دراسات قانونية

العلاقات المغربية الأورو-أمريكية في القانون الدولي (بحث قانوني)

المنطقة المغاربية وآليات الاستجابة للسياسات الأورو-أمريكية

بعد سنة 2010

The Maghreb Region and Mechanisms to Respond to Euro-American Policies After 2010

الحواس كعبوش، باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخصص دراسات آسيوية

  موضوع هام للقراءة :  رقم هيئة الابتزاز

جامعة الجزائر 3 كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية

Abstract

The European and the American policies in the Maghreb have led to many repercussions that threaten the stability and security of the Maghreb countries. These two external forces have strengthened their influence and expanded their interests in the region on the expense of the interests of the Maghreb countries, based on historical relation, security and political context both within the Maghreb countries and its neighboring regions. These entrances have allowed an organic link between this region and the external powers at all levels. This is a key factor in the actual Maghreb situation—this is while the Maghreb regimes have primary responsibility of the internal situation — Then it is required to find effective mechanisms and entrances points to respond to the challenges posed by the world powers policies in the Maghreb region, through the building of new patterns of interaction and using all the strategic and geopolitical dimensions of the region and its cultural affiliations in the path of development hoped by Maghreb people.

Key Words

The Maghreb Region – European Policies – American Policies – Maghreb Integration – African Dimension – Asian Alternative.

ملخص:

أدت السياسات الأوربية والأمريكية في المنطقة المغاربية إلى العديد من الانعكاسات التي تهدد استقرار وأمن الدول المغاربية، أين عملت هذه القوى على تعزيز نفوذها وتوسيع نطاق مصالحها في المنطقة على حساب مصالح الدول المغاربية، وذالك بالاستناد إلى عوامل الارتباط التاريخي وإلى السياق الأمني والسياسي داخل دول المنطقة أو في المناطق المجاورة للإقليم المغاربي. هذه المداخل سمحت بارتباط عضوي للمنطقة بالمستوى الخارجي على كافة الأصعدة، وهذا عامل أساسي في الحالة التي تشهدها المنطقة –في الوقت الذي تتحمل فيه الأنظمة المغاربية المسؤولية الرئيسية عن الأوضاع الداخلية لبلدانها- وهو ما يدفع إلى العمل على إيجاد آليات ومداخل فعّالة للاستجابة للتحديات التي تفرضها سياسات القوى العالمية على الاقليم المغاربي، من خلال بناء أنماط جديدة للتفاعل البيني والمتعدد وباستغلال كافة الأبعاد الاستراتجية والجيوبوليتيكية للمنطقة وانتماءاتها الحضارية في خدمة مسار التنمية التي يتطلع لها الشعب المغاربي.

الكلمات المفتاحية :

المنطقة المغاربية – السياسات الأوربية- السياسات الأمريكية – التكامل المغاربي -البعد الإفريقي- البديل الآسيوي.

مقدمة:

تجاوز تأثير التحولات التي شهدتها المنطقة المغاربية منذ سنة 2011 الوضع الداخلي للدول المغاربية، أين شملت بعدا خارجيا على المستويين الإقليمي والدولي، والذي ترجم من خلال مواقف القوى الكبرى و على رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، فالإقليم المغاربي يتمتع باهتمام خاص في الاستراتيجيتين الأوروبية والأمريكية(والتي بالرغم من أنها تعطي الأولوية لمناطق أخرى في سياساتها إلا أن المنطقة ما تزال تحظى باهتمامها) وذالك لتحقيق الهيمنة أو الاستفادة من ثروات الاقليم وموقعه الجيواستراتيجي، وكذالك مدخل مهم في استراتجية مواجهة المنافسة الصينية المتصاعدة في العالم، وبالتالي تعمل هذه الأطراف الدولية على الاستفادة من المخرجات التي تطرحها التطورات التي شهدتها وتشهدها المنطقة لتعزيز حجم مصالحها ونفوذها والحد من الآثار السلبية لهذه التحولات على مصالحها.

الإشكالية:

مع تطور أساليب وسياسات التدخل التي تتبناها القوى العالمية اتجاه المنطقة المغاربية -بما يعزز نفوذها ويحمي مصالحها- وزيادة التحديات التي تفرزها هذه السياسات على الوحدات السياسية المغاربية بشكل خاص وعلى الدوائر الاقليمية للمنطقة بشكل عام، وجب على الفاعلين في المنطقة البحث عن آليات للتكيف مع التداعيات التي تطرحها هذه السياسات. من هنا نطرح التساؤل العلمي التالي:

ما هي الآليات المتاحة أمام الدول المغاربية للاستجابة للتحديات التي تفرضها السياسات الغربية في المنطقة ؟

أهمية الدراسة

تبرز أهمية الدراسة من خلال التطرق لموضوع مهم في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالتطرق للتحديات التي تفرزها السياسات الغربية على الإقليم المغاربي، ومحاولة طرح مجموعة من البدائل والآليات المتاحة أمام الوحدات المغاربية للاستجابة لهذه التحديات. فهو موضوع مهم لتركيزه في التحليل على المستوى الإقليمي وتفاعلاته بالمستوى الدولي، ما يسمح بإيجاد آليات فعالة تخدم كل دول المنطقة وليس دولة على حساب أخرى.

أهداف الدراسة

تتركز أهداف الدراسة في ما يلي:

محاولة فهم طبيعة الاهتمامات الأوربية والأمريكية، والمداخل التي تتبناها في التعامل مع المنطقة المغاربية.
العمل على طرح تصورات تجديدية للمنطقة في التعامل مع التحديات التي تفرزها هذه السياسات.
التركيز على الطرح التعاوني البيني والمتعدد لخلق فرص للمنطقة في تعاملاتها مع الأطراف الخارجية.
التأسيس لمداخل وتصورات تعاونية تعزز من مكانة المنطقة المغاربية على المستوى الدولي.

المحور الأول: واقع المنطقة المغاربية في ضل السياسات الأورو-أمريكية

يحتل الاقليم المغاربي أهمية بارزة في سياسات واستراتجيات الدول الغربية، التي تنظر للمنطقة من منظور الأهمية الاستراتيجية، وقدرة التأثير المحتملة للإقليم المغاربي على المستويين الاقليمي والدولي، بالإضافة إلى المقومات التي يتوفر عليها. هذا الثقل الذي يتمتع به الإقليم المغاربي هو المحدد الأساسي للتصورات والمشاريع التي تتبناها الدول الغربية( الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية) في تعاملاتها مع الدول المغاربية.

الاهتمام الأورو-أمريكي بالإقليم المغاربي
أدت الاستراتجية الأوربية (خاصة دول جنوب أوربا ايطاليا – فرنسا – اسبانيا) في الاقليم المغاربي لتكريس ارتباط المنطقة بالمصالح الأوروبية، أين ينظر الأوربيون للمنطقة باعتبارها مصدر مهم لتلبية حاجياتها من الموارد الأولية (النفط والغاز، الموارد المعدنية، الفوسفات) فيعتبر الطرف الأوربي الشريك التجاري الأول للمنطقة، فمعظم صادرات الدول المغاربية تتوجه الى السوق الأوربية ومن جهة أخرى تمثل السوق المغاربية سوق استهلاك ضخمة للصادرات الأوربية. تجاوز حجم المبادلات التجارية للدول المغاربية مع الاتحاد الأوربي 60% من التجارة الخارجية لهذه الدول، في حين تتراوح التجارة البينية لهذه الدول ما بين 3 إلى 4%،[1] وبلغت حصة الدول المغاربية – ماعدا موريتانيا- في التجارة الأوربية سنة 2014 حوالي 3،6 % بقيمة صادرات بلغت 62.4 مليار أورو وبقيمة واردات بلغت حوالي 85 مليار أورو.[2] وتزداد أهمية المنطقة ضمن استراتجية أمن امدادات الطاقة الأوربية، أين يعمل الاتحاد الأوربي على زيادة وارداته من الغاز المغاربي خاصة مع احتمالية تأزم العلاقات مع روسيا التي تلبي 39 %من الطلب الأوربي من الغاز، أين تصبح كل من الجزائر وليبيا بديلين مثاليين بسبب القرب الجغرافي. حاليا نسبة الواردات الأوربية من الغاز المغاربي يمثل 22% من الواردات الأوربية.[3] كما وقع الاتحاد الأوربي اتفاقيات اقتصادية مع المغرب في الجانب الزراعي والصيد البحري.

من المنظور الأمني، ينظر الأوربيون للمنطقة كبيئة أمنية مضطربة (الجماعات الارهابية- الهجرة غير الشرعية كمصدر وكنقطة عبور– شبكات الجريمة المنظمة) تهدد استقرار أوروبا ومصالحها في المنطقة، وبالتالي فالإدراك الأوربي لطبيعة التهديدات الأمنية في الاقليم المغاربي جعلها تبني استراتجيات للحد من أثار هذه التحديات على مصالحها، ومنع انتشارها نحو الاقليم الأوربي بإشراك دول المنطقة كحاجز في مواجهة هذه التحديات، فالإقليم المغاربي يحتل أهمية جيواستراتيجية كبرى بالنسبة لأوروبا وهو ما أشار اليه “مارك بونفوس ” Marc Bounefous عندما قال:

“يوجد إقليم واسع قريب من أوربا يسمى المغرب العربي، إذا الإقليم يجعلنا، دائما أمام حقيقة مهمة، وهي أنه يجب على الأقل ألا يأتي تهديد لأوربا من هذه المنطقة الجنوبية…،فالأمن في الحدود البحرية الجنوبية يشكل لنا ضرورة يمليها علينا الموقع الجغرافي الذي يجعل سياستنا تركز أساسا على التنبه، والأخذ في الحسبان أي خطر أو تهديد قد يؤدي إلى عدم الاستقرار أو توتر خطير ودائم في الضفة الجنوبية للمتوسط الذي سيؤدي حتما إلى إخلال التوازن الإقليمي في المنطقة.[4]“

فالأوربيون ينظرون للمنطقة على أنها امتداد حيوي للقارة الأوربية، ويجد هذا الاهتمام بالمنطقة أبعادا جغرافية، تاريخية، استراتجية وأمنية. ترجم اهتمام أوربا بالإقليم المغاربي من خلال طرح العديد من المشاريع والمبادرات* لضمان استمرار النفوذ الأوربي على المنطقة، والتركيز على الاتفاقيات الثنائية مع كل دولة في المنطقة على حدى.

الاهتمام المتزايد لأوربا بالمنطقة هو نتيجة الإدراك الأوربي المتنامي أن امتداد أوربا الحقيقي لا يأتي في اتجاه الأطلسي، وإنما يأتي في اتجاه البحث عن هوية مستقلة لأوربا، بحيث تكون في اتجاهين فقط؛ الأول في اتجاه أوربا الشرقية والتي تشهد انتشار الاتحاد في هذا الاتجاه، والثاني الاتجاه نحو الحوض المتوسطي، وخصوصا الدول المغاربية، نظرا لعمقها الاستراتيجي ولأهميتها الاقتصادية.[5]

بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فاهتمامها بالمنطقة المغاربية* يتحدد ضمن معادلة (الطاقة-الارهاب -الموقع الاستراتيجي) أين يركز صانع القرار الأمريكي على الجوانب السياسية المتمثلة بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان كمدخل للتدخل في شؤون المنطقة، وهو ما ترجمته مع الحليف الأوربي بالتدخل العسكري ضد نظام القذافي في ليبيا في مارس 2011.

من الجانب الاقتصادي تنظر الولايات المتحدة للإقليم كمدخل مهم في استراتجيتها العالمية لأمن الطاقة، فالإقليم المغاربي من المناطق التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتأمين استراتجيتها الطاقوية فيها، فتمثل الطاقة (وتحديدا الغاز) حوالي 95% من الصادرات الجزائرية نحو أوربا.[6] كما تحتل المنطقة أهمية في تأمين ممرات الطاقة عبر المتوسط أين يرتبط الأمن الأمريكي بأمن امدادات الطاقة. وتسعى واشنطن للاستفادة من السوق المغاربية ومحاولة قطع الطريق على أي محاولة هيمنة اقتصادية أخرى ( قطع الطريق أمام المنافس الصيني)، فقد بلغ حجم المبادلات التجارية بين الدول المغاربية والولايات المتحدة الأمريكية سنة 2015 ما قيمته 16.8 مليار دولار أمريكي.[7]

الاهتمام الأمني الأمريكي بالمنطقة المغاربية يرتبط بانتشار التهديدات الأمنية عبر القومية المرتبطة بنشاط الجماعات الإرهابية وانتشار الأسلحة وشبكات الجريمة المنظمة، حيث يثير المغرب العربي -الذي يعد نقطة الارتكاز الجغرافي للنفوذ على الدوائر الاستراتجية المجاورة- اهتماما متزايدا بالنسبة للولايات المتحدة التي تسعى الى تعزيز وجودها على حساب العلاقات المتميزة لدول المنطقة مع أوروبا، من خلال طرح فكرة إقامة قواعد عسكرية في دول المنطقة تكون أداة للتدخل السريع في القارة الافريقية في إطار الاستراتيجية الاستباقية ومكافحة الارهاب، وهذا ما يفسر اهتمامها المتزايد بتعميق علاقاتها في المجال الأمني مع دول المنطقة، والتركيز على التطورات الأمنية في ليبيا. حيث صرح قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا( أفريكوم USAFRICOM) الجنرال ديفييد رودريغيز David Rodriguez في كلمة ألقاها أمام مجلس الشيوخ شهر مارس 2015 بأن ” التهديدات الأمنية في ليبيا ستؤدي إلى تنامي الخطر على المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المستقبل القريب”.[8] وبالتالي تعمل على تعزيز علاقاتها مع الدول المغاربية في المجال الأمني للعب دور الحامي لمصالحها في المنطقة، والحاجز الحائل دون وصول هذه التهديدات إلى الضفة الشمالية للمتوسط. [9]والمدخل الأمني مدخل مهم لتعزيز التواجد الأمريكي في المنطقة المغاربية التي تعتبر امتداد للمنطقة الشرق أوسطية. فالمصالح الأمريكية في المنطقة مترابطة بالأبعاد الاستراتجية للأقاليم المتاخمة للمنطقة المغاربية(الاقليم الأوربي- المتوسطي، الاقليم الشرق أوسطي، إقليم الساحل الافريقي ومنه إفريقيا ككل).

رغم التوافق بين الطرفين الأوربي والأمريكي في العديد من الجوانب في استراتجيتهما اتجاه الفضاء المغاربي ( الجوانب الأمنية والسياسية) إلا أن هناك تنافس بينهما حول الفوز بالشركاء التجاريين وأسواق الاستثمار، أين أدى هذا التنافس إلى سعي الجزائر والمغرب -الدولتان المحوريتان-للعب أدوار قيادية بصفة انفرادية. والسعي إلى فرض نفسهما اقليميا ودوليا بما يتناسب مع ثقلهما السياسي والاقتصادي الأمر الذي أدخل الطرفان في منافسة حول تقديم التنازلات للفوز بأكبر قدر من المشاريع التي تطرحها الأطراف الخارجية.[10] وهو ما يعزز التعامل وفق النهج الثنائي في السياسات الأوربية والأمريكية مع الدول المغاربية. ويركز الطرفان على ورقة الصحراء الغربية لإيجاد نوع من التوازن بين المغرب والجزائر، وعدم الاستعجال في تسوية الأزمة واستخدامها لكسب المزيد من التنازلات والمصالح في المنطقة، وإن كان التوجه الأوربي بقيادة فرنسا لحل الأزمة الصحراوية يعزز مظاهر النفوذ الأوربي في الإقليم المغاربي في ظل التنافس مع الطرف الأمريكي[11] إلا أن الإبقاء على الوضع الراهن عامل مساعد في تمرير السياسات والمشاريع الأوربية والأمريكية في المنطقة.

تداعيات التدخل في ليبيا على الاقليم المغاربي بعد 2011
أفرزت سياسة التدخل الغربية ضد نظام القذافي في ليبيا سنة 2011 العديد من التداعيات الأمنية على المنطقة المغاربية( انتشار الجماعات الارهابية وجماعات الجريمة المنظمة، وشبكات الهجرة غير الشرعية) وأدت الفوضى في ليبيا إلى هشاشة الحدود المشتركة مع ليبيا،[12] أين كان سقوط نظام القذافي في ليبيا سببا مباشرا للأزمة في شمال مالي، وذلك نتيجة عودة آلاف من الطوارق الذين كانوا في صفوف فيلق الاسلام إلى مالي وبقية دول الجوار مرفقين بالأسلحة،[13] أين وصلت 30 مليون قطعة سلاح بما فيها الأسلحة المضادة للطائرات، الى منطقة الساحل الإفريقي. فمسؤولية فتح مخازن الأسلحة الليبية بعد التدخل الغربي ووصول ما سمي بالثوار اليها كان تتحملها دول التدخل العسكري بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.[14]

وحسب تقرير صادر عن “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى” حول المقاتلين الأجانب في ليبيا فإن الإحصائيات تشير إلى أن هناك حوالي 1.351 فردا من 44 دولة على الأقل انضموا إلى الجماعات المسلحة في ليبيا أو حاولوا الانضمام إليها منذ عام 2011، في حين ارتفع العدد إلى حوالي 3.436 مقاتلاً عند الجمع بين مصادر الحكومات الأجنبية ومصادر النيابة العامة الليبية.[15] ويشكّل تنظيم “داعش” حالياً أقوى جماعة جهادية في ليبيا. حيث يسمح عدم الاستقرار في ليبيا لتوطيد وجود هذه الجماعات.

كما تزايد نشاط شبكات الهجرة غير الشرعية، حيث بلغ عدد المهاجرين غير الشرعيين عام 2016 نحو 182.000 مهاجرا عبر البحر المتوسط 89 % منه غادروا من ليبيا. وأفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) بأن ما يقارب من 17.500 مهاجرا عبر إلى إسبانيا في الأشهر التسعة الأولى من عام 2017، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل في سنة 2016. كما ترتفع أعداد المغادرين من تونس إلى إيطاليا.[16] وبالتالي فإن استراتجية الغرب للتدخل العسكري في ليبيا قد ساهمت في انتشار التهديدات الأمنية وزادت من توسعها داخل وخارج الإقليم المغاربي.

أثرت سياسة التدخل الغربية على المصالح الاقتصادية لدول المنطقة، أين لم يتم وضع تصور أو خطة عملية لاحتواء الوضع بعد عملية التدخل، انتهت الاستراتجية الدولية بإزالة نظام الرئيس السابق معمر القذافي من الحكم دون التطرق لمرحلة ما بعد القذافي، وهو ما جعل ليبيا تدخل في حالة من الفوضى والجمود الوظيفي. أدى الانفلات الأمني في ليبيا إلى انقطاع مؤقت في انتاج النفط* فانخفض من 1.77 مليون برميل في اليوم إلى 22.000 برميل، وتم غلق العديد من منشآت الانتاج. بحلول سنة 2012 تعافى انتاج النفط ووصل الى مستويات ما قبل سنة 2011، ليصل الى أدنى مستوياته مجددا بعد سيطرة الميليشيات على المنشآت النفطية سنة 2013، ووصل الى 160.000 برميل يوميا شهر سبتمبر 2011 وهذا كلف الحكومة الليبية 130 مليون دولار من وارداتها يوميا.[17]

تسببت الاضطرابات الأمنية في تدمير الهياكل القاعدية ومنشآت الانتاج، وخروج مابين 3 إلى 4 مليون أجنبي من ليبيا تحت ضغط هذه الأحداث[18] ما خلق فراغا في المناصب التي كانوا يشغلونها. كل هذه التحولات تسببت في تراجع الانتاج المحلي الحقيقي الكلي سنة 2011 أقل بنسبة 60 % مقارنة بسنة 2010،[19] ما أدى إلى تراجع الأداء الاقتصادي لليبيا.

على المستوى الاقليمي تأثرت دول الجوار المغاربية( تونس والجزائر) بالتحولات التي شهدتها ليبيا منذ 2011. فليبيا تمثل ثاني شريك اقتصادي لتونس بعد الاتحاد الأوربي، والتجارة معها توفر ما يقارب من 10 ٪ من السكان التونسيين الذين يعيشون في المناطق الجنوبية. وقد تأثرت هذه المبادلات بفعل الإغلاق المستمر للممرات الحدودية وتزايد نشاط التهريب والاقتصاد الموازي.[20] بالإضافة إلى التأثير الذي تتسبب فيه عودة العمالة المغاربية من ليبيا التي خلقت أعباء اجتماعية واقتصادية إضافية على دولهم الأصلية (60.000 عامل تونسي عاد من ليبيا وما صاحب ذالك من ارتفاع في نسبة البطالة التي تجاوزت 18.3% سنة 2011). والأعباء التي تطرحها مسألة اللاجئين الليبيين على الدول المستقبلة

دفعت الاضطرابات الأمنية وحالة عدم الاستقرار بالليبيين إلى ترك البلاد ما جعل دول الجوار تستقبل عددا كبيرا من اللاجئين الليبيين (2 مليون بمصر و 2.7 مليون بتونس و250 ألف بالنيجر ، 100 ألف في تشاد،[21] ومابين 700.000 إلى 900.000 في تونس،[22] 32.000 في الجزائر) [23]فسياسة التدخل الغربية ضد ليبيا أدت إلى زيادة في الأعباء الاقتصادية، وتشكل بنية من التحديات الأمنية المتعددة المستويات أثرت بشكل مباشر على استقرار الوضع الداخلي في ليبيا وكذا على دول الجوار وخاصة الدول المغاربية.

وبقراءة بسيطة لواقع المنطقة المغاربية في ضل السياسات الأورو-أمريكية، نلاحظ أن المنطقة لم تستفد من المبادرات والمشاريع الخارجية التي طرحتها هذه الأطراف بالشكل الذي استفادت منه هذه الأخيرة في تعاملاتها مع المنطقة بما يضمن استمرار مصالحها ونفوذها، وبالتالي فعلى الدول المغاربية العمل على بناء آليات للاستجابة للتحديات التي تفرضها السياسات الدولية، بما يضمن لها الاستفادة من القدرات التي تتمتع بها في خدمة مصلحتها ومصلحة شعوبها.

المحور الثاني: قراءة في الآليات المتاحة أمام المنطقة المغاربية للاستجابة للظروف التي تفرضها البيئة الخارجية

تدفع التحديات التي تفرزها السياسات الغربية بالوحدات المغاربية إلى بناء آليات استجابة فعالة، بما يحقق الاستقرار والتنمية للشعوب المغاربية، من خلال تبني طرح تعاوني متعدد يتجاوز الخلافات الضيقة للنظم السياسية المغاربية، بالاستناد إلى المقومات التي تتمتع بها هذه الوحدات من جهة، وكذا المزايا والفرص التي يطرحها موقعها وكذا الدوائر الاقليمية التي تندرج ضمنها من جهة أخرى. والذي سيوفر فرصا متعددة للمنطقة في تعاملاتها مع الأطراف الخارجية.

تفعيل اتحاد المغرب العربي:
سيسمح تفعيل اتحاد المغرب العربي (الذي تم الإعلان عن تأسيسه إثر قمة مراكش بالمغرب في 17 فيفري 1989) بتحرير التجارة البينية بين دول المغرب العربي، والاستفادة من الميزات التفاضلية للدول المغاربية بصيغة مشتركة، بالإضافة إلى سعة السوق المغاربية وتوسعها (حوالي 92.499.429 نسمة)، وحسب بول كروغمان Paul Krugman فإن التبادل التجاري بين دول ذات بنيات متشابهة يبقى مفيدا لجميع الأطراف، لأنه يسمح للمنتجين بالاستفادة من حجم السوق الاستهلاكية الأوسع من تلك التي تتوفر عليها السوق المحلية، كما أن المستهلكين سيستفيدون من اختيارات أوسع وأثمان أرخص للسلع، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عامل التنافسية بين منتجين مدفوعين إلى الابتكار من أجل التميز عن منافسيهم فإن ذلك سيخلق حتما فرصا أكبر وتقسيما جيدا للعمل، مما سيؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي دائم.[24]

على المستوى الخارجي سيمنح التكامل للدول المغاربية ثقلا في تفاعلاتها الدولية، ويمنحها قدرة أكبر في المساومة التجارية بما يتلاءم مع قدراتها التجارية.[25] خاصة في علاقاتها مع الأطراف الأوربية والأمريكية التي تستفيد من النهج الثنائي في تعاملاتها مع دول المغاربية. كما سيسمح هذا المدخل بالاستغلال الأمثل للقدرات التي تتمتع بها هذه الدول والاستفادة من الخصائص المتعددة التي ستنتج عن نجاح العملية التكاملية.

وهناك العديد من المداخل التي يمكن أن تساهم في تفعيل الاتحاد المغاربي:

المدخل السياسي: – تسوية مسألة الصحراء الغربية والنزاع بين الجزائر والمغرب.
إشراك المجتمع المدني في العملية التكاملية كونه يعبر عن إرادة الشعوب في الوحدة وتفعيل المشتركات بين الشعب المغاربي.
إعادة تشكيل الهوية المغاربية بما يعزز وحدة المنطقة وتجاوز خطاب الدولة الوطنية.
المدخل الاقتصادي : يعتبر المدخل الاقتصادي مدخلا أساسيا في نجاح العملية التكاملية، وتجاوز التحديات التي تفرضها الأوضاع السياسية، وهو ما طرحه السيد حماد كاسال نائب رئيس الاتحاد العام لرجال الأعمال المغربيين وأحد مؤسسي الاتحاد المغاربي لأرباب العمل:
“إنه الاقتصاد الذي من شأنه كسر الجدار السياسي القائم اليوم. نحن نريد الضغط على حكوماتنا حتى يتمكنوا من تحسين علاقاتها فيما بينها. نحن لا نريد أغلال، والإجراءات الإدارية المعوقة”.[26]

ويمكن التركيز على المدخل الاقتصادي من خلال:

تنويع صيغ التعاون الثنائي والمتعدد بما يعزز مسار التكامل المغاربي.
تشجيع وتسهيل حركة رؤوس الأموال والأشخاص بين الدول المغاربية.
إعطاء أهمية لدور القطاع الخاص في العملية التكاملية بهدف تشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية.
توسيع المشاريع الكبرى في خدمة العملية التكاملية ودعم شبكة المواصلات البينية.
تنسيق السياسات التجارية والاقتصادية في خدمة العملية التكاملية.
إحياء مشروع البنك المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية* سيكون له الدور الكبير في تدعيم المشاريع المشتركة وتعزيز التجارة البينية وجلب الاستثمارات الأجنبية.
المدخـل القانونــي: يؤثر الجانب القانوني – التنظيمي للهياكل التي يتم تأسيسها في سير العملية التكاملية لأي عملية تكاملية، ففعالية الهياكل القانونية والتنظيمية هي التي تضمن تقسيم الأدوار والمهام لأطراف العملية التكاملية، فيجب عند التوقيع على المعاهدة التأسيسية مراعاة إنشاء هياكل تتمتع بصلاحيات تسمح بتحقيق الأهداف المرجوة من التكامل، والجانب القانوني- التنظيمي من أحد العوامل التي تحد من فاعلية اتحاد المغرب العربي. وبالتالي الاستفادة من هذا المدخل من خلال:

التخفيف من مركزية مجلس الرئاسة، حيث يطغى البعد المركزي لمجلس الرئاسة على التنظيم، باعتباره أعلى هيئة في الاتحاد فإنه لمجرد توقف اجتماعاته لسبب أو لآخر يرهن كل المشاريع الاتحادية التي أعدتها بقية الأجهزة.

إعادة النظر في مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات، وإحلال محله مبدأ الأغلبية لإعطاء مسيرة الاتحاد نوعا من الدفع والسرعة اللازمين لمواكبة المتغيرات الدولية.

إعطاء الأمانة العامة الصلاحيات الضرورية، فالمدخل التنظيمي الذي سيدفع العملية التكاملية الى الأمام هو إعطاء الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي مزيدا من الصلاحيات في تسيير الاتحاد.[27]

أصبح تفعيل العملية التكاملية المغاربية ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى لتجاوز الخلافات، والعمل على تدعيم هذا الإطار المؤسسي، بهدف القضاء على التبعية والتخلص من مخاطرها السياسية كخطوة أولى لتحقيق الاستقلال الاقتصادي بمفهومه الواسع. إن المطلوب هو بناء مجال اقتصادي مغاربي بإمكانه منح المنطقة مكانة دولية أكبر على صعيد خارطة التأثير الدولي، يحقق استقرارا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا ناجحا، ويؤدي إلى تقليص التبعية للخارج، ومحاولة الاستفادة من جميع الأطراف الخارجية بما يخدم المصلحة المشتركة للبلدان المغاربية.[28]

عودة الاقليم المغاربي نحو بعده الافريقي:
يعتبر الاقليم المغاربي امتداد جغرافي للدائرة الافريقية، والتي تعرف علاقة تأثير متبادل، لذا على الدول المغاربية أن تبني سياساتها وتوجهاتها على أساس هذا الارتباط، بما يسمح بتوحيد الجهود لمواكبة التحولات الدولية من جهة، مواجهة التحديات التي تفرضها الأوضاع الداخلية للدول، وكذا التحديات الناتجة عن السياسات الخارجية في القارة الافريقية، حيث يتجاوز الإرتباط المغاربي بإفريقيا مظاهر الجوار الجغرافي ليشمل العوامل البشرية، الثقافية والحضارية كنتيجة لقرون من التفاعل الحضاري بين الأفراد، على اعتبار أن الهوية المغاربية جزء من الهوية الافريقية، لتأخذ هذه العلاقة شكلها الحديث من خلال التنسيق والدعم المتبادل ضمن مسار محاربة الاستعمار وتدعيم حركات التحرر.[29] ومن خلال مبدأ عدم الانحياز في فترة الحرب الباردة للنأي بالقارة عن تداعيات الصراع بين دول الشمال.

والارتباط الافريقي للإقليم المغاربي ينبع من حتميات تفرضها التحولات الدولية:

كل القارة الافريقية بما في ذالك المنطقة المغاربية، تعاني من تحديات تفرضها المنافسة الدولية على مصادر الثروات والنفوذ في القارة. وبالتالي ضرورة توحيد الاهتمامات وبناء رؤية مشتركة لمواجهة هذه التحديات.

كما أن العمق الافريقي للمنطقة المغاربية(منطقة الساحل الافريقي) مصدر منتج للتهديدات الأمنية التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقليم المغاربي، وهو ما يفرض حتمية التنسيق لإيجاد صيغ مشتركة في مواجهة هذه التحديات.[30]

الرهان الاقتصادي على إفريقيا رابح على المدى المتوسط والبعيد، فالقارة مرشّحة لأن تتحول إلى إحدى أكبر الأسواق العالمية؛ ما يفوق 2 مليار نسمة في أفق 2050. لذا يجب إدراج استراتيجية التعاون الاقتصادي (جنوب – جنوب) ضمن الأجندات ذات الأولوية للدول المغاربية، وتوجيه المؤسسات الاقتصادية من أجل البحث عن الفرص والاستثمار في إفريقيا.[31]

ستسمح آلية عودة المنطقة نحو بعدها الافريقي ببناء ثقل في العلاقات الدولية، بتوحيد الرؤى حول القضايا ذات الاهتمام المشترك. المنطقة المغاربية وباعتبارها جزء من القارة الإفريقية فإنها تتأثر بالتحولات التي تمس القارة وتعاني من نفس التحديات التي تعرفها، أو أنها تعاني من تبعاتها، حيث أن القارة مجال للتنافس الدولي الذي يستنزف ثرواتها. من ناحية أخرى كما تم التأسيس للتعاون المغاربي – الإفريقي لمواجهة التحدي الاستعماري في الخمسينيات، يجب تنسيق التعاون لمواجهة التداعيات السلبية للسياسات الخارجية على القارة الإفريقية. وذالك من خلال تدعيم نشاط الاتحاد الإفريقي، أو بناء صيغ تعاونية مع التنظيمات الإقليمية في القارة؛ مثل السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا (كوميسا COMESA )، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس ECOWAS)

الاستفادة من المزايا التي يطرحها الطرف الآسيوي (الصين أنموذجا):
أكدت السيدة كريستين لاغارد Christine Lagarde مدير عام صندوق النقد الدولي، على ضرورة توسيع الاستثمار في المنطقة بحيث يقل اعتمادها على أوروبا، أين يمكن إشراك بلدان البريكس وهي المحركات الاقتصادية الجديدة على المسرح العالمي. وذالك بقيام الحكومات المغاربية بالترويج لمزايا المنطقة.[32] ويمكن للمنطقة المغاربية أن تستفيد من البديل الآسيوي لتحقيق موازنة في سوقها الداخلية والتقليل من آثار ارتباطها المتنامي بالأطراف الغربية، وكسر الاحتكار الأورو-أمريكي للأسواق المغاربية.

فالطرح الذي تتبناه دول مجموعة البريكس في العلاقات الدولية طرح قائم على تعزيز الجهود المشتركة للوحدات الدولية في مواجهة سياسات السيطرة والنفوذ التي تمارسها القوى الغربية على الساحة الدولية، فتعتقد هذه المجموعة أن الوقت قد حان لتوحيد قدراتها لتسريع مسار الانتقال نحو نظام متعدد الأقطاب،[33] ومنه يمكن للمنطقة المغاربية تعزيز مكانتها الدولية بتقوية علاقاتها مع هذه المجموعة لإيجاد تنسيق حول القضايا الدولية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية، وذالك بالاستفادة من القدرات والخصائص التي تتمتع بها كل دولة من دول المجموعة، وتكريس هذه العلاقات للتعامل مع التحديات التي تفرضها السياسات الأورو-أمريكية على الوحدات المغاربية.

من هنا سيكون تعزيز التعاون مع الطرف الصيني مدخلا استراتجيا لكل من المنطقة المغاربية وللصين في تحقيق أهدافهما، وهذا نتيجة للثقل الاقتصادي والسياسي الذي تتميز به الصين على الساحة الدولية بالمقارنة مع باقي القوى الصاعدة الآخرى، العامل الآخر هو الحضور الاقتصادي المتزايد للصين في القارة الإفريقية بشكل عام وفي الإقليم المغاربي بشكل خاص، من خلال نمو التجارة البينية مع المنطقة وزيادة تدفق الاستثمارات الصينية في الدول المغاربية، فبلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني سنة 2012 في شمال افريقيا وجنوب الصحراء حوالي 2.9% من مجموع استثمارات الصين الخارجية و8.2% من حجم استثماراتها في افريقيا.[34]

سيسمح تعزيز التعاون مع الطرف الصيني بتنويع المتعاملين الاقتصاديين للمنطقة، كما أن الاستثمارات الصينية متعددة المجالات عكس الاستثمارات الغربية التي تتركز بالأساس في مجال الطاقة، فالصين بديل مهم للاستثمار في مجال الهياكل القاعدية ومجال البناء ومجالات المنفعة المتبادلة. كما أن الصين تأثرت بسياسة التدخل الغربي في ليبيا. أين تسبب تدخل الناتو وسقوط نظام القذافي بخسارة الصين للعديد من مشاريعها في ليبيا، وفقدت الشركات الصينية ملايين الدولارات بالإضافة إلى إجلاء 29.000 من العمال الصينيين من ليبيا.[35]

لماذا الصين ؟
القدرة التنافسية للصين أمام الشركاء التقليديين للمنطقة، حيث تسمح القدرات التجارية والاقتصادية الصينية بالتنافس على الأسواق المغاربية، فبلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين سنة 2016 ما يعادل 11.47 تريليون دولار وبمعدل نمو سنوي بلغ 6.7%حسب احصائيات البنك الدولي.[36]

الاستثمارات الصينية في المجالات ذات المنفعة المتبادلة، والاستثمار في مجال الهياكل القاعدية، وكذا توفر الصين على القدرات التكنولوجية التي تساعدها على تنويع استثماراتها الخارجية.

من الجانب التاريخي محافظة الصين على علاقات سلمية مع الدول المغاربية عكس الأطراف الغربية ذات الخلفية الاستعمارية.

المبادئ الصينية في تعاملاتها الدولية القائمة على أساس الاحترام المتبادل لسيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول وبناء شركات اقتصادية وفق منطق رابح-رابح. وهو ما أكدت عليه الحكومة الصينية من خلال “وثيقة سياسة الصين تجاه الدول العربية” في 13جانفي 2016 التي حددت مكانة ودور المنطقة العربية، كما أوضحت هذه الوثيقة سبل تدعيم وتعزيز التعاون الصيني-العربي في كل المجالات، حيث ورد في هذه الوثيقة: ” تضرب جذور الصداقة بين الصين والدول العربية في أعماق التاريخ. وتظل الأمتان الصينية والعربية مرتبطتين بطريق الحرير برا وبحرا على مدى أكثر من الـ 2000 سنة المنصرمة التي يبقى فيها السلام والتعاون والانفتاح والتسامح والتدارس والتنافع والتًرابح قيما سائدة في التواصل بين الجانبين…. على مدى الـ 60 سنة المنصرمة، حقق التعاون الودي الصيني العربي قفزة تاريخية اتساعا وعمقا، وأصبح نموذجا يحتذى به في تعاون جنوب – جنوب واكتسب خبرة وتجارب ناجحة.[37]

الصين في حاجة لأسواق لتصدير منتجاتها وتبحث عن موارد الطاقة لدفع عجلة التنمية الاقتصادية والمنطقة المغاربية تتوفر على الحاجيات الصينية، في المقابل تبحث الدول المغربية جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية وكذا السلع لتلبية حاجيات شعوبها.

من الناحية السياسية الصين تعارض النزعة الفردية للغرب للتحكم في النظام الدولي، كما يمكن أن تستفيد المنطقة من الدعم السياسي والدبلوماسي في قضاياها المتعلقة بالسياسة الدولية.[38]

إمكانية الاستفادة من الصين في تعزيز المشاريع المشتركة وتجاوز الخلافات السياسية في المنطقة. مع استعداد الطرف الصيني لتنويع استثماراته والاستثمار في مجالات حيوية، وبالتالي يمكن للمنطقة المغاربية الاستفادة من المزايا التي يطرحها زيادة الحضور الصيني في المنطقة من خلال تبني الدول المغاربية النهج الاستراتيجي عبر تنسيق جهودها في التعامل مع الطرف الصيني وعدم التعامل معه من منطق أحادي، والحفاظ على موقف متوازن في التعامل مع الصين.

هذه المداخل المقترحة يمكنها أن تساهم في بناء تصورات تعاونية مشتركة للوحدات المغاربية في مواجهة التحديات التي تفرضها سياسات القوى العربية في المنطقة، أين ستسمح هذه المداخل للاستفادة من المقومات التي تتوفر عليها الوحدات المغاربية واستغلالها بما يمنح الأولوية للمصلحة العامة للشعوب المغاربية، وهذا على حساب الخلافات البينية والتي تحد من فاعلية الاقليم المغاربي في إطار بيئة دولية وإقليمية مضطربة. كما يمكن لهذه الآليات أن تؤسس لقنوات الشراكة والتعاون المتبادل مع العديد من الأطراف الدولية المؤثرة.

خاتمة:

تبقى الركيزة الأساسية لبناء آليات استجابة فعالة للمنطقة المغاربية في مواجهة التحديات التي تفرضها السياسات العالمية، هي إدراك النخب الحاكمة في الدول المغاربية لحتمية العمل المشترك، بما يعزز المصالح المتبادلة، وبناء التصورات السياسية بما يتناسب وطموحات الطبقة الشعبية في المنطقة. وهذا من خلال تبني مقاربات تجديدية في التعامل مع التحديات التي تفرضها تحولات البيئة الدولية، بما يمنح ثقلا للنظام الإقليمي المغاربي في تفاعلات البيئة الدولية. فدراسة وتحليل التحديات التي تطرحها السياسات العالمية في المنطقة المغاربية قد يساعد في فهم بنية وطبيعة هذه التحديات على أمن وواقع الدول المغاربية، لكن الجانب المهم في البحث في مثل هذه المسائل هو طرح البدائل والآليات المتاحة أمام الوحدات المغاربية والكفيلة بمواجهة هذه التحديات، والتي يجب أن تستند إلى القدرات التي تتمتع بها الوحدات السياسية في المنطقة وتأثير هذه التحديات على استقرار المنطقة.

 

(محاماه نت)

إغلاق