسي ، إذ أن التجارب أظهرت مدى تأثر مختلف التقنينات وتطبيقها بالوضع والتوجه السياسي للبلد المعني، مثل ما هو الشأن بالنسبة لتأثر المسارالتشريعي في ميدان الاستثمار بالجزائر، من خلال التحول الذي طرأ على هذا البلد، كونه كان ينتهج اقتصاد موجه وذلك بتبنيه لتشريعات ذات نمط اشتراكي إلى اقتصاد حر، يقوم على أساس تحررية في ميدان الاستثمار.
وللإحاطة بمسألة التقنينات الداخلية للأنظمة القانونية للاستثمار نتناول النقاط التالية:

أولا : توجيه الاستثمارات: قد تتجسد عملية توجيه الاستثمارات وفق النقاط الرئيسية التالية:
 حظر الاستثمارات في قطاعات معينة:
لقد شهدت عملية التنمية في البلاد النامية ، وفي مراحلها الأولى على الأقل، حماية بعض القطاعات الاقتصادية من دخول المال الأجنبي إليها، وذلك بغية رد المنافسة الكبيرة للأجانب، أو نتيجة لتصورات سياسية، وعموما نجد تقسيما ثلاثيا ( )للقطاعات الاقتصادية منها: القطاع العمومي / القطاع المختلط / قطاع مفتوح للمبادرة الخاصة .
وقد ظهر هذا التقسيم في البلدان التي تأخذ بالاقتصاد الموجه، وهناك من الدول من أبعد قطاع التجارة من تطبيق قانون الاستثمار وإذا كان البعض منها يسمح بنشاط الشركات التجارية في إطار القانون العادي ، فهو من جهة أخرى لا يخضعها لامتيازات جبائية، أو ضمانات قانونية خاصة، وحجته في ذلك إلى أن القطاع التجاري في نظر البلدان المستقبلة، يتميز بنوع من التطور والسرعة، فلا يحتاج إلى محفزات .
 الحصر في بعض أنواع الاستثمار:
قد تحصـر بعض البلدان الاستفادة من مزايـا تقنيـنات الاستثمار في الاستثمارات الجديدة ، وذلك بهدف دفع الاقتصاد إلى عملية التنمية ، من خلال تشجيع رؤوس الأموال الجديدة إلى الدخول في البلد المستقبل للمشروعات الأجنبية ، وما دام الأمر كذلك فهي لا تمنح الامتيازات الجبائية إلا على الاستثمارات التي تأتي بعد نشر التقنينات، حيث كانت ترى في الاستثمارات القديمة على أنها عملية للاستعمار، ولا تستحق التمتع بالامتيازات المقررة.
غير أن هذه الفكرة قد لقيت انتقادا شديدا من قبل الفكر الغربي ، الذي رأى بأن :”تقييم مناخ الاستثمار يتوقف أيضا على مدى معاملة الدولة للاستثمارات الموجودة ، من خلال قول فرانسو لوشار F.LUCHAIRE :” إن أحسن ضمان يقدم للمستثمر الجديد يكمن في احترام الاستثمارات السابقة ” ( ).
إلا أن “كريستيان هابرلي” عند تناوله البلدان الإفريقية، رأى أن حجة البلدان النامية في استبعاد الاستثمارات القديمة من نطاق التمتع بالمزايا الجبائية للاستثمارات كونه يمثل خسارة للمصالح الجيائية دون تشكيل مزايا مباشرة للدولة، غير أن هناك تقنينات ليبرالية كليا تمنح مزايا دون تمييز بين أنواع الاستثمارات القديمة والجديدة، هذا فضلا عن الانفتاح الكلي الذي نشهده الآن في عهد العولمة الرأسمالية، وهناك من يضع شروطا لمنح تلك الامتيازات للاستثمارات الموجودة ومنها على سبيل المثال، أن تكون الشركة الموجودة تعاني من منافسة الشركة المتمتعة بتلك الامتيازات.

ثانيا : الترخيص بالاستثمار.
تنص كافة التقنينات عموما على وجوب الحصول على ترخيص بالاستثمار، حيث يختلف طبيعة الترخيص بحسب أهمية المشروع، فقد تجعل بعض البلدان شكل الترخيص مبسطا للمشروعات قليلة الأهمية أما إذا تعلق الأمر بمشروع ذا أهمية كبيرة ، فيكون شكل الترخيص أكثر تعقيدا،وهذا ما يظهر بشكل جلي بالنسبة للشركات الهامة التي تتخذ بشأنها قرارات الترخيص بواسطة مراسيم من مجلس الوزراء، مثل ما يتعلق بعقود الدولة التي تفترض مفاوضات مسبقة مع الوزارة المعنية ، ويتجلى في مواصفات اختيار الاستثمارات ، وهذا ما يحدث عموما في عصر الانفتاح الكلي، وهي كما لخصها “الأستاذ فوير” على النحو التالي ( ) :
– المساهمة في الاقتصاد ، وفي التنمية أوفي السياسة الاجتماعية للبلاد.
– استعمال الثروات المحلية أو القيمة المضافة المحلية.
– التنويع في الصادرات وتخسين ميزان المدفوعات أو الإسهام ألخدماتي .
– الإشراك الشركات المحلية وخاصة الاستثمار في القطاعات الهامة والصناعات المتقدمة.
– تكوين العمال والإطارات.
– تعويــض الـواردات.
– الاستثمار في الفلاحة أو الصناعات الزراعية L’agrée – industrie .
– شروط التمويل وأهمية المشاركة المحلية .
– إنشاء عدد أدنى من مناصب العمل .
– استيراد العتاد الجديد العالي النوعية.
– اشتراط تمركز موقع الشركة في البلد المستقبل .
وتوجد إجراءات خصوصية في تشريع بعض البلدان ومنها مثلا:
– ألا يهدف الاستثمار إلـى إحـداث احتكارات.
– ألا تضر الاستثمارات بمصالح الشركات الموجودة .
– أن تساهم في الاندماج الاقتصادي لبلدان المنطقة.
– أن تحترم القيم الوطنية والاجتماعية للبلد المستقبل.
وفي حالات أخرى تقيم الاستثمارات وفق الاعتبارات التالية:
– سرعة مرد وديتها .
– أهمية الإسهام غير المالي .
– الأثر على الأجور والأسعار الوطنية، وتنشيط قطاعات اقتصادية أخرى، أو البحث التنموي في البلاد وغياب التلوث .

ثالثا: أجهزة تطبيق قانون الاستثمار .
تنص التقنينات على إنشاء أجهزة مؤسسية لتطبيق قانون الاستثمارات وقد تكون وكالة الاستثمارات، أو لجنة أو مجلس، أو أجهزة أخرى للتنسيق، فمثلا تتكون لجان الاستثمار في العديد من البلدان الإفريقية من مختلف الوزراء المعنيين بما فيهم وزير التخطيط، ومدراء المؤسسات المالية والجمركية، وأحيانا تظم أعضاء المجالس النيابية وممثلي النقابات، وكذلك ممثلين عن الغرفة التجارية والصناعية، فأجهزة الاستثمار إما أن تكون تابعة لإحدى لوزارات كوزارة الاقتصاد والمالية، أو البنك المركزي أو مستقلة.
وقد تتمثل مهام تلك الأجهزة في الدور الاستشاري، بحيث تنظر في طلبات الاستثمار وتعطي توصيات حول القرارات التي يبقى لأجهزة إدارية أخرى أن تتخذها، وقد تتمثل في البلدان التي بها أجهزة مركزية للتنسيق، في دور أوسع كالموافقة على الطلبات، ومنح التشجيعات المقررة في التقنينات، وتسجيل الشركات الأجنبية المستثمرة، ومراقبة تطبيق قوانين الاستثمار.

رابعا : إجراءات جلب الاستثمارات. تقوم الدولة بإجراءات عديدة من شأنها جلب الاستثمار نذكر منها:
 الإجراءات المتعلقة بنظام الشركة :
تنظم تقنينات الاستثمار كتقنيات نفل الملكية، وتحويل الأرباح والأجور، والأموال إلى الخارج، إلا أن الأحكام المتعلقة بها تطرح قضية علاقتها بالتشريع العادي، وهو ما لم تفصل فيه التقنينات، وبالنسبة للضمانات الممنوحة في هذه المجالات، نجد أن معظم التقنينات لا تشير إلى مسألة نزع الملكية ، في حين أن هناك تقنينات قد تعرضت لها بالنص على أن نزع الملكية والتأميم قد يجريان بغرض المصلحة أو المنفعة العامة في مقابل تعويض بعملة قابلة للتحويل تعادل المبلغ المنصوص عليه في مرسوم الترخيص.
 الضمانات المتعلقة بالتحويل:
نظرا لأن مسألة رؤوس الأموال مهمة بالنسبة للدولة المستقبلة لها، فإن مسألة ضمان تحويل رؤوس الأموال إل الخارج ( )، تشكل عبئا ثقيلا على البلد النامي، وذلك لحاجة هذا البلد للأموال ، هذه الحاجة دفعت العديد من البلدان إلى عدم منح حرية كاملة في التحويل، أما البعض الأخر فقد ترك التحويل حرا.
غير أنه بالرجوع إلى العمل التطبيقي، نجد أن عملية التحويل تخضع إل ترخيص كي يتسنى مراقبة الصرف ، وقد تنص التنظيمات على تحديد فترة لا يسمح فيها التحويل مجزء وممتدا على عدد من السنوات، كما أن القوانين بعض البلدان تنص على إمكانية التعليق المؤقت للتحويل عندما يحدث اختلال كبير في ميزان المدفوعات، ومن مظاهر التقييد أيضا نجد :
خضوع تحويل نتائج تصفية الشركة أو التنازل عن أسهم من تلك الشركة إلى ترخيص من البنوك المحلية ، كما أن هناك قيودا تتمثل في اعتراف بعض الدول النامية المنتمية إلى منطقة نقدية معينة (منطقة الفرنك مثلا أو الإسترليني ) بحرية التحويل لكن في حدود تلك المنطقة فقط .
وفيما يتعلق بتحويل الأرباح، فإلى جانب البلدان التي وضعت قيودا ، هناك البعض منها حدد النسبة القابلة للتحويل من تلك الأرباح مع تجديد مدة انتظار قبل التحويل، كما أن الدول التي لا تقيد التحويل تخضعه إلى اقتطاع جبائي في المصدر “RETENUE FISCALE A LA SOURCE ” كي تشجع على إعادة الاستثمار في البلد المستقبل.
هناك من البلدان من قلص من إعادة استثمار الأرباح محليا، وذلك لتفادي الزيادة الكبيرة في الأسهم الأجنبية التي تحول مستقبلا.
كما تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن العديد من البلدان المستقبلة للاستثمارات قد أخذت بعملية مراقبة عمليات الافتراض التي يبرمها المستثمرون الأجانب، وهذا ما حدث في بلاد أمريكا اللاتينية عندما جعلت من الاستفادة من تسهيلات القرض المحلي محدودة فيما يتعلق بالمبالغ والمدة، أما الاقتراض من الخارج فقد أخضع إلى ترخيص مسبق.
 المزايا الجبائية والجمركيةوبعض الامتيازات الأخرى:
إن استهداف الربح هو الذي يبعث بالمستثمر الأجنبي إلى البحث عن أحسن معاملة في الميدان الجبائي والضريبي، ذلك أن الضرائب بأنواعها تمثل اقتطاعا من الفوائد المحصل عليها.
وتختلف السياسة الضريبية من بلد لآخر، فقد يقوم البلد المستقبل بردع الاستثمار وإعاقة تدفق رؤوس الاموال، عندما تقتطع مبالغ ضخمة من أرباح الشركة المستثمرة، أو بالتحفيز على الاستثمار إذا كان الاقتطاع ضئيل.
 الضريبة كرادع للاستثمار:
تتمثل العوائق( ) التي تجعل من السياسة المتبعة رادعة للاستثمارات الأجنبية عموما في الحالات التالية:
-الازدواج الضريبي:
حيث يمكن أن توقع كل من دولة المستثمر والدولة المستقبلة ضرائب على صاحب الاستثمار، ويحدث هذا عند اختلاف المعايير المطبقة في كلا البلدين، ومن تلك المعايير: معيار الجنسية ومعيار الإقامة، ومعيار موقع المال أو مصدر الدخل، ويؤدي الازدواج الضريبي إلى اقتطاع أكبر من ذلك الذي يحدث في حالة الأحادية الضريبية.
-التمييز في فرض الضرائب:
إن السياسة الضريبية عمل سيادي تتمتع به كافة الدول، حيث يكون لها حرية سواء في توحيد المعاملة الضريبية تجاه مختلف الأشخاص أو ممارسة التمييز الضريبي كأن توقع ضرائب على الرعايا الأجانب تفوق تلك الموقعة على المواطنين. وهذا ما يؤدي إلى إعاقة حرية تنقل حركة رؤوس الاموال إلى البلد المستقبل، بحيث تتوجه تلك رؤوس الاموال إلى الدول الخالية من ذلك التمييز.
-المغالاة في الأعباء الضريبية:
قد تلجأ الدولة المستقبلة لرؤوس الأموال ، إلى الإفراط في وضع الضرائب، وهذا ما يؤدي إلى ردع المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في تلك الدولة، وعليه وجب على البلاد النامية تفادي تلك المغالاة، وكذلك عدم تغير قيمة الضرائب باستمرار، ذلك أن الاستقرار الضريبي يعد أيضا من عوائق قدوم رؤوس الاموال الأجنبية إلى البلد المستقبل.
-الضريبة كمحفز للاستثمار:
هناك بعض الدول تعتمد في سياستها التنموية على محفزات ضريبية لتشجيع الاستثمار لديها حيث تمنح هذه الامتيازات وفق ما تأتي به الاستثمارات من إيجابيات لعملية التنمية ووفق التجاوب مع المشاريع الاقتصادية للدولة المستقبلة، كما أن هناك تقنينات تنص على إمكانية خصم نفقات البحث منالدخل الخاضع للضريبة ، ومن الإعفاءات أيضا ما يتعلق بالضريبة على العقارات، أو على أرباح رؤوس الأموال المنقولة .
وفي المجال الجمركي تعفي بعض الدول المستثمر الأجنبي إعفاءا كليا أو جزئيا من الرسوم الجمركية على التجهيزات والآلات والمواد الخام الضرورية لمشروع الاستثمار وقد يكون الإعفاء لمدة حياة المشروع أو لمدة محددة وهذا يرجع إلى إرادة الدولة المعنية.
 امتيازات أخرى:
-إنشاء المناطق الحرة:
تعرف المنطقة الحرة بأنها جزء من إقليم الدولة يسمح فيه باستيراد البضائع الأجنبية وتخزينها وإعادة تصديرها ، وممارسة الأعمال التجارية والصناعية، في ظل إعفاء من الرسوم الجمركية والضرائبالمقررة داخل الدولة في الحدود التي يقررها القانون( )، وقد تكون المنطقة الحرة جزء من مدينة أو مدينة بأكملها أو ميناء بحريا أو مطارا من المطارات يتم تعيين حدوده الجغرافية، كما أنها قد تكون من جهة أخرى منطقة حرة عامة تظم العديد من المشاريع الصناعية والمستودعات، وقد تكون منطقة حرة خاصة تظم مشروعا واحدا فقط ، بالنظر إلى طبيعته الخاصة ، وتنقسم المناطق الحرة من حيث طبيعة نشاطها إلى مناطق تجارية تسمح الدولة بدخول السلع فيها بقصد التخزين مع إمكان إجراء بعض العمليات التجارية عليها بهدف إعادة تصديرها، ومناطق صناعية تسمح الدولة بإقامة بعض الصناعات فيها وتصرح بدخول البضائع إليها بقصد إجراء بعض العمليات الصناعية عليها كالمزج أو الخلط أو التصنيع أو التجميع ، قبل إعادة تصديرها إلى الخارج( ).
والهدف من وراء إنشاء المناطق الحرة يتجسد في الواقع في جذب رؤوس الأموال الأجنبية للمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك بما يقدم لها من مزايا وحوافز ضريبية كما أن هذه المناطق تحقق أهدافا أخرى يمكن إجمالها في ما يلي ( ):
– زيادة حجم الصادرات وتقليل الواردات ، إذ توجه المشروعات الاستثمارية التي يتم إنشاؤها في المناطق الحرة جزءا كبيرا من إنتاجها للتصدير .
– رفع مستوى المعرفة الفنية والتكنولوجية إضافة إلى توفير فرص العمل أمام الأيدي العاملة الوطنية .
– تنشيط قطاع الخدمات في الدولة ، كالنقل والتأمين ، لتلبية حاجات المشاريع القائمة في المناطق الحرة ، فقد أدى إنشاء المناطق الحرة في دولة الأمارات العربية مثلا إلى تأسيس عدد كبير من الشركات التي تزاول نشاطا تجاريا خدميا( )..
– تطوير الإنتاج عن طريق قيام الصناعات الوطنية بتوفير متطلبات مشروعات المنطقة الحرة من مستلزمات الإنتاج المحلية أو القيام بإجراء بعض العمليات التكميلية على منتجات هذه المشروعات.
-الحماية الجمركية: يقصد بالحماية الجمركية عموما قيام الدولة بفرض ضريبة جمركية مرتفعة نسبيا على السلع والبضائع المستوردة المماثلة للمنتجات المحلية أو منع استيرادها وبعبارة أخرى فإن الحماية الجمركية تتضمن في الواقع قيام الدولة باستخدام الضريبة الجمركية كوسيلة لرفع أثمان السلع المستوردة ، لكي تستطيع السلع المحلية ، حتى ولو كانت منتجة من قبل المستثمر الأجنبي يزاول نشاطه في الدولة ، من منافسة السلع المستوردة في السوق الوطنية .
وتأخذ تشريعات معظم الدول النامية بنظام الحماية الجمركية بهدف تخفيف العبء عن الصناعات المحلية والحيلولة دون تدهور صناعاتها الناشئة، ولابد من التنويه هنا إلى أن الأخذ بهذا النظام من شأنه أنيشجع رأس المال الأجنبي على الاستثمار في الدولة مستفيدا من الحماية التي توفرها تلك الدولة للسلع المنتجة محليا، وللصناعات الناشئة التي يغلب أن ينساب إليها رأس المال الأجنبي في الدول النامية، وأيا كان الأمر فإن لجوء الدولة إلى هذه الصيغة القانونية كحافز لاستقطاب رأس المال الخارجي يحتم عليها مراعاة الاعتبارات التالية:
– يتعين أن لا تضفي الحماية الجمركية إلا على الصناعات المحلية التي تنسجم ومتطلبات الدولة والتي تكون قادرة في الوقت ذاته على منافسة الصناعات الخارجية ، إذ أن هدف الدولة من فرض الحماية الجمركية أساسا هو زيادة إنتاجها وتنويع صادراتها ، لذا فإنه لا يجوز لها حماية الصناعات التي لا تستطيع تحقيق تلك الأهداف .
– يجب أن تكون الحماية الجمركية مؤقتة، وذلك بأن تحدد لها مدة معينة، حتى لا يطمئن المشروع محل الحماية إلى وضعه الاحتكاري، ولا يجد هناك ما يحفزه على تطوير إنتاجه وتقليل أسعار منتجاته، لذلك فإنه ينبغي عدم المغالاة في معدل الحماية الجمركية ومدتها بل يكتفي بالحد اللازم لنمو الصناعات الناشئة .

البند الثاني: الأنظمة الوطنية لضمان الاستثمار الأجنبي.

أولا: نشأة وتطور نظام الضمانات الوطنية ومدى أهميتها.

لقد أدت ظاهرة تداخل مصالح المستثمرين الأجانب ودولهم، إلى بروز شعور قوي يقضي بضرورة حمايتهم وضمان ممتلكاتهم من الخسائر الناجمة عن الحروب والثورات وأعمال التعدي التي يتعرضون لها في الدول المضيفة لهم ماداموا يساهمون في تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية المرجوة من تواجدهم بالخارج ، لذا فإن فكرة الضمانات المالية قد عرفتها الدول الأوروبية منذ القرن التاسع عشر من خلال ما أبرمته من اتفاقيات فيما بينها لضمان قروض رعاياها بالخارج ( )
إن الضمانات المالية الممنوحة من طرف حكومات مقرضي الأموال تشكل وسيلة هامة في تدويل العلاقات القانونية للاستثمارات التي هي في أصلها علاقات خاصة، كما أكدها حكم محكمة التحكيم الصادر في عام 1901، بين فرنسا والشيلي الذي جاء فيه : “إن طبيعة الضمان المعطى من طرف الدولة لدائنيها الخواص لا يشكل واقعة معترف بها من طرف القانون الدولي … وأن أثار القانونالدولي لا يمكن أن تنتج إلا من خلال معاهدة دولية، أما الضمانات المالية التي ثار بشأنها الخلاف، لا تعدو أن تكون مجرد عقد من عقود القانون الخاص” ( ).
وقد تطور نظام الضمان الوطني في مفهومه وفي آلياته، وأصبح نظاما يعرف بأنه :عقد توافق بمقتضاه حكومات الدول المختلفة على تأمين استثمارات رعاياها في الخارج ضد المخاطر السياسية والاقتصادية، ويحدد عقد التأمين التزامات كل طرف ( ).
مع الإشارة إلى أن هذه الفكرة قبل تطورها كانت تتضمن خدمة الدين وفوائده مما أضفى عليها طابع الائتمان المالي، الذي كان يعكس الاهتمام السياسي والاقتصادي للقوى العظمى بمصالحها الاقتصادية والمالية .إلا أن هذه الفكرة قد تطورت.

 

(محاماه نت)

إغلاق