دراسات قانونية

المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي – مقال قانوني رائع

المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي

الاستاذة دوجة مرياح

إن الإرتباط الوثيق بين السياسة و التشريع يجعل من التدخل التشريعي من أهم الاليات التي تمكن الدولة من تطبيق سياستها الإقتصادية و توجيهها و حمايتها ، و إن هذا التدخل التشريعي غالبا ما يكون ذو صبغة حمائية أكثر منها جزائية ، و هذه الحماية لا تحمي فقط التوجه الاقتصادي العام بقدر ما تحمي إستقرار المعاملات و مصالح الأطراف التي في الغالب ما تكون متضاربة .

فالاقتصاد و لئن حافظ على أساسه القديم الحديث و هو الحرية أصبح يخضع لألة التنظيم ، وهي وسيلة القانون المثلى لتحقيق التوافق بين حرية الأفراد و موجبات النظام العام في مفهومه الاقتصادي .

فالقانون هو الذي ينظم المجالات الإقتصادية بإعتبار خطورة هذه الجرائم على هياكل الدولة وما تمثله من تهديد للثقة و الأمانة التي يضعها العامة في النظام القانوني ككل ، خاصة وأن القانون يعتبر ضرورة من الضرورات الأكيدة في ميدان إقتصادي متشعب .[1]

و لذا يمكن القول بالتقارب بين القانون و الإقتصاد ، رغم أن كلا النظامين يختلف مبدئيا عن الاخر، إذ أن القانون يعبر عن التنظيم و التحكم في حين ان الاقتصاد مبني على الحرية و السرعة .

و هذا التقارب ليس في حقيقة الأمر غريبا أو مصطنعا بإعتبار أن القانون الجنائي الاقتصادي و القانون العام مرتبطين ببعضهما تمام الارتباط ، إذ أنهما يتفاعلان معا و يتأثر كل واحد منهما بالاخر ، خاصة في ظل وجود قواسم مشتركة بينهما .[2

و كنتيجة لذلك ظهرت الجرائم الاقتصادية الى جانب الجرائم التقليدية أو جرائم الحق العام ، و كان هذا الظهور من خلال القانون الجزائي الاقتصادي الذي يبقى الظاهرة المميزة لهذا القرن ، و هذا القانون وقع التعبير عنه بمصطلحات مختلفة مثل القانون الجنائي المالي أو القانون الجنائي للأعمال أو القانون الإقتصادي الإجتماعي.[3]

و بالرغم من الإهتمام التشريعي و الفقهي إلا أن مشكلة إستقلالية القانون الجنائي الإقتصادي مازالت مطروحة ،إذ أنكر بعض الفقهاء وجوده لأنه لا يمثل سوى تجميعا لبعض الميادين التقليدية للقانون الجنائي [4] وإعتبره البعض الأخر فرعا من فروع القانون الجنائي للأعمال[5]. و لكن البعض الاخر من الفقهاء دافعوا عن خصوصيات القانون الجنائي الإقتصاد و بالتالي عن إستقلاليتة .[6]

و لقد أدى الغموض التشريعي في تعريف القانون الجزائي الإقتصادي إلى تضارب فقهي يمكن تجميعه في إطار ثلاث نظريات :النظرية الليبرالية ،النظرية التوجيهيةو النظرية التوفيقية.

النظرية الليبرالية :

يعرف أصحاب هذه النظرية القانون الجزائي الإقتصادي بكونه “مجموعة قواعد القانون الجنائي التي تهدف إلى ضمان مبدأ الحرية في النظام الرأسمالي و حماية الأفراد أثناء ابرام و تنفيذ علاقاتهم الإقتصادية الحرة فيما بينهم “.

و بالإستناد إلى هذا التعريف جاءت كل الدراسات الفقهية من هذه الوجهة حصرية تعرف هذا القانون بكونه القانون الجنائي التجاري، أو القانون الجنائي للشركات [7] أو القانون الجنائي المالي [8] أو القانون الجنائي للأعمال [9] أو القانون الجنائي المتعلق يالمنافسة و الأسعار …و قد كان الأستاذ برادال من مساندي هذه النظرية الحصرية فعرف القانون الجنائي الإقتصادي بكونه “القانون الجنائي للسوق و المبادلات التجارية سواء تمت المبادلات بين منتج و موزع أو بين موزع و مستهلك .[10]

لم يصمد التعريف الليبرالي للقانون الجنائي الإقتصادي طويلا خاصة في مرحلة الحروب (الحربين العالميتين) و الأزمات (أزمة 1929 ) و نتيجة لذلك نشأت نظرية جديدة .

النظرية التوجيهية :

اتخذ القانون الجنائي الإقتصادي في ظل هذه النظرية بعد أشمل ،فإهتمامات الدولة لم تتعلق بحماية المصلحة الفردية بل أن تنظيم الحياة الإقتصادية فرضته ضرورة توجيه الإقتصاد ،ومن هنا تبنى أصحاب هذه النظرية تعريفا واسعا يرتكز في بعض الأحيان على ضبط قائمة حصرية تظيط ميدانه بصفة واسعة مثل ما فعل الإستاذ “همارد” [11] و الأستاذ” فيتو”[12] عندما عرفا القانون الجنائي الإقتصادي بكونه ” مجموعة قواعد

القانون الجنائي وقواعد الإجراءات الجزائية التي تهدف في ظل السياسة الاقتصادية لمجموع الدولة إلى تنظيم شروط إنتاج وتوزيع واستهلاك الثروات و الخدمات من جهة ، ووسائل ضمان تبادل و استعمال الثروات و الخدمات من جهة أخرى “، وقد دافعت الاستاذة ” دلماس مارتي” عن هذا التوجه معتبرته بذلك مجموعة القواعد التوجيهية فحسب .[13] النظرية التوفيقية :

إن التطور الذي شهده القانون الجنائي الاقتصادي أفقد التعريفات المقدمة أهميتها نظرا لتعذر التفرقة بين القوانين الحمائية و القوانين التوجيهية . فبعض القواعد المجعولة لحماية الحرية الاقتصادية أو حماية المصلحة الخاصة ،تستند إلى هدف توجيهي في الحقيقة أين تضمحل حماية المصلحة الخاصة لتترك المجال لأهداف أعم ومثل ذلك قانون المنافسة والأسعار و قانون حماية المستهلك .[14]

وقد جاءت بعض النظريات الفقهية الحديثة مزدوجة عند تعريفها للقانون الجنائي الإقتصادي ، فإعتبره ماركس[15] بمثابة العقوبة الجزائية المنطبقة على القانون الاقتصادي الذي هو بدوره مجموعة الاجراءات الزجرية التي تعاقب كل خرق للقواعد المتأتية من التدخل التشريعي و الترتيبي في العلاقات الاقتصادية القائمة بين الخواص أو في العلاقات الإقتصادية القائمة بين الخواص و الإدارة .

و تتضاعف أهمية تدخل القانون الجزائي الاقتصادي في الفترة الراهنة ، حيث تعيش البلاد التونسية ثورة إقتصادية جاءت نتيجة للإصلاح الاقتصادي الذي إنتهجته البلاد منذ سنة

1986 ،و انخراطها في الاقتصاد العالمي الذي يقوم على مبدأ تجارة بلا حدود ، تلغى فيها الحواجز القمرقية و تفتح فيها الأسواق المحلية للتبادل الاقتصادي و الثقافي دون قيد ،

فأصبح الاقتصاد يتجه شيئا فشيئا نحو ما يسمى بالعولمة عن طريق التخلي عن التراخيص المسبقة والمراهنة على القدرة التنافسية للإقتصاد الوطني .

كما أعتبر القانون البنكي فرعا من فروع القانون التجاري وربما هذا يفسر تنظيم المجلة التجارية لأكثر العمليات البنكية تداولا وذلك من خلال الفصول 650 إلى 746 كما أن الفصل 2 قام بتبويب العمليات البنكية ضمن قائمة العمليات التجارية .[16]

وفي هذا الخضم تحتل المؤسسة البنكية مكانة متميزة ، تمظهرت في إدخال العديد من الإصلاحات الهيكلية الرامية الى دعم القدرات المالية للجهاز البنكي من ناحية ، و مزيد تفعيل دور هذا القطاع من ناحية أخرى.

و يفسر هذا الإهتمام المتزايد بالمؤسسة البنكية ، بالعلاقة الوثقى بين المؤسسة و البنك ، إذ أن المؤسسة الاقتصادية لا يمكن لها أن تقوم بدورها على الوجه الأكمل إذا لم تساهم البنوك في تمويلها .[17]

فتطور الإنشطة المالية للمجتمع يترجم تطور المداخيل و إرادة التصرف فيها بشكل عقلاني يعتمد وسائل ناجعة و مؤسسات متقدمة لعل من أبرزها البنوك التي جعلت منها ظروف

الحياة المادية المتطورة بإستمرار تتبوؤ منزلة متميزة ، ضرورة أنها باتت أداة ضرورية لتحقيق النجاح الاقتصادي .

فالبنكي ، بوصفه يقوم بدور الوسيط بين المدخرين والمقترضين يتولى تجميع الأموال من أصحابها ، ثم يقدمها في شكل قروض ، كما يتمتع بإستثمار رؤوس الأموال مباشرة لدى المؤسسات الاقتصادية .

و هكذا تكون البنوك الوسيلة المثلى لتحقيق النجاعة الاقتصادية عن طريق توفير أكبر حد من

الإمكانيات المالية . فالأموال بعد أن تكون متفرقة في أيادي أصحابها بحيث لا تشكل أي طاقة انتاجية ، فإنه بفضل البنك سوف يتم تجميع تلك الكميات المتفرقة من الأموال وتوظيفها في عمليات انتاج كبيرة بشكل يصبح معه القطاع البنكي :” يمثل إنعكاسا للحياة الاقتصادية و السياسية للمجتمع .”[18]

و لئن تعتبر البنوك ميزة من مميزات العصر الحديث ، فإن هذا لا يعكس جذورها الضاربة في القدم . من ذلك إن تاريخ ظهور البنوك لا يرتبط بالعصر الحديث و ما شهده من تقدم مدني و ازدهار تقني أفرز العديد من الظواهر منها ظاهرة المهنة البنكية .

فالبحث عن أصولها يبرز أن جذورها ضاربة في أعماق التاريخ ، فلقد عرفت الحضارات الماضية البنوك في مختلف أشكالها ، و تنوعت بحسب طبيعة المجتمع الذي نشطت فيه .

و يرجع تأسيس أقدم منشأة بنكية الى3200 قبل الميلاد ، فأول من مارس هذه المهنة هم رجال الدين ، في إطار مؤسسة كانت تسمى بالمعبد الاحمر ، يتم في إطارها قبول الودائع بشكل منتظم الى جانب الهبات التي كان يقدمها الأفراد الراغبون في الحصول على العفو الإلاهي .[19]

و لم يعرف النشاط البنكي تنظيما قانونيا إلا في عهد حمورابي [20]، ثم و على إثر ظهور العملة النقدية تطورت تقنيات المهنة البنكية ، فلم يعد النشاط البنكي يقتصر على المبادلة أو الإدخار بل توسع نحو اقراض الأموال مقابل فوائد ، و حفظ الجواهر و القطع الثمينة في صناديق حديدية ، كما أصبحت البنوك تقوم بدور الضامن لحرفائها و تقدم لهم النصائح والإرشادات خاصة للحرفاء الأجانب نظرا لأن البنكي هو الأعرف بالتشريعات الوطنية .[21]

و مع تطور أدوات الشيك مع البنكيين اليونان ، تطورت التقنيات البنكية فأصبح الحريف في حماية من المخاطر التي كانت محفوفة بها بإعتباره يحمل وسيلة خلاص غير نقدية .

و الملاحظ أن المهنة البنكية خلال تلك الفترة كانت تمارس بشكل متنوع أي بحسب طبيعة المجتمع ، فعلى خلاف المجتمعات اليونانية أو الرومانية حيث كانت المهنة متطورة بفضل نمو النشاط التجاري ، لم تكن على ذلك النحو في المجتمعات التي يعتمد إقتصادها على النشاط الفلاحي ، فالمجتمع الفرعوني مثلا ، كان بالأساس مجتمعا فلاحيا ، إقتصر العمل

البنكي فيه على قبول المحاصيل الزراعية كودائع والقيام بتسليمها وفق أوامر المودعين .

و نظرا لما يكتسيه هذا الدور من خطورة على حياة المجتمع وقع إخضاع المهنة مباشرة لإشراف الدولة .[22]

و لقد كان نشاط البنوك طوال العصر الوسيط يمارس في نطاق طوائف مهنية مغلقة ، و لكن سرعان ما انهار هذا النمط على يد الحركة الصاعدة من البورجوازية .

و تتمتع البنوك بدور سياسي خطير بما أنها ساهمت في الإحاطة بالأسس العامة للمجتمع الإقطاعي ، الذي كان فيه نمط الإنتاج يعتمد على عنصر الأرض، فاتجهت البنوك خلال هذه الفترة الإنتقالية للمجتمع الأوروبي ، نحو المجال الصناعي و التجاري شاهدة بذلك ظهور طبقة جديدة متكونة من البورجوازية التجارية ثم الصناعية .

ثم وفي مرحلة لاحقة و مع دخول أوروبا عصر “الإمبريالية “أصبح البنك مطية من خلاله تعمل على فرض إستعمارها على الشعوب الأخرى و الإستحواذ على خيراتها وذلك بعد رهنها عن طريق القروض البنكية و تقويض أسس سيادتها الوطنية فباتت حينئذ المهنة البنكية على إمتداد تلك الفترة عميلة الإستعمار و أداته المثلى في الإستحواذ على خيرات الشعوب و مصادرة ثرواتها.[23]

وأمام السلبيات التي أفرزها مبدأ الحرية المطلقة التي يقوم عليها النظام الرأسمالي وخاصة

أزمة 1929، أسندت للبنوك مهام خطيرة، فأصبحت تتحمل أعباء الحفاظ على مبادئ الإقتصاد الرأسمالي ،إذ أسندت إليها مهام إيديولوجية تتمثل في تركيز أسس الرأسمالية وتكريس مبادئها في واقع حياة المجتمع ومعاملاته.[24]

فالمعلوم أن الليبرالية تقدس مفهوم الحرية و الفردانية ، ولذلك يتمتع أصحاب الأموال بكامل الحرية في التصرف في أموالهم ، و من جهة أخرى ينبني هذا النظام على أساس إعلاء قيمة المنفعة في المجتمع بإعتبار أن مثلها الأعلى هو إكتساب الثروة [25] ، فلا يتحرك أصحاب الاموال إلا بدافع الربح و تنمية المال.

فكان من الطبيعي أن يكون الأسلوب الوحيد الذي يمكن البنكي من إغرائهم بدفع ما بحوزتهم من مبالغ مالية هو التلويح بالأرباح ، و إستمالتهم الى تحقيق الفوائد حيال الأموال المودعة في البنك ، و ذلك على أساس نسبة مئوية معينة من قيمة الوديعة و هذه الفوائد هي بمثابة الحافز للإيداع .

ومن هنا نلاحظ أن البنك يساهم في تعميق العلاقات الرأسمالية و تجذير قيمها في المجتمع، بحيث أصبح البنك على حد تعبير العميد “ريبار” :” الأداة المثلى التي أحدثتها الرأسمالية الحديثة بهدف تجميع الإدخار”.[26]

أما في تونس وكما هو الأمر في سائر البلدان العربية فإن المؤسسة البنكية لم تنتشرإلا في فترة الخمسينات ، ولقد أخذت تتطور بشكل خاص إثر الإستقلال ، و ترجع أسباب التخلف عن إعتماد القطاع البنكي الى الأساس الربوي الذي يرتكز عليه النشاط البنكي و الذي لا يتلائم مع أحكام الشريعة الاسلامية .

إضافة الى حداثة عهد هذه الدول بالإستقلال و إستلام زمام أمورها الاقتصادية و السيادة على ثرواتها . و لم تكن البنوك قبل هذه المرحلة ، أي في فترة الحماية ، إلا فروعا تابعة لمراكزها بالدول الأصلية . [27]

فكانت بذلك الإطار الأمثل الذي يمارس من خلاله الإستعمارهيمنته على تونس ،فمنطقة الشرق الأوسط تخضع لإستثمار البنوك البريطانية في حين كانت منطقة شمال افريقيا تحت رقابة البنوك الفرنسية .

و على المستوى التشريعي ، لم تعرف بلادنا قبل الإستقلال تنظيما قانونيا للمؤسسة البنكية سوى الأمر العلي الصادر في26 سبتمبر سنة1935 و الذي أدخل حيز التنفيذ القانون الفرنسي المؤرخ في19 جوان 1930[28] .

أما على المستوى الهيكلي ، فلم تكن هناك مؤسسة تسهر على تنظيم المهنة و مراقبتها بالرغم من سماح انتصاب (بنك الجزائر) بالبلاد سنة 1904 و تخصيصه بمهمة اصدار النقود الورقية بعد سحب العملة الوطنية الريال .

و الغرض من هذا الإجراء هو فرض النظام النقدي الفرنسي على تونس عن طريق تكريس تبعية الفرنك التونسي للفرنك الفرنسي .

و إثر الاستقلال ، تم إحداث البنك المركزي التونسي بمقتضى قانون صدر في 19 سبتمبر 1958[29]. و قد عهد البنك المركزي مهمة بناء سيادة البلاد في المجال النقدي ، فكانت الدولة بهذا المنحى تأخذ منعرجا جديدا في تحقيق التحرر المالي من سلطة المستعمر. واحتكر البنك المركزي ” إمتياز إصدار النقود و مراقبة إصدار العملة “، وفي هذا الإطار فهو يراقب ترويج النقد و توزيع الإعتمادات و السهر على حسن سير النظام البنكي المالي .[30]

و لم يقع تنظيم المؤسسة البنكية بقانون وطني إلا سنة1967 و ذلك بصدورالقانون عدد67 –51 بتاريخ 7 /12 /67 و المنظم للمهنة البنكية.

و قد عرف هذا القانون الجديد العديد من التنقيحات الى غاية صدور القانون عدد65 لسنة2001 المؤرخ في10 جويلية2001 المنقح بالقانون عدد 12 لسنة2006 و المؤرخ في2 ماي2006 .

إن لمن المؤكد أن التشريع الوطني ، على غرار معظم التشريعات الأجنبية يضمن مبدأ حرية التجارة و الصناعة و يفسح المجال أمام المبادرة الفردية ، لكن إقرار هذا الإتجاه لم يمنع المشرع من إتخاذ سياسة حمائية الغاية منها الحفاظ على النظام العام و المصلحة الاقتصادية

و الاولى بتلك الحماية هو القطاع البنكي بوصفه يمثل عصب الحياة الاقتصادية .

لذلك كان لا بد من إرساء و حماية التقاليد و الأخلاقيات التي ينبني عليها واقع المعاملات البنكية المتميزة بالعنصر الشخصي ، و الذي بناءا عليه يتمتع البنكي بسلطة تقديرية في

مجال فتح الحسابات لفائدة طالبيه ، فوقع الإعتراف و لو ضمنيا برفض فتح حسابات الأشخاص الذين يصفهم العميد :” هامال” ” بغير المرغوب فيهم “.[31] و ذلك حماية للنشاط البنكي من المخاطر غير المنتظرة.

لكن الحقيقة أن هذه المخاطر لا تتأتى من جانب الحرفاء فحسب ، بل إنها تكون أشد عاقبة حينما يكون مصدرها من يتولى ممارسة المهنة البنكية ذاته .

ذلك أن البنكي[32] يتصرف في أموال ليست على ملكه ، بل هي أموال أعداد كبيرة من المواطنين ، الأمر الذي يلزم إحاطة هذه المهنة بتدابير و إجراءات تركز قواعد النزاهة والشفافية و تدعم عنصر الثقة الذي يربط بين البنكي و حريفه .

و”إلى غاية نهاية السبعينات كانت البنوك تتمتع بحصانة مما يجعلها مؤسسات لا يمكن المس من مصداقيتها.[33] و تعود هذه المكانة المتميزة حسب الفقه إلى سببين وهو طبيعة النشاط التي تقوم به البنوك مما يكسبها قوة و سلطة إلى درجة أنه لا يمكن لأي شخص التشكيك في مصداقيتها إضافة إلى أن البنوك التونسية كانت بمجملها مؤسسات عمومية وبالتالي فإن مهاجمتها يعني مهاجمة الدولة و ذلك لم يكن بالأمر الهين على المواطنين .”[34]

وتقع الإشارة في هذا الصدد أن في تونس مازال هذا التيار محتشما إذ تبقى قرارات فقه القضاء و الكتابات في هذا الموضوع محتشمة .[35]

ونظرا للمكانة المتميزة التي تتميز بها البنوك هناك من وصف البنكي بمثابة الشخص الذي يعير مطريته عندما يكون الطقس جميلا ويسترجعها حين تمطر.[36]

فهذه الصورة تعكس خطورة و حساسية العلاقات التي تربط مؤسسات القرض بحرفائها ناهيك الدور الاقتصادي الرئيسي الذي تلعبه بما انها تتصرف في الاموال إذ يؤكد الفقه على دور البنوك البالغ الاهمية في يومنا هذا في دعم و تمويل المشاريع بتوفيرها للسيولة.

و قد عرف الفصل2 م ت البنك ، بأنه تاجر يحترف عمليات الصرف و المصارف، فهو تاجر نقود .[37]

و يضيف البعض لموضوع تجارته،الاعتماد، ليكون تاجر نقود واعتماد .[38]

إذ اقترن وجوده بوجود النقد وهو ما تبرزه عبارة المصرف في حد ذاتها ، فأصلها في اللغة العربية مأخوذ من الصرف بمعنى بيع النقد بالنقد ، و هو أسم المكان الذي يتم فيه الصرف.[39]

وقد تولى الفصل348 م ت تعريف الصيرفي و اعطاه مدلولا واسعا حيث نص على : “يشمل مدلول كلمة صيرفي الاشخاص او المؤسسات المشبهة قانونا بالصيارفة “.

فأما الاشخاص فهم السماسرة في القيم المنقولة وقباض صناديق الخزينة العمومية ، في حين تتمثل المؤسسات المشبهة قانونا بالصيارفة في تلك المعدة للاقتراض اضافة لمكاتب الصكوك البريدية و هؤلاء و ان كانوا من المشبهين بالصيارفة الا انهم ليسوا من البنوك .

و تؤدي كلمة بنك [40] نفس المعنى بالرغم من ان عبارة المصرف اشمل قانونا من البنك.[41]

وقد إعتبر الفصل 2 من المجلة التجارية العمليات البنكية أعمالا تجارية دون أن يقم بتعريفها و عموما يعتبر الفقه العمليات المصرفية تلك التي ترتبط بتداول الأموال و بتوزيع القروض.

فهذه المؤسسة وقع تعريفها من خلال العمليات التي تقوم بها حيث نص الفصل2 من قانون 10جويلية 2001على :”تعتبر مؤسسة قرض كل شخص معنوي يحترف اعتياديا العمليات المصرفية. تشمل العمليات المصرفية :

– قبول الودائع من العموم ،كيفما كانت مدتها وشكلها،

– منح القروض بجميع اشكالها ،

– القيام كوسيط بعمليات الصرف،

– وضع وسائل الدفع على ذمة الحرفاء و اداراتها .

لمؤسسة القرض كذلك أن تقوم بالعمليات المرتبطة بنشاطها مثل الاستشارات و المساعدة في التصرف في الممتلكات وفي التصرف المالي و الهندسة المالية وبصفة عامة كل الخدمات التي تهدف الى تسهيل بعث المؤسسات و تطويرها واعادة هيكلتها .

كما يمكن لمؤسسة القرض المساهمة في رأس مال منشات قائمة أو مزمع بعثها وفقا للشروط المحددة بالفصلين21 و22 من هذا القانون” .

وقد وقع تعريف مؤسسة القرض من خلال الفصل 2 من القانون البنكي الذي ينص على : “تعتبر مؤسسة قرض كل شخص معنوي يحترف إعتياديا العمليات المصرفية .

الا أن مؤسسات القرض لا تشمل البنوك فقط بل وكذلك المؤسسات المالية حيث ينص الفصل 6 من نفس القانون على :” تشمل مؤسسات القرض البنوك و المؤسسات المالية .

لمؤسسات القرض ان تمارس العمليات المبينة بالفصل2 من هذا القانون و للبنوك دون سواها ان تتلقى ودائع من العموم كيفما كانت مدتها او شكلها”.

ومن خلال هذا القانون فان البنوك تتميز عن المؤسسات المالية بأنها الوحيدة القادرة على قبول الودائع من العموم كيفما كانت مدتها و شكلها .

و بما أن كل الدول تبحث عن الحلول الناجعة لتحقيق التقدم الاقتصادي و النماء، و تسعى لازاحة العراقيل التي تحول دون تحقيق هذا التقدم و هذا النماء ، و كما هو معلوم فان البنوك تقوم بدور جوهري و اساسي في حياتنا الاقتصادية حيث انها تمثل الدعامة و الركيزة الاساسية للتقدم الاقتصادي .

و بما أن اتجاه السياسات التشريعية المعاصرة يرمي الى تبني سياسة حمائية الغاية منها الحفاظ على النظام العام و المصلحة الاقتصادية ، وجب الحديث عن طرق تحقيق هذه الحماية بما في ذلك إقرار المسؤولية الجزائية لكل من يرتكب جريمة ماسة بالنظام العام و المصلحة الإقتصادية بما في ذلك البنكي , لكن ما المقصود بالمسؤولية الجزائية ؟

يقصد بالمسؤولية الجزائية :التزام الشخص بتحمل نتائج افعاله التي يخرق بها قاعدة قانونية

تتضمن تجريما لفعل و جزاء على خرقها .[42]

أي الإلتزام بتحمل الجزاءات التي يقررها القبانون لمن يخالف أحكامه ،أي إلتزام المجرم بتحمل عقوبة الجريمة التي ارتكبها .[43]

و لإدانة احد الأشخاص من أجل جريمة يجب ان يكون قد ارتكب الفعل المجرم مع إدراكه

بشرعية المنع.[44]

و قد عرفها البعض الاخر بأنها التزام شخص بتحمل العواقب التي تترتب على فعله الذي باشره مخالفا به أصولا وقواعد معيبة .[45]

فلتكون الجريمة مؤدية الى العقاب لا يكفي ان يكون هناك نص قانوني يجرم الفعل و ان يقوم شخص معين بارتكاب هذا الفعل ، بل يجب كذلك ان يكون الفاعل متمتعا بارادة حرة وواعية تجعل الفعل الذي قام به منسوبا او مسندا اليه .

ولكن إسناد أو نسبة الفعل المجرم لمرتكبه لا يكفي لادانته ، بل لتحصل هذه الادانة

يجب كذلك ان تكون ارادته ذات طبيعة معينة .[46](La culpabilité)

فتمتع المتهم بارادة حرة وواعية يجعل الفعل المحظور مسندا او منسوبا له .فالذي يرتكب الفعل المجرم بكل حرية و هو مدرك لنتائج افعاله يسأل جزائيا ويعرض للعقاب من اجل ما فعل .

فاساس المسائلة الجزائية هو إذن تمتع مرتكب الفعل المجرم بالقدرة على فهم عواقب الأمور و على التمييز بين الممنوع من الافعال و المباح منها .

و إذا كان الأمر كذلك ، فإنه اذا ثبت ان الفاعل كان فاقدا للتمييز او للإدراك في تاريخ الجريمة او كان في ذلك الوقت مكرها على ارتكاب الفعل المجرم فانه لا يعاقب من اجل ما فعل و ذلك لعدم اسناد الفعل المجرم له ، الشيء الذي يفقد الجريمة ركنها المعنوي و يمنع قيام المسؤولية الجزائية .

و لكي يقع اسناد الفعل المجرم لفاعله يجب ان يكون هذا الاخير قد قصد ارتكاب هذا الفعل

ليكون الركن المعنوي متوفرا في الجريمة ، الا اذا كان نص القانون بالنسبة لجريمة معينة

على أرتكاب الجريمة على وجه الخطا و بدون قصد يكون كافيا لادانة الفاعل و توفر الركن المعنوي في الجريمة .[47]

الا انه ونظرا لحساسية القطاع البنكي فان اقرار المسؤولية الجزائية للبنكي كان محل جدل فقهي حيث اختلفت الاراء حول نجاعة اقرار المسؤولية الجزائية للبنكي و انقسمت الى إتجاهين :

فالبعض لا يقبل ان تكون للبنكي مسؤولية جزائية لعدة اسباب يمكن حوصلتها في النقاط التالية:

– لا يمكن معاملة البنكي مثل المجرمين بمعاقبته بالسجن و الخطية .

– هذه العقوبات الزجرية ان اقرت، لا بد لها ان تقيد مسؤولية البنكي و تحرمه من مزيد الحرية في اتخاذ القرارات اللازمة خاصة وهو مطالب باتخاذ القرارات الصعبة .

– اذا كانت القاعدة القانونية ستقرر جزاءا زجريا للبنكي فان القاضي قد يمتنع عن توقيع هذا الجزاء و قد تبقى هذه العقوبات حبرا على ورق فلا فائدة من اقرارها و يجب بالتالي ان نكتفي و ندعم المسؤولية المدنية للبنكي .

ولقد تظافرت في فترة ما عدة اعتبارات ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية و فكرية وحضارية كانت تقف حائلا دون امكانية مسائلة البنوك ، اذ ان اغلبها كانت بعيد الاستقلال و الى نهاية السبعينات ، بنوكا قومية اغلبية راسمالها يرجع بشكل او باخر للدولة رغم ان تسييرها يتم طبق انظمة الشركات الخاصة الخاضعة للقانون التجاري بوصفها شركات خفية الاسم ، وهوما أدى الى اضفاء البعد المرفقي على نشاطها رغم ان هذا البعد كان محل جدل ، وقع على إثره استبعاده من مجال عمل البنوك في القانون الفرنسي .[48]

لكن اهمية الدور الذي تلعبه البنوك في البلدان التي هي بصدد النمو و المنتهجة لسياسة اقتصادية توجيهية مبنية على التخطيط ، جعل منها مطالبة بانجاح سياسات التنمية الاقتصادية ، و هو ما يبرر تشبيه الوظيفة البنكية بالمرفق العام في هذه الدول .

و في تونس و هي احداها ، لم يتعرض رجال القانون و لا المحاكم انذاك لمسؤولية البنكي بما تستحقه من عناية للاعتبارات المذكورة و التي ادت الى اكساب البنوك نوعا من “الحصانة” ، بوصفها تمثل جزءا من مؤسسات الدولة التي هي احد رموز السيادة االوطنية والاقتصاد الوطني .

خاصة و الدولة لا تزال حديثة العهد بالاستقلال و هي بصدد تركيز منظومتها المؤسساتية ولم يكن من الهين تمكين اي كان من منازعة هذه المؤسسات و التي من بينها البنوك .

لكن هناك رأيا اخر يرى ضرورة ان ندخل القانون الجزائي في مادة المعاملات المصرفية ، – و ذلك لان مجال تدخل المصارف هو هام ويمس بالدعامات الاساسية للاقتصاد .

بمعنى ان كل مخالفة او جريمة مصرفية ربما تؤدي الى المساس بالهيكلية الاقتصادية وتجعل المواطنين لا يثقون في المصارف فقط وإنما حتى في الدولة .

– ثانيا: فان هناك مبدأ المساواة بين المواطنين الذي يقتضي عدم الاقتصار على معاقبة المواطن العادي الذي ياتي سلوكا مخالفا للقانون ، بل و ايضا وضع عقوبات للبنكي في صورة اتيانه هو الاخر سلوكا مخالفا للقانون .

– ثالثا : ان هذه العقوبات الزجرية ، ربما هي التي ستدفع بالمواطنين الى مزيد الثقة بالصيرفي و ببنوكنا .

و فعلا يظهر ان هذا الاتجاه الثاني هو الذي تبناه المشرع التونسي ، فلا يكاد يصدر نص الا و نلاحظ في نهاية فقرته الاخيرة تنصيصا على عقوبات زجرية او احكام زجرية .

بالتالي اصبح للصيرفي الان بالاضافة الى الخطر الاقتصادي الذي يهدده خطر قانوني لا يتمثل فقط في المسؤولية المدنية و انما يتمثل ايضا في المسؤولية الجزائية .

وبالتالي تأتي المسؤولية الجزائية كمقابل لما يتمتع به البنك من حرية و امتيازات في ممارسة مهنته. و بالتالي فان خرق اي قاعدة قانونية من قبل هذا الاخيرسيولد حتما مسؤوليته الجزائية.

فقد تولى المشرع تنظيم القطاع البنكي محاولا الإحاطة بجميع جوانبه سواء كان ذلك من خلال القانون المنظم للمهنة البنكية أو من خلال مختلف القوانين و النصوص الخاصة . فالمسؤولية الجزائية في هذا الصدد لا تشمل فقط البنك كشخص معنوي حيث تكون مسؤوليته مستقلة عن مسؤولية من يعمل به و انما تمتد الى مستخدميه .

فيمكن لهذه المسؤولية الجزائية ان تسلط بصفة شخصية اي على الشخص الذي قام ماديا بارتكاب الجريمة او ان تسلط مباشرة على الشخص المعنوي خاصة و ان فقه القضاء بدأ في الأخذ شيئا فشيئا باقرار المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي ، بعد تضارب الاراء و ظهور تيارين متناقضين الاول ينفي المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي و الثاني مقر لها.

لقد تحتم الاخذ بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي على نطاق واسع في مختلف التشريعات خاصة وان الذوات المعنوية اصبحت اليوم تمثل قوة باعتبارها المحرك الأساسي

للميدان الاقتصادي وليس من المصلحةأن تبقى تلك الذوات بمنأى عن المسائلة الجزائية فحصانة الشخص المعنوي تتصادم مع متطلبات الزجر، وذلك اعتبارا للقدرات والوسائل الهامة التي يمتلكها والتي قد تشكل احيانا مصدرا لتعديات خطيرة.

وبذلك كان إقرار المسؤولية الجزائية للاشخاص المعنوية يستجيب الى ضرورة المحافظة على نجاعة القانون الجزائي وهي ضرورة حتمية .

وأمام هذه التفاعلات الاقتصادية و التطورات القانونية فقد كان للتشريع الجزائي التونسى موقفه من الموضوع ،حيث قبل باقرار المسؤولية الجزائية قي عدة نصوص خاصة و لم يفبل بها على غرار المشرع الفرنسي[49] في نص كمبدأ عام رغم أن وجود الفصل37 من المجلة الجزائية الذي ينص :”لا يعاقب احد الا بفعل ارتكب قصدا عدا الصور المقررة بوجه خاص بالقانون “،يأول على انه اقصاء مبدئي لمسائلة الشخص المعنوي لاعتبار ان العقاب لا يكون الا لفعل ارتكب قصدا ولامجال للحديث عن القصد عند مسائلة الشخص المعنوي.

إلا أن هذا لا ينفي إقرار المشرع لمسؤولية الذات المعنوية في عديد النصوص الخاصة.

كما أن فقه الفضاء اقر هذا التوجه من ذلك قرار محكمة التعقيب عدد6164 المؤرخ في19 مارس 2001 :

حيث رات ان :”لاشيء يفيد ارتكاب المعقب ضده للمخالفات المحال من اجلها مباشرة والحال انها تنسب للشركة في شخص مميلها القانوني”.

كذلك اقرت محكمة التعقيب مسؤولية الشخص المعنوي في قرار عدد7221 المؤرخ في 16ديسمبر2004 حيث عابت موقف محكمة الاستاناف لاستبعادها مؤاخذة الذات المعنوية في شخص ممثلها القانوني واعتبرت لذلك موقفها سطحي لم ينفذ الى عمق التطورات التشريعية و الفقهية في هذا الصدد.

ونظرا لحساسية القطاع واهميته على المستوى الاقتصادي و استقرار المعاملات حاول المشرع الاحاطة به من جميع جوانبه وذلك باقرار العقوبات اللازمة لزجر مرتكبي الجرائم البنكية .

وفي هذا الاطار يطرح التساؤل الأتي : كيف تبرز أهمية المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي؟

تكمن أهمية المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي من خلال تعدد النصوص التشريعية المقرة لهذه المسؤولية ، فالمشرع تولى تنظيم الميدان البنكي بعديد النصوص ،فهذه القوانين الجزائية متعددة بتعدد مصادرها ، حيث نجد كما هائلا من النصوص ، فبالإضافة إلى التشريع البنكي سواء القانون المتعلق بتنظيم مؤسسات القرض أو القانون المتعلق بتنظيم البنك المركزي التونسي نجد قوانين عديدة تقر المسؤولية الجزائية للبنكي و ذلك رغبة من المشرع التونسي في تنظيم المهنة و تنظيم القطاع البنكي رغم ندرة التطبيقات القضائية في هذا المجال .

كما ان المتأمل في المسؤولية الجزائية للبنكي يلاحظ انها تخرج نوعا ما عن النظرية العامة أي عن قواعد القانون الجزائي الخاص و القانون الجزائي العام. إذ تتميز الجرائم البنكية كغيرها من الجرائم المالية بخصوصيات تميزها عن بقية الجرائم .

لذلك سوف نتعرض في تحليلنا لهذا الموضوع إلى تعددع الأطر القانونية المكرسة للمسؤولية الجزائية في الميدان البنكي (في الجزء الأول ) والى خصوصية المسؤولية الجزائية في هذا الميدان (في الجزء الثاني ) .

الجزء الاول: تعدد الأطر القانونية المكرسة للمسؤوليةالجزائية في الميدان البنكي

لقد عملت التشريعات المختلفة على تنظيم عمل المصارف لأهميتها الاقتصادية بشكل يحول

دون أية هزة مالية أو نقدية قد تقضي على الثقة المطلوبة في المعاملات الداخلية والدولية ،

وأولى أدوات تلك الثقة ما يجب ان تتقيد به المصارف من تعاميم تصدرها البنوك المركزية .

والى جانب تلك التعاميم يدخل التشريع الجزائي كعامل ردع عقابي يفرض الاحكام الجزائية المفروضة لكل مخالفة قد يرتكبها المصرف بحق زبائنه او عملائه او تجاه مصارف اخرى[50]

وتعرف المسؤولية الجزائية بكونها التزام شخص بتحمل العواقب التي تترتب عن فعله

المخالف لاضول وقواعد معينة . و يخلص مما ذكرأن المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي تترتب عن ارتكاب المخالف لجريمة بنكية ، و المقصود بالمخالف هنا البنك كذات معنوية او الشخص الطبيعي نفسه اي مستخدم البنك ، وذلك نظرا لشمولية العبارة :”المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي”. اي عند مخالفته لاحكام المهنة البنكية .

غير ان الجريمة البنكية تتنوع و تتخذ اشكالا متتعددة و هو تنوع يفرضه تعدد مصادر التجريم ، وهو ما سنلمسه عند بحثنا اولا في المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي على معنى القانون المنظم للمهنة البنكية و ثانيا المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي خارج القانون المنظم للمهنة البنكية.

الفصل الاول :

المسؤولية الجزائية في اطار القانون المنظم للمهنة البنكية

يقصد بالقانون المنظم للمهنة البنكية [51] : القانون عدد90 لسنة 1958المؤرخ في19 سبتمبر 1958 المتعلق بانشاء و تنطيم البنك المركزي التونسي والمنقح بالقانون عدد26 لسنة 2006المؤرخ في15 ماي 2006[52] اضافة للقانون عدد65 لسنة2001 المؤرخ في10 جويلية

2001 و المتعلق بتنظيم مؤسسات القرض و المنقح بالقانون عدد 12 لسنة2006 المؤرخ في 2ماي2006 .

وعند دراسة هذا القانون نستخلص ان المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي تقوم عند خرق القواعد المتعلقة بحماية المهنة البنكية و كذلك عند خرق القواعد المتعلقة بحماية الحريف[53] .

الفرع الأول :خرق القواعد المتعلقة بحماية المهنة البنكية

يتجلى خرق القواعد المتعلقة بحماية المهنة البنكية و التي تدخل في إطار القانون المنظم للمهنة البنكية سواء كان ذلك من خلال القانون المتعلق بانشاء و تنظيم البنك المركزي أو من خلال القانون المتعلق بمؤسسات القرض ،في خرق القواعد المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية أو خرق الإجراءات المفروضة من قبل البنك المركزي.

المبحث الأول : الجرائم المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية

تتضمن الجرائم المتعلقة بالمهنة البنكية ،جريمة ممارسة العمليات المصرفية بدون رخصة و جريمة إستعمال اساليب من شأنها احداث لبس مع الغير حول صنف المؤسسة ، و كذلك جريمة خرق التحجيرات المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية .

الفقرة الأولى : جريمة ممارسة العمليات المصرفية بدون رخصة

لقد تولى المشرع التونسي تنظيم هذه الجريمة من خلال القانون المنظم لمؤسسات القرض[54] إذ ينص الفصل14 منه على :”مع مراعات أحكام الفصل الأول من هذا القانون ، يحجر على كل شخص غير مرخص له بصفة مؤسسة قرض أن يمارس العمليات المصرفية بصفة إعتيادية و يحجر على كل مؤسسة قرض مرخص لها ان تستعمل اساليب من شانها احداث لبس لدى الغير حول صتفها …..”

كما ينص الفصل51 من نفس القانون :”تعاقب بالسجن من ثلاثة اشهر الى ثلاثة اعوام و بخطية تتراوح من5000 الى50000 ديناراو باحدى العقوبتين فقط كل مخالفة لاحكام الفقرة الاولىمن الفصل14 من هذا القانون . وتضاعف العقوبة عند العود. وتقريبا نجد نفس التوجه في التجريم و العقاب بالنسبة للقانون الفرنسي و ربما يعود ذلك إلى إعتبار أن التشريع الفرنسي هو المصدر المادي للتشريع التونسي .[55]

أ – تعريف الجريمة :

إن افتقاد الرخصة القانونية يمثل الركن السلبي في جريمة ممارسة المهنة البنكية دون رخصة . و لا ريب ان اخضاع حق تعاطي النشاط البنكي الى اجراء الرخصة المسبقة يفرض الحد من حرية الصناعة و التجارة .[56]

الا أنه يؤكد مرة اخرى مظهر الدولة المتدخلة وتوسيع من صلاحياتها ، لأن نظام الترخيص يفترض تمتيع الدولة بسلطة تقديرية في إسناد أو رفض رخصة و ذلك بتمكين الادارة من ممارسة رقابة مسبقة و هذا النظام وان كان يتناقض مع مبدا الحرية الا انه يتماشى مع مستلزمات الحفاظ على سياسة اقتصادية مميزة .

و يجرم المشرع من خلال هذا الفصل ممارسة العمليات المصرفية بصفة اعتيادية بدون رخصة .

ففيما يخص العمليات المصرفية فانها تشمل قبول الودائع من العموم كيفما كانت مدتها وشكلها، و قد عرف هذا القانون الودائع بانها الاموال التي يتسلمها كل شخص من الغير على سبيل الوديعة او غير ذلك و الا يكون له حق التصرف فيها لضرورة القيام بنشاطه المهني مع وجوب ارجاعها لاصحابها .

و قد حددها هذا القانون عن طريق اعتماد اسلوب التعداد السلبي اي بعرض ما يخرج عن اطار الودائع و هو ما يستنتج من خلالها شساعة مجال الودائع ، فالمبدا ان كل الاموال يمكن ان تمثل ودائع لكن لهذا المبدأ إستثناءات .

و إلى جانب قبول الودائع ، يعد من قبيل العمليات المصرفية منح القروض بجميع أشكالها.

ويعتبر فرضا على معنى هذا القانون كل تصرف يقوم به شخص بمقابل ، يضع بموجبه أموالا على ذمة شخص اخر أو يأخذ بموجبه لفائدة ذلك الشخص التزاما بالتوقيع .

و تدخل في حكم القرض عمليات الايجار المالي و إدارة الديون لأن هذه الأحكام لا تشمل القروض التي تمنحها المؤسسات التجارية لحرفائها من أجل التزويدات والقيام بخدمات ، وكذلك القروض الممنوحة من قبل المؤسسات الأم لفائدة فروعها ، و تفترض مختلف هذه العمليات المصرفية الحصول على ترخيص مسبق لممارستها ويمنح هذا الترخيص بقرارمن وزير المالية على أساس تقرير من البنك المركزي، و في صورة عدم الحصول على الترخيص و ممارسة العمليات المصرفية تقوم الجريمة .

ب – شروط الحصول على رخصة :

للحصول على رخصة تخول للمؤسسة الطالبة الالتحاق بميدان النشاط البنكي ، يضبط القانون عدة شروط ينبغي ان تتوفر في مطلب الرخصة ، وتتعلق هذه الشروط بذات المؤسسة الطالبة للترخيص من حيث شكلها وكفاءتها و برنامج نشاطها إلى جانب الأشخاص المشرفين على تسييرها

1 -الشروط الخاصة بالمؤسسة :

تمنح الرخصة لممارسة المهنة البنكية على اساس مبدا الاختصاص حيث ينص الفصل 8 من قانون المهنة على : ” يرخص لمؤسسة القرض في ممارسة نشاطها كبنك او كمؤسسة مالية بقرار من وزير المالية على اساس تقرير من البنك المركزي التونسي” .

كما ينص الفصل الثاني من هذا القانون انه :” تعتبر مؤسسة قرض كل شخص معنوي يحترف اعتياديا العمليات المصرفية .

تشمل العمليات المصرفية :

– قبول الودائع من العموم ، كيفما كانت مدتها و شكلها

– منح القروض بجميع اشكالها ،

– القيام كوسيط بعمليات الصرف ،

– وضع وسائل الدفع على ذمة الحرفاء و ادارتها .

لمؤسسة القرض كذلك ان تقوم بالعمليات المرتبطة بنشاطها مثل الاستثمارات و المساعدة في التصرف في الممتلكات و في التصرف المالي و الهندسة المالية و بصفة عامة كل الخدمات التي تهدف الى تسهيل بعث المؤسسات و تطويرها واعادة هيكلتها .

كما يمكن لمؤسسة قرض المساهمة في راس مال منشات قائمة او مزمع بعثها وفقا للشروط المحددة بالفصلين21 و22 من هذا القانون .”

و بالتالي فعلى كل من يرغب في تكوين مؤسسة يتمثل برنامج نشاطها في العمليات المصرفية الوارد ذكرها بالفصل الثاني سابق الذكر ان يحصل قبل الشروع في ممارسة نشاطه بالبلاد التونسية على الترخيص وفقا للشروط المحددة بهذا القانون .

وتتمثل الشروط الخاصة بالمؤسسة و الواجب توفرها في مطلب الرخصة في العنصر الشكلي حيث يشترط أن يكون البنك على شكل معين وقع تحديده من قبل المشرع إضافة إلى

العنصر المالي المتمثل في تحديد رأس المال الواجب إحترامه إضافة إلى كفاءة المؤسسة

و برنامج نشاطها .

العنصر الشكلي :
للالتحاق بالمهنة البنكية يشترط القانون في طالب الترخيص ان يكون في شكل مؤسسة و قد تولى المشرع تحديد نوع المؤسسة المخول لها اكتساب صفة بنك باعتبار ان الفصل12 المتعلق بمؤسسات القرض ينص على انه :” لا يجوز انشاء مؤسسة قرض خاضعة لاحكام هذا القانون و كائن مقرها الاجتماعي بالبلاد التونسية الا في شكل شركة خفية الاسم عدا ما استثناه القانون .”

و هكذا نستنتج من احكام هذا الفصل ان المبدأ في تكوين البنوك هو اتباع شكل الشركات خفية الاسم ، الا في حالات استثنائية ترد بها قوانين خاصة. ويفسر إختيار شكل الشركة خفية الإسم بإعتبارات إقتصادية و تقنية.

العنصر المالي :
لئن اشترط المشرع ضرورة اتباع شكل الشركة خفية الاسم في تكوين البنك فانه على المستوى المالي افرد البنك بمعاملة خاصة تميزه عن الاحكام المعروفة في مادة الشركات خفية الاسم .

و قد قام المشرع بتحديد رأس المال الأدنى للمؤسسة البنكية مع الملاحظ ان هذا التحديد لم يكن مستقرا إذ تدخل المشرع في عديد المناسبات للتعديل من قيمة رأس المال الادنى للبنك وذلك لمواكبة التطورات الاقتصادية .

اذ ينص الفصل 13 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض على :” كل مؤسسة قرض ان تثبت عند احداثها ان راس مالها لا يقل عن :

– خمسة و عشرين مليون دينار بالنسبة لمؤسسة القرض التي تم الترخيص لها بصفة بنك . وقد اضيفت هذه الفقرة بالتنقيح الجديد لسنة2006 .

1-3- كفاءة المؤسسة :

ينص الفصل 9 من القانون المنظم لمؤسسات القرص على :” يمنح الترخيص إعتمادا على برنامج نشاط المؤسسة الطالبة و الوسائل التقنية والمالية التي تنوي إستعمالها و صفة أصحاب رؤوس الأموال و صفة ضامنيهم عند الإقتضاء و سمعة و كفاءة مسيريها ، ويعتمد أيضا لمنح الترخيص على مدى قدرة المؤسسة الطالبة على تحقيق أهدافها التنموية حسب شروط تتماشى مع حسن سير النظام المصرفي و توفر للحرفاء ضمانات مرضية .”

إن المؤسسة الطالبة للترخيص يجب أن تكون ذو خبرة وكفاءة عالية وقدرة على تحقيق الأهداف الإقتصادية و التنموية وذلك من خلال أنشطتها ووسائلها المعتمدة كما يجب أن تتماشى مع حسن سير النظام المصرفي .

2- الشروط المتعلقة بالمسيرين :

2-1- خلو المسير من التحجيرات:

على كل من يرغب في تعاطي المهنة البنكية ان يكون خاليا من التحجيرات الوارد ذكرها بالفصل26 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض.

حيث يمنع اي شخص كان من ادارة او التصرف او تسيير او مراقبة مؤسسة قرض او وكالة مؤسسة قرض او الالتزام باسمهما ، اذا قام بتزوير للكتابات او بالسرقة او بخيانة المؤتمن او بالتحيل او بارتكاب جنحة تعاقب عليها القوانين المتعلقة بالتحيل و الاستيلاء على اموال او قيم الغير او الاختلاس المرتكب من طرف مؤتمن عمومي او اصدر لشيك بدون رصيد او اخفى اشياء وقع الحصول عليها بواسطة هذه المخالفات او خالف التراتيب الخاصة بالصرف

او كان قد صدر عليه حكم بات بالافلاس او كان متصرفا او وكيلا لشركات وقع التصريح بافلاسها او اذا كان قد صدر عليه حكم بمقتضى الفصلين288 و289 من المجاة الجزائية المتعلقين بالتسبب في الافلاس .

كما يعاقب الفصل 52 من نفس القانون بالسجن من شهر الى عام و بخطية تتراوح من 1000 الى 10000 ديناراوبا حدى العقوبتين فقط كل من يخالف احكام الفصل26 من هذا القانون. وتضاعف العقوبة عند العود .[57]

كما يمكن اضافة لشرط خلو المسير من التحجيرات شرط الشهادة العلمية و اخلاق المهني واستقلاله .

2-2- اشتراط الشهادة العلمية :

” إن ممارسة المهنة تتطلب حذقا خاصا و دراية نظرية و تطبيقية فلا يمكن بذلك ممارسة اي مهنة قبل الحصول على الشهادة العلمية التي تخول ممارستها .”[58]

لم تشر النصوص التشريعية المنظمة لنشاط البنوك الى ذلك لا من قريب أو من بعيد و لكن التطبيق و العمل اليومي ، وضع تقليدا سرعان ما اصبح مبدا عاما يسعى لعدم السماح سوى لذوي الخبرة بالالتحاق بالبنوك .

2-3- أخلاق المهني :

و المقصود هنا أن يكون العامل بالبنك نقي السريرة بعيد عن كل شبهة ، ” فمصلحة الحرفاء و العموم تدعو الى غلق المهنة البنكية امام اشخاص معينين “.[59]

فما لا ريب فيه ان الاعتبارات الشخصية تؤخذ في الحسبان طالما ان الثقة هي المحرك والدافع لكل علاقة رابطة بين البنك و حريفه ،فاعتبار المهني امينا بالضرورة لا يمكن ان يترك اخلاقه خارج مرماه .

2-4- استقلالية المهنة :

تستوجب العلاقة او العهد الذي يربط البنك بالمتعامل معه منحه الحرية الكافية و الاستقلال

عن بقية المهن ، حتى لا يتسن له استعمال صلاحياته بجمعه لاكثر من وظيفة . اذ ينص الفصل25 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض انه: ” لا يمكن للرئيس المدير العام او

المدير العام او المدير العام المساعد او رئيس او عضو هيئة الادارة الجماعية لمؤسسة قرض ان يباشر في نفس الوقت اي وظيفة من تلك الوظائف في مؤسسة قرض اخرى او في شركة تامين .

و بالتالي يجب الحفاظ على قدر من الاستقلالية وفقا لما هو معروف و شائع، فالانطباع الذي يعطيه المهني لاول مرة ينبع من طريقة معاملته للحريف الذي تختلف طباعه من شخص لاخر و حسب الظروف .

3 – سلطة الادارة في إسناد الرخصة

يستخلص من خلال الفقرتين الاولى والثانية من الفصل9 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض اللتان تنصان على :”يمنح الترخيص اعتمادا على برنامج نشاط المؤسسة الطالبة و الوسائل التقنية والمالية التي تنوي استعمالها و صفة اصحاب رؤوس الاموال وصف ضامنيهم عند الاقتضاء وسمعة وكفاءة مسيريها.و يعتمد ايضا لمنح الترخيص على مدى قدرة المؤسسة الطالبة على تحقيق اهدافها التنموية حسب شروط تتماشى مع حسن سير النظام المصرفي و توفر للحرفاء ضمانات مرضية.”

إن الإدارة تتمتع في اسناد الرخصة بسلطة تقديرية واسعة ونتيجة لذلك يمكن ان يفتح امام الإدارة سلطة تعسفية في اسناد الرخصة من عدمها بما انها حرة في تقدير “مدى قدرة المؤسسة الطالبة للرخص لتحقيق اهدافها التنموية”.

فمن الممكن تصور قيام الادارة برفض الرخصة بحجة عدم امكانية الطالب تحقيق اهداف تنموية لا سيما وان هذه الاهداف يبقى تقديرها خاضع لكثير من الاعتبارات الذاتية.

فالسلطة التقديرية المخولة للادارة تعطيها مجالا من الحرية بحيث انه يمكنها اخذ القرارالذي تتجاوب معه ،فهي لا تجد نفسها مقيدة بمعايير واضحة لا تقبل التاويل.[60]

لكن هذه الحرية لاتعني افلات الادارة من المراقبة وذلك حفاطا على حقوق الافراد وحماية لمبدا الصناعة والتجارة باعتبار ان الرخصة قد تم اقرارها اساسا من اجل تطهير المهنة او اقصاء العناصر غير المرغوب فيهم .[61]

الفقرة الثانية : جريمة إستعمال أساليب من شأنها إحداث لبس مع الغير حول صنف المؤسسة

ينص الفصل14 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض على :” مع مراعات احكام الفصل الاول من هذا القانون ،(…)يحجر على كل مؤسسة قرض مرخص لها ان تستعمل اساليب من شانها احداث لبس لدى الغير حول صنفها…”

كما يعاقب الفصل51 من نفس القانون بالسجن من ثلاثة اشهر الى ثلاثة اعوام و بخطية تتراوح من5000 الى50000 دينار او باحدى العقوبتين فقط كل مخالفة لاحكام الفصل14 من هذا القانون .

ولابد من الملاحظة عدم توضيح المشرع لقصده من خلال استعماله مصطلح” صنف” الوارد بالفصل14 كما ان مصطلح “اساليب” يعتبر مصطلحا شاسعا و مطلقا و لسائل ان يسال ما هي هذه الاساليب ؟ و اذا اعتبرنا أن المشرع اراد بهذا المصطلح احتواء جميع الافعال و التصرفات التي تحقق اللبس و هو ما يحيل الى ان العبرة تكون بتحقيق اللبس ففي

حالة تقديروقوعه لا يصبح للفعل في حد ذاته اهمية النتيجة التي حققها ، الا ان هذا التمشي يتعارض مع القاعدة الجزائية العامة ” لا جريمة بدون نص” و التي تولى قيمة هامة لتحديد الفعل و خاصة تكييفه ، فالتكييف هو الهاجس الاساسي للمشرع و لرجال القانون عامة.

ومن هنا يمكن القول ان تنقيح 2006 لم يرفع اللبس عما يشوب الجرائم المتعلقة بمؤسسات القرض .

كما يحجر من خلال الفصل14 من نفس القانون: على كل شخص غير مرخص له بصفة مؤسسة قرض أن يدرج عبارات” بنك ” او “مصرف” او “صاحب بنك” او “مؤسسة قرض” أو “مؤسسة مالية” ، في تسميته التجارية او إسمه الجماعي او فيما يقوم به من اشهار او ان يستعمل هذه العبارات بأية صورة من الصور في نشاطه كما يحجر استعمال اي تسمية اخرى من شانها الايحاء بان المؤسسة هي مؤسسة قرض. وتقريبا نفس محتوى هذا الفصل نجده في القانون الفرنسي .[62]

إن مصطلح “من شأنها الايحاء ” الذي استعمله المشرع يتعلق بالفعل ذاته ولا يهتم ان كان من قام بالفعل كان يقصد الوصول الى هذا الايحاء ام لا ، و بالتالي فان هذه الجريمة وان افترضت وجود العلاقة السببية بين الفعل و النتيجة ،الا ان الايحاء ليس محددا بظروف او دلالات معينة و بالتالي يطرح السؤال حول من له صلاحية تقدير مدى تحقق الايحاء من

عدمه، وان سلمنا بانه القاضي فهل من الصواب ان يمتعه المشرع بصلاحية مطلقة في خصوص الايحاء.

الفقرة الثالثة : خرق التحجيرات المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية

ينص الفصل 26 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض :” لا يمكن لاي كان ان يدير او يتصرف او يسير او يقوم بمراقبة مؤسسة قرض او وكالة مؤسسة قرض او يلتزم باسمهما :

– اذا كان قد صدر عليه حكم من اجل ارتكاب التزوير بالكتابات او السرفة او خيانة المؤتمن او التحيل او ارتكاب جنحة تعاقب عليها القوانين المتعلقة بالتحيل او الاستيلاء على اموال او قيم الغير او الاختلاس المرتكب من طرف مؤتمن عمومي او اصدار شيك بدون رصيد او اخفاء اشياء وقع الحصول عليها بواسطة هذه المخالفات او مخالفة التراتيب الخاصة بالصرف ،

– اذا كان قد صدر عليه حكم بالافلاس ،

– اذا كان متصرفا او وكيلا لشركات وقع التصريح بافلاسها او اذا كان قد صدر عليه حكم بمقنضى الفصلين288 و289 من المجلة الجزائية المتعلقين بالتسبب في الافلاس”.

و بإستقراء أحكام هذا الفصل نتبين أن تلك التحجيرات تتعلق باشخاص معيينين كما تهم وضعيات معينة ، مع العلم أنها ليست أبدية بإعتبار أن هناك صور قانونية لإنقضائها .

كما ينص الفصل 25 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض أنه :” لا يمكن للرئيس المدير العام او المدير العام او المدير العام المساعد او رئيس او عضو هيئة الادارة الجماعية

لمؤسسة قرض ان يباشر في نفس الوقت اي وظيفة من تلك الوظائف في مؤسسة قرض اخرى او في شركة تامين .

كما لا يمكن للرئيس المدير العام او المدير العام او المدير العام المساعد او رئيس او عضو هيئة الادارة الجماعية لبنك ان يباشر في نفس الوقت وظيفة عضو مجلس ادارة في بنك اخر”.

ومن خلال هذا الفصل نستنتج أن المشرع يحجر الجمع بين وظيفتين في مؤسستي قرض مختلفتين أو بين مؤسسة قرض و شركة تأمين و ذلك حفاظا على استقلالية المهنة و سعيا منه للحد من المنافسة الغير مشروعة

أ-الأشخاص المحجور عليهم تعاطي المهنة البنكية

بالرجوع للفصل السابق نجد قائمة في أنواع الاشخاص المحجور عليهم تعاطي المهنة البنكية و الملاحظ أن هذه القائمة وردت على سبيل الحصر و يمكن تفصيل اسباب التحجيرات التي نصت عليها وفق النحو الاتي :

1 – جريمة إرتكاب التزوير بالكتابات :

تتمثل هذه الجريمة في القيام بادخال تغييرات على اصل كتب سواء بالتغيير او بالتبديل لمحتواه باي وسيلة كانت ، وسواء ارتكب التزوير من قبل اي موظف عمومي او شبهه او اي شخص اخر و ذلك وفق ما وردت به الفصول 172 جنائي و ما بعده.[63]

2- جريمة السرقة

و هي جريمة الفصل258 جزائي[64] وما بعده ، و تعرف السرقة بكونها اختلاس متاع الغير وهذه الجريمة في مطلق احوالها سواء كانت مجردة (الفصل264 ج )او موصوفة (الفصول260 ، 261 ، 262 ، 263)، يجب ان يصدر في شانها حكم يثبت الادانة ، الامر الذي يترتب عليه اليا ضرب التحجير على الجاني

3-جريمة خيانة المؤتمن :

و هي موضوع الفصل 297 جزائي [65]، و الخيانة في مطلق احوالها موجبة لايقاع التحجير من ممارسة المهنة البنكية . سواء كانت الخيانة مجردة وفقا احكام الفقرة الاولى من الفصل المذكور ، حيث تنبني الخيانة على علاقة عقدية سابقة ذكرت صورها على سبيل الحصر . او كانت خيانة موصوفة حينما يقترفها اشخاص لهم علاقة خاصة بالضحية تاتي على ذكرهم الفقرة الثانية من الفصل المذكور.

4- جريمة التحيل :

و هي موضوع الفصل291 جزائي[66] ، حيث جاء بتعداد الافعال الاحتيالية التي تتسبب في تسلم او محاولة تسلم اموال الغير ، و الملاحظ ان الفصل26 من قانون المهنة يتوسع في الاخذ بهذه الجريمة و ذلك بالحاق الجنح التي يعاقب عليها الفصل291 و التي من بينها

جرائم الفصلين292 و293 جزائي حيث يعتبر مرتكبها متحيلا على معنى الفصل 291.

5- جريمة الاستيلاء على اموال او قيم الغير:

الملاحظ ان عبارة “الغير” كضحية لعملية الاستيلاء وردت على سبيل الاطلاق ، لذلك يمكن اعتبار كل شخص سواء كان طبيعيا او معنويا او حتى الدولة تندرج ضمن “الغير” ، فالاموال او القيم موضوع الاستلاء يمكن ان تكون خاصة او عامة .

6- جريمة الاختلاس المرتكبة من طرف مؤتمن عمومي :

و هي موضوع الفصول 99 و ما بعده جزائي ، والجريمة هنا يمكن ان تتسلط على اموال عمومية او خاصة ،كما يمكن ان تتعلق بكتابات او وثائق توصل اليها بمقتضى وظيفته .

7- جريمة اصدار شيك بدون رصيد :

و هي موضوع الفصل411 مجلة تجارية ، و الملاحظ ان عقاب هذه الجريمة هو نفس العقاب ا لمرصود لجريمة التحيل لان اصدار شيك بدون رصيد يندرج ضمن افعال التحيل التي يعاقب عليها الفصل 291 جزائي، فهذه الجريمة تقع تحت طائلة القوانين التي تعاقب

على التحيل بطبيعة مكوناتها ، لذلك فان تخصيصها بالذكر مرة اخرى ضمن الفصل 26 من قانون المهنة كان من الممكن الاستغناء عنه .

8- جريمة اخفاء اشياء وقع الحصول عليها بواسطة المخالفات المذكورة

تعني هذه الجريمة وجها من وجوه المشاركة في الجرائم التي سبق تعدادها ، و هذه الصورة من صور المشاركة وردت بها الفقرة الرابعة من الفصل 32 جزائي . و قد اشار النص الى نوع واحد من هذه المشاركة و هي التي ترتكب بشكل لاحق على قيام الجريمة الاصلية ، الامر الذي يعني استبعاد المشاركة المصاحبة او السابقة للجريمة من دائرة التحجير.

9- جريمة مخالفة التراتيب الخاصة بالصرف

و هي ارتكاب الجرائم الصرفية التي تتمثل في مخالفة احكام المجلة الصرفية الصادرة بمفتضى القانون عدد 18 المؤرخ في 22/1/1976 [67] و غيرها من التراتيب الصرفية التي تضبطها السلط المختصة المخول لها تنظيم ميدان المعاملات الصرفية .

10- التاجر المفلس .

انه التاجر الذي صدر بشانه حكم بات بالافلاس ، ويصبح في حالة تحجير من التصرف في ممتلكاته، و اذا كان المفلس محروما من ممارسة اي نشاط تجاري طالما لم يستعد

إعتباره ، فإن هذا المنع ينسحب بالضرورة على ممارسة المهنة البنكية باعتبارها نشاطا تجاريا [68].

و يضيف الفصل 26 من قانون المهنة ، ان التحجير ينسحب ايضا على :” اذا كان متصرفا او وكيلا لشركات وقع التصريح بافلاسها او اذا كان قد صدر عليه حكم بمقتضى الفصلين288و 289 من المجلة الجزائية المتعلقين بالتسبب في الافلاس .

و تتجلى جريمة التسبب في الافلاس في مظهرين : الاول حين يقوم التاجر الذي يوجد في حالة عجز عن الدفع بتفليس نفسه تدليسا منه واحتيالا وهي صورة الفصل 288 ، و الثاني حين يقوم التاجر بتفليس نفسه بسبب اهماله و عدم احتياطه وهي صورة الفصل 28

ب – الوضعيات المحجرة

إن التحجيرات الواردة بالفصل 25 السابق ذكره و الذي تم تنقيحه بالقانون عدد19 لسنة2006 المؤرخ في 2ماي2006 تتعلق بحالات موضوعية تتمثل في الجمع بين بعض الوظائف الى جانب تحديد المهام التي يلحقها التحجير.

و يستنتج من هذا الفصل انه لا يمكن لاي كان ان يدير او يسير او يلزم في نفس الوقت بنكين أو بنكا و شركة تامين .

و الغرض من اقرار هذا المنع هو جعل كل من يتحمل مسؤولية الادارة او التسيير او الوكالة

لدى بنك يتفرغ لمهامه . و لعل هذا المنع يعبر عن عدم امكانية التوفيق بين مصالح مؤسستين ماليتين ، و هو في نفس الوقت اقرار ضمني بوجود التنافس بين هذه المؤسسات ، فلا يمكن ، والحالة تلك ، ان يقوم شخص واحد بمهمتين لدى مؤسستين متنافستين .

كما ان الفصل26 من نفس القانون ينص على انه :” لا يمكن لاي كان ان يدير او يتصرف او يسير او يقوم بمراقبة مؤسسة قرض او وكالة مؤسسة قرض او يلتزم باسمهما :” اذا كان ينتمي الى قائمة الاشخاص المحجور عليهم الاتي ذكرهم في الفقرة الثانية من نفس الفصل .و عليه نستخلص ان القانون قام بذكر قائمة على سبيل الحصر للوظائف البنكية المحجر الالتحاق بها بالنسبة للاشخاص المذكوريين بالفقرة الثانية من الفصل المشار اليه .

لكن الاشكال يكمن في غياب تعريف دقيق لهذه الوظائف ،لذلك يتعين الرجوع الى القانون العام للشركات التجارية ، ولا سيما الشركة خفية الاسم بإعتبارها الشكل القانوني الوحيد الذي تمارس في نطاقه المهنة البنكية . و بالرجوع الى مجلة الشركات التجارية ضمن فصولها من 188 الى 273 المتعلقة بتسيير و إدارة الشركة خفية الإسم ، يستمد من إستقرائها ، أن وظيفة الإدارة والتسيير ينهض بها هيكل خاص ، و هو مجلس الإدارة الذي يعين من بين أعضائه

رئيسا له ، الى جانب مدير عام مساعد أو أكثر لإعانة رئيس مجلس الإدارة في مهامه . و بالنسبة لوظيفة الرقابة فهي موكولة الى مؤسسة مستقلة تتكون من مراقبي الحسابات . ويمكن إضافة الجمعية العامة بإعتبار أن أعضائها يمارسون نوعا من الرقابة على سير الشركة على ضوء التقارير التي يقدمها لهم مراقبوا الحسابات [69]

و عليه ، فإن كل مساهم في الشركة الى جانب أعضاء مجلس الإدارة و مراقبي الحسابات ينبغي أن يكونوا خارج التحجيرات القانونية .

لكن هذا التمشي وإن كان يستجيب للقواعد العامة التي تنظم سير الشركات خفية الاسم ، فإنها لا تنطبق على قواعد المؤسسة البنكية التي تبقى لها خصوصياتها المميزة ، الأمر الذي يقتضي الرجوع الى :” الاتفاقية القومية المشتركة لأعوان البنوك و المؤسسات المالية .”

المصادق عليها بموجب قرار وزير الشؤون الاجتماعية بتاريخ 23 اوت 1983.

و يحدد الفصل الثامن من هذه الاتفاقية أعوان الادارة في الوظائف الاتية : المدير رتبة اولى المدير رتبة ثانية و المدير رتبة ثالثة ، كاهية المدير ثم المدير المساعد ، و مفوض السلطة

و بالنسبة للتصرف فهو مسند الى مجلس الادارة ، اما المراقبة فينهض بها مراقبوا الحسابات وفق احكام المجلة التجارية . و يضيف الفصل التاسع من هذه الاتفاقية انه لا يمكن انتداب اي

شخص لتلك الوظائف مهما كان صنفها اذا ” كان محل حكم نهائي في الافلاس و من كان وكيلا تجاريا لشركة مصرح بافلاسها او في طور العجز المالي .

المبحث الثاني : خرق القواعد المفروضة من قبل البنك المركزي

يتجلى خرق القواعد المفروضة من قبل البنك المركزي في خرق واجب مد البنك المركزي بالمعلومات و جريمة تجاوز نسبة العمولات التي يحددها البنك المركزي .

الفقرة الأولى : خرق واجب إعلام البنك المركزي

بعد ان تحولت مراقبة البنك المركزي من مراقبة قبلية الى مراقبة لاحقة ، إذ أصبح يجري على البنوك مراقبة على الوثائق أو بالمقر[70] ، تكاثرت تبعا لذلك حالات واجب الاعلام ، و تستهدف الرقابة كل ما يقوم به البنكي من اعمال و خدمات ، و بالخصوص حماية

المودعيين الذين اذا ما قارنا وضعيتهم بالمساهمين ، نجدهم يقدمون اضعاف ما يقدمه المساهمون و قد يكونون عرضة للمخاطرة .[71]

أما فيما يتعلق بمنح القروض فالجدل لا يستقيم طالما انها عماد التجارة داخلية كانت او خارجية ،” رغم المنافسة التي فرضتها اليات تمرير جديدة كالايجار المالي دون اللجوء الى الجهاز البنكي “.[72]

و مهما كانت الوظائف او المهام فان جل الانظمة الاقتصادية ،” تخضع البنوك لرقابة مكثفة وصارمة ، تفسر بوجوب تنظيم المهنة سواء عند اقتحامها او عند سير العمل للتاكد من سلامة الا جهزة التي تقوم على منح القروض و تلقي الايداعات اي الادخار العام .”[73]

و تقتضي القوانين سارية المفعول و خاصة مناشير البنك المركزي ان تقوم البنوك بتزويد البنك المركزي بالمعلومات التي يراها ضرورية لممارسة اعماله الرقابية، وقد تكون هذه المعلومات بشكل دوري او سنوي او عند الحاجة .

ان هذه المعلومات تضع البنك المركزي في الصورة دائما حتى يستطيع ان يستخلص منها المؤشرات والنتائج و التي على ضوئها يمكن ان تحدد سياسات و توجيهات لهذه البنوك .

أ-واجب مد البنك المركزي بكل المعلومات

من الاهداف التي يسعى البنك المركزي لتحقيقها هو تنظيم و حماية القطاع من كل تصرف يخل بالسير العادي و الطبيعي . لتحقيق هذا المسعى كان لا بد من تمكين مراقبي البنك

المركزي من الحصول على المعلومات و الارشادات عن كل شخص طبيعي او معنوي من خلال الاطلاع على جميع معاملات البنك .

و يقتضي القانون الجاري به العمل استنادا على ما سبق :” تزويد البنك المركزي بالمعلومات التي يراها ضرورية لممارسة اعماله الرقابية.”[74]

اذ ينص الفصل34 من القانون المتعلق بانشاء و تنظيم البنك المركزي التونسي :” يشد البنك المركزي ازر السياسة الاقتصادية للدولة (…..) كما يمكن له ان يطلب من المؤسسات المصرفية و المالية ان تمده بجميع الاحصائيات و المعلومات التي يرى فيها ما يسمح له

بالاطلاع على تطور القرض و تطور الظروف الاقتصادية ، و هو مكلف بالخصوص بان يتولى بمقره تجميع المخاطر المصرفية و ترويجها على المؤسسات المصرفية والملية ، كما

يتولى مسك و ادارة سجل للقروض غير المهنية المسداة للاشخاص الطبيعيين و يمكنه

لهذا الغرض ان يطلب من المؤسسات التي تمنح تلك القروض و كذلك من التجار الذين يتعاطون البيوعات بالتقسيط موافاته بجميع المعلومات المتعلقة بتلك القروض والبيوعات..”

و لقد عهد بمهمة الرقابة الى البنك المركزي بوصفه مؤسسة عمومية وطنية تتمتع بالشخصية القانونية و الاستقلال الذاتي ، و في ذلك استجابة لما جاء بالفصل33 من القانون المتعلق بانشاء و تنظيم البنك المركزي التونسي و الذي يبين ان وظيفة البنك المركزي تتمثل في

“الدفاع عن قيمة النقد و السهر على استقراره و في هذا الاطار يتولى مراقبة التداول النقدي و توزيع القروض و السهر على حسن سير الجهاز المصرفي و المالي .”

و عليه لا يعتبر ” افشاء للسر معاقب عليه ما يقوم به ارباب البنوك من اعلامات وما يقدمونه من ارشادات للبنك المركزي قصد تمكينه من اجراء المراقبة التي نص عليها و لو ادى الى كشف اسرار الحرفاء.”[75]

و نظرا لجسامة مهامه اذ ان البنك المركزي لا يتعامل مع افراد و انما يهتم بتنظيم ورقابة عملية البنوك ، يتمتع البنك المركزي بسلطة قانونية في استخدام وسائل معينة يستطيع من خلالها ان يلزم البقية بتنفيذ السياسة المالية .

و لعل من أهم الوسائل التي يملكها البنك المركزي و التي بفضلها يتسنى له توجيه البنوك و ترشيدها نحو احترام القوانين والتراتيب المصرفية ، هي صلاحية اصدار المناشير .”

فهي مظهر من مظاهر الاستجابة لعامل السرعة الذي يتطلبه النشاط المصرفي ، و تحقيقا للملائمة بين التطورات الاقتصادية و المالية من جهة و القواعد القانونية من جهة اخرى .

اذ لا يمثل القانون رغم علويته مصدرا رئيسيا في الميدان البنكي و انما نجد المناشير بكثرتها و دقتها تحتل الصدارة ”

و يشتمل الواجب عديد الميادين : ففي موضوع الشيكات و ان كان هذا الامر موكولا الى القضاء سواء على المستوى المدني او الجزائي ، فانه يبقى للبنك دور رئيسي في مجال الشيكات خاصة وان واجب تثبت البنك قبل مد حرفائه بصيغ اشيكات ، يشكل عملا وقائيا لتفادي حصول شيكات بدون رصيد .

و قد فرض القانون على البنك مزيد التحري كأن يسترشد قبل تسليم صيغ الشيكات لاول مرة لحريف عن وضع صاحب الحساب في نطاق ماهو مبين .

و البنك المركزي مؤهل قانونا لمراقبة حسن تطبيق الاحكام المتعلقة بالشيكات و معاينة خرقها .

و عملا بالفصل 411 سادسا من المجلة التجارية : ” يتعين على المصارف اعلام البنك المركزي بحالات عدم دفع الشيكات و بمخالفة الساحب لحالات التحجير من استعمال مسك سجل خاص بالشيكات ، يجمع فيه الاعلامات بعدم الدفع و الاحتجاجات و التحجير من استعمال صيغ الشيكات و مخالفة هذا التحجير و الاحكام الصادرة في قضاياها، و كذلك كل ما تكتشفه مصالحه من معلومات في هذا الميدان على ان يتولى ترويجها على كافة المصارف الراجعة له بالنظر و اعطائها التعليمات في شانها .

ب – واجب تمكين البنك المركزي من الوثائق

يستدل من احكام الفصل32 من القانون المنظم لمؤسسات القرض الوارد تحت عنوان : في مراقبة نشاط مؤسسات القرض ،” انه على مؤسسات القرض المنشأة طبقا للقانون التونسي و كذلك الفروع و الوكالات التابعة لمؤسسات القرض مقرها الاجتماعي بالخارج و المرخص لها في ممارسة نشاطها بالبلاد التونسية : ان تدلي للبنك المركزي التونسي بكل الوثائق و المعلومات و الايضاحات و المبررات اللازمة لدراسة وضعيتها و التي يتسنى بفضلها التحقق من انها تطبق التراتيب المقررة فيما يتعلق بمراقبة القرض و الصرف و مراقبة مؤسسات القرض تطبيقا سليما .”

على أن المراقبة التي يجريها البنك المركزي هي مراقبة على جميع الوثائق و مراقبة في المقر، و يمكن أن نلتمس ذلك من لفظ الوثائق الشمولية و الغموض .

و الوثائق تحدد بإختصاص البنك المركزي المخول له حق اطلاع على الدفاتر الحسابية و المراسلات و العقود و بصفة عامة جميع الوثائق التي تكون َضرورية لأداء مهمته .[76]

هذا ما يمكن سلطة الرقابة من الاطلاع على حسابات الحرفاء أو طلب بيانات عنها . و تكون بذلك البنوك مجبرة على مساعدة البنك المركزي في مهمته لتحصيل المعلومات قصد مراقبة حسن تنفيذ القوانين و التراتيب بالرغم من مخالفة ذلك للسر البنكي ، اذ لا يجوز للبنوك التذرع بالسرية للوقوف امام رغبة البنك المركزي بالاطلاع على دفاترها وو ثائقها لتحقيق أغراض ، فرضها القانون حماية لاموال المودعين و المساهمين و ضمانا لجدية اعمال البنوك و مساهمتها في تنمية الاقتصاد الوطني .

و في إطار سعيه لتنظيم الحياة الاقتصادية تنظيما محكما و التصدي لكل ما من شانه ان يشكل خطرا تم اخضاع مؤسسات القرض لواجب الكشف عن المعلومات المحفوفة بالسرية الى الهيكل الرقابة و هو البنك المركزي بإعتباره يمثل أهم سلطة تؤمن الرقابة على البنوك في النظام التونسي [77]، ضامنة جزاء يردع البنوك و غيرها امام كل محاولة اخفاء او تستر او تاخير في تبليغ الوثائق .

الفقرة الثانية : جريمة تجاوز نسبة العمولات التي يحددها البنك المركزي

لقد تعرض المشرع لجريمة تجاوز نسبة العمولات التي يحددها البنك المركزي في الفصل48 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض حيث نص على : ” تعاقب بخطية يسلطها البنك المركزي التونسي بعد سماع المؤسسة المعنية كل المخالفات المتعلقة بمنح او قبض فوائد دائنة او مدينة تتجاوز الحدود المضبوطة من قبل البنك المركزي التونسي و كذلك المخالفات المتعلقة بقبض عمولات لم تنص عليها مناشير البنك المركزي التونسي او بنسب تفوق النسب التي تم اشعار البنك المركزي التونسي بها .

يمكن ان يبلغ مقدار الخطية خمس مرات المبلغ الذي انجرت عنه المخالفة و تستخلص لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسية طبقا للاجراءات المنصوص عليها بالفصل42 من هذا القانون”.

من خلال هذا الفصل تقوم الجريمة في صورة تجاوز نسبة العمولات التي يحددها البنك المركزي و كذلك في صورة قبض عمولات لم تنص عليها مناشير البنك المركزي او تفوق النسب التي تم اشعار البنك المركزي بها

و تتاكد هذه المسؤولية الجزائية بالنظر للقانون المتعلق بنستة الفائدة المشطة[78]

و هو قانون ينطبق على البنوك و المؤسسات المالية و بقية المؤسسات الاقتصادية كما أن عمليات البيع بالتقسيط التي تعد قروضا اتفاقية و تخضع بالتالي لمقتضيات هذا القانون .

و يعتبر قرضا مسندا بنسبة فائدة مشطة كل قرض اتفاقي مستد بنسبة فائدة فعلية جملية تتجاوز عند إسناد القرض باكثر من الخمس معدل نسبة الفائدة الفعلية المطبقة خلال السداسية

السابقة من قبل البنوك و المؤسسات المالية بالنسبة للعمليات من نفس النوع .[79]

و يحدد البنك المركزي العمليات التي تخضع الى نفس نسبة الفائدة المشطة .

و فد حدد هذا القانون بفصله الثاني مفهوم الفائدة الفعلية الجملية للقرض ، فهي تساوي الفوائض+ المصاريف + العمولات + التاخيرات المباشرة و غير المباشرة باسناد القرض .[80]

و تتكون جريمة الفائض المشط في حالتين : اولها ، عدم التنصيص على نسبة الفائدة الفعلية و قد تعرض لها الفصل الثالث من القانون المتعلق بنسبة الفائدة المشطة ، الذي اوجب التنصيص على نسبة الفائدة الفعلية الجملية في كل كتب يتعلق بعقد قرض. و لقد اضافت الفقرة الثانية من الفصل الثاني من نفس القانون :” تظبط بامر كيفية احتساب الفائدة الفعلية و كيفية نشرها .”

من خلال هذا الفصل يبرز ان التجريم لا يطال عدم التنصيص على نسبة الفائدة الفعلية الجملية فقط ، بل كذلك عدم العمل بمعدل نسبة الفائدة الفعلية المطبقة خلال السداسية السابقة في صورة عدم التنصيص .

اما الحالة الثانية فهي جريمة تطبيق نسبة فائدة مشطة و التي تعرض اليها الفصل4 من القانون المتعلق بالفائدة المشطة، الذي اوجب ارجاع المبالغ للمقترض و التي قد قبضها دون موجب و قد احال هذا الفصل الى الفصل1100 مجلة التزامات و عقود الذي جاء فيه :” اذا لم تضبط الاطراف نسبة الفوائض فان القائض القانوني الذي يقع تطبيقه هو التالي :

-اولا : في المادة المدنية يساوي هذا الفائض 7 بالمائة .

-ثانيا : في المادة التجارية تساوي نسبة الفائض القانوني النسبة القصوى للاعتمادات البنكية المقررة ممن طرف البنك المركزي مع اضافة نصف نقطة .”

ولقد أقر المشرع عقابا لمن يطبق نسبة فائدة مشطة من خلال الفصل 5 من قانون 1999 حيث ينص :” يعاقب بالسجن لمدة 6 أشهر و بخطية تتراوح بين ثلاثة ألاف و عشرة ألاف دينار أو بإحدى العقوبتين فقط كل من أسند قرضا بنسبة فائدة مشطة و تضاعف العقوبة في صورة العود .

و إذا كان المخالف ذاتا معنوية ، تطبق العقوبات المنصوص عليها سابقا بصفة شخصية و حسب الحالة على الرؤساء المديرسن العامين و المديرين و الوكلاء و بصفة عامة كل شخص تثبت مسؤوليته ممن له صفة لتمثيل الذات المعنوية و تسلط العقوبات نفسها على المشاركين في الأفعال المذكورة أعلاه .”

الفرع الثاني : خرق واجب احترام السر المهني

“ان كتمان اسرار الغير ابتدأ واجب اخلاقي تقتضيه مبادئ الشرف و الامانة , لكن بما ان عقوبة خرق قاعدة قانونية تكون انجع من العقوبة التي تكون مبررة بقاعدة اخلاقية , فقد برزت ضرورة جعل مبدأ احترام السرية و تبعا لذلك السرية البنكية قاعدة قانونية [81]

و تمثل السرية البنكية فرعا من السرية المهنية , فالبنكي يتسنى له الاطلاع بحكم وظيقته على معلومات خاصة بالحرفاء تفرض عليه كتمان ما بلغ الى علمه ..

ف”الحماية الجزائية لمؤسسات القرض تقتضي بطبيعة الحال حماية الحريف الذي يدخل في علاقة مع البنك وحماية السر البنكي هي من الضمانات الأساسية التي يتمتع بها .”[82]

فسر المهنة في المجال البنكي هو التزام البنكي بالمحافظة على اسرار عملائه و عدم الافصاح بها للغير.

و قد اجمع الفقهاء على منح مؤسسة القرض صفة المؤتمن خاصة و أن الثفة هي من اهم علائق الوظيفة .

مما جعل واجب احترام السر البنكي التزام قانوني وقع تدعيمه بعدة عقوبات في صورة الافشاء حتى لا يبقى حكم السرية البنكية مرتبطا بالتزام عام بالسرية المهنية .[83]

فالالتزامات التي تفرضها الواجبات المهنية على مستخدم البنوك لا تقتصرفي تقديم الخدمة بكل امانة و انما تمتد الى وجوب الحفاظ على اسرار الحرفاء ..و ينص في هذا الصدد الفصل 30 من القانون عدد 65 لسنة 2001 المتعلق بمؤسسات القرض، حيث وضع قائمة

لمستخدمي البنوك على :” يحجر على أعضاء مجلس الادارة أو أعضاء مجلس المراقبة و أعضاء هيئة الادارة الجماعية لمؤسسات القرض او مسيريها او وكلائها او مراقبيها او

مستخدميها إفشاء الاسرار التي اطلعهم عليها حرفائهم او التي اطلعوا عليها بموجب قيامهم بوظيفتهم . باستثناء الصور المرخص فيها بمقتضى القانون و تحت طائلة العقوبات المقررة بالفصل 254 من المجلة الجزائية”.

و قد تولى الفصل 254 من المجلة الجزائية تحديد المعني بالخطاب و كان ذلك على سبيل الذكر فحسب ، اذ ينص على :”يعاقب بالسجن مدة ستة اشهر و بخطية قدرها مائة و عشرون دينارا الاطباء و الجراحون و غيرهم من أعوان الصحة و الصيادلة و القوابل وغيرهم ممن هم مؤتمنون على الاسرار نظرا لحالتهم اولوظيفتهم ، الذين يفشون الاسرار في غير الصور التي اوجب عليهم القانون فيها القيام بالوشاية او رخص لهم فيها.”

فعبارة وغيرهم تدل على ان الفصل يقبل المزيد من المؤتمنين على الاسرار بمقتضى مهنهم وقد قطع بذلك مع مرحلة اثارت الجدل حول الاشخاص المعنين بالسر البنكي.[84]

فلا يكفي الزام البنكي بالمحافظة على اسرار المتعاملين معه بل لا بد من حمايته عن طريق توقيع الجزاء على كل من يخرق واجبه ، اذ ان اقراره دون تهديد من يحاول الخروج عنه قد يجعل من احترامه أمرا احتماليا .

لكن اذا علم البنكي بانه في صورة خرقه لهذا الواجب سوف يكون موضوع مسائلة قد يحجم عن الاخلال به . و قد تولى المشرع من خلال تجريمه لخرق واجب الحفاظ على السر البنكي اقرار حماية جزائية للحفاظ على اسرار الحرفاء ، فاقرار المسؤولية الجزائية في هذه الحالة توفرالجريمة التي بدورها تقتضي توفر اركان لقيامها ،

اركان الجريمة هي الشروط التي تقوم عليها كل جريمة و التي بدونها مجتمعة لا يمكن ان يكون هناك جريمة و لا مسؤولية جزائية .

المبحث الاول : الركن القانوني

يتمثل الركن القانوني للجريمة في ضرورة وجود نص قانوني يجرم الفعل الذي وقع القيام به

و يحدد لمرتكبه عقوبة . و بذلك فان الفعل مهما كانت خطورته لا يعد جريمة الا اذا وجد

نص قانوني سابق الوضع يجرمه، و هذا الحكم يجد اساسه في مبدا شرعية الجرائم و العقوبات الذي يكرسه الفصل الاول من المجلة الجزائية و كذلك الفصل 13 من الدستور[85]

و تجدر الاشارة الى أن هذا الركن بالنسبة لجريمة افشاء السر البنكي يكتنفه الغموض والتجزئة ، و المقصود بتجزئة النصوص وجودها في عديد القوانين اذ هناك نصوص مختلفة غير مجمعة و بالتالي فان المسؤولية الجزائية بالنسبة للبنكي تكون اكثر واخطر[86].

فالمشرع فيما يتعلق بافشاء السر البنكي حدد صلب الفصل 30 من قانون المهنة الالتزام بالكتمان و احال فيما يتعلق بالجزاء للنص الجزائي .

و طالما انه لم يرد لا في القانون المنشئ للبنك المركزي ولا في نظيره المنظم للقطاع، نص خاص بالتجريم ، فكل ما ورد في هذا الشان يتعلق بوجوب عدم افشاء المعلومات و البيانات السرية التي يحصل عليها البنكي اثناء مباشرته لمهنته او بمناسبتها، فاذا ارتكب اي شخص من الاشخاص المذكورين صلب الفصل 30 مخالفة عدم الالتزام بالكتمان ، فإن التشريع المصرفي لم يتضمن اي عقوبة خاصة يمكن توقيعها عليه .

لكن المشرع التونسي على غرار المشرع الفرنسي [87]جرم افشاء الاسرار المهنية بشكل عام

وفق ما جاء بالمجلة الجزائية ، فاحكام الفصل 254 م ج تنسحب على جملة من المهنيين بدون اي تفرقة ، ولكن على الفصل 254 م ج ان يواكب التطور حتى يتمكن من استيعاب الجريمة بكامل خصوصياتها على غرار القانون اللبناني ، الذي افرد السرية المصرفية بقانون مستقل ..

اذ ان جسامة اعتداء البنكي بافشاء خصوصيات حريفه لا تمثل اعتداءا على مصالح فردية بل يشكل اعتداءا على مصلحة المجتمع الذي يثق في البنوك.

المبحث الثاني : الركن المادي

لا يعاقب القانون الجزائي على مجرد التفكير في ارتكاب الجريمة و لا عن مجرد العزم الجنائي بل لا بد من تجسيم ذلك العزم الى الخارج بواسطة عمل مادي وهو عبارة عن نشاط

ارادي يصدر من الجاني لتحقيق النتيجة الاجرامية .

فليتكون هذا الركن لا بد ان تتجسد ارادة الجاني في فعل مجرم يقوم به و ان لا تبقى ارادته بالقيام بذلك الفعل كامنة في نفسه ، و مجرد نية بدون تنفيذ .

فعلى عكس قواعد الاخلاق التي تدين الانسان لمجرد كونه فكر او عزم على ارتكاب فعل منافي للاخلاق ، فان القانون الجزائي لا يجعل الشخص مرتكبا للجريمة الا اذا صدر منه سلوك خارجي يضر فعلا بامن المجتمع .[88]

و يتخذ هذا السلوك الخارجي بالنسبة للجريمة موضوع الفصل 30 من القانون المننظم لمؤسسات القرض وجه إفشاء الأسرار، إلا أنه لم يرد في هذا الفصل و لا في الفصل 254 م ج أي تعريف لهذا الركن المادي ، و قد يفسر ذلك برغبة المشرع توفير اطار يتلائم مع التقلبات و اختلاف الظروف و الاحوال .

الفقرة الأولى : إفشاء السر البنكي

أ – تعريف الافشاء

لغة : هو مصدر لفعل افشى السر ،اذاعه و نشره .[89]

اصطلاحا : اطلاع على السر فالسر يتصل بالافشاء الذي يعرف بالانتشار . و قد ورد مصطلح الافشاء في الفصلين 254 م ج و30 من قانون المهنة و هي تعني من الناحية

القانونية : “تعمد الافضاء بشخص بسر من شخص اؤتمن عليه بحكم عمله او صنعته او مهنته في غير الاحوال التي يوجب فيها القانون الافضاء و يجيزه .”[90]

و لكي يقع الافشاء تحت حكم العقاب يجب ان يكون محددا بصورة كافية تمكن الغير من الاطلاع على اسرار الحريف .

أما في خصوص صور الإفشاء ، لم يشترط المشرع صلب الفصل 254 م ج ان يكون الافشاء بصفة كلية لذا فالجزء كالكل .

كما يمكن ان يتخذ الافشاء صورة الامتناع اي ان يكون السلوك سلبيا لا ايجابي مثال ان “يشاهد الملتزم بالكتمان شخصا يحاول الاطلاع على الملفات التي تحتوي اسرار عملائه فلا يحول بينه و بين ذلك …[91]”

و رغم اختلاف التشاريع الاجنبية حول ضرورة اقتران الافشاء بضرر لقيام الجريمة كالفصل 622 من قانون العقوبات الايطالي ، الذي يشترط اقتران الافشاء بالضرر.

و لو اتجهت نيته لخلاف ذلك لكانت الصيغة صريحة كما فعل بالفصل 109 م ج المتعلق بالاسرار الادارية ،لما اشترط ان يكون نشر الكتب المؤتمن عليه او في اطلاع الغير عليه مضرة للدولة او لافراد الناس .

كما ان الافشاء يجب ان ينصب على معلومة يجب ان تبقى مكتومة عن متناول الغير ، و يتم ذلك بوسائل مختلفة كالمحادثة الشفاهية او الوثائق المكتوبة التي تكون بشكل رسالة يمكن استعمالها كاداة ثبوتية او من خلال استعمال التكنولوجيا الحديثة لتخزين المعلومات .

كما يفترض الافشاء ان يكون للغير ، و يراد بالغير :” شخص لا ينتمي الى هذه الفئة من الناس الذين ينحصر فيهم نطاق العلم بالواقعة التي توصف بالسر .”[92]

و يتحقق الافشاء سواء لصاحب مصلحة و حتى لشخص وطيد الصلة بالحريف .

ب – تعريف السر

تؤول دراسة الالتزام بالسر الى دراسة مدلوله اللغوي الذي لا يبعد كثيرا عن مدلوله القانوني ، اذ جاء في معجم صاحب لسان العرب ان : “السر من الاسرار التي تكتم ،

و السر ما اخفيت و الجمع اسرارا و رجل سر يضع الاشياء سرا و رجل سر هذا الامر اذا كان عالما به ، و استتر الهلال في اخر الشهر خفي .”[93]

و يمكن تعريفه بانه :”مجموعة من المعارف والمعلومات التي يجب الاحتفاظ بها لشخص معين و الذي يجب ان لا يفشيه حائزه .”

ان الالتزام بسر المهنة هو التزام واقع على عاتق المهني بوصفه الامين الوحيد على خصوصيات المتعاملين معه ، و يعتبر المرء مؤتمنا على السر بمقتضى مهنته في كل مرة

” تفرض فيها احكام الوظيفة التي يمارسها او الصناعة التي يضطلع بها ان يحافظ على اسرار مهنته و الا يفشيها او يفشي ما يتصل بها من معلومات دون الحصول على موافقة من استامنه عليها .”[94]

اما من الناحية القانونية ، فقد اختلفت التعاريف باختلاف الزوايا التي ينظر من خلالها لمضمونه .

يعرف الفقه الايطالي السر بالاعتماد على العلاقة الرابطة بين الملتزم بالكتمان و معرفة

شئ او واقعة تتطلب منع الغير من الاطلاع عليها .

و عرفه البعض من الفقه العربي بأنه :”كل واقعة يقدر الرأي العام أن ابقاء العلم بها في نطاق محدود أمر تتطلبه صيانة المكانة الاجتماعية لمن تنسب له هذه الواقعة .”[95]

أما الأستاذ بيار بوزا فقد عرف السر المهني بأنه :” خبر وقع العلم به من طرف شخص من خلال وظيفته و يجب اخفاؤه بإعتبار أن الإفشاء يمكن ان يضر بمصالح الغير .”[96]

اما القضاء فلم يبق في معزل عن المحاولات الفقهية ، فاستند فقه القضاء الفرنسي لاعتبار الواقعة سرا ان يكون مما لا :”يعتبر امرا معروفا او ظاهرا او شائعا للكافة و ان يكون من شان اطلاع الغير عليه اعطاء المطلع عليه اطمئنانا و تاكدا لم يكن لديه من قبل “.[97]

و لقد اعتبر الاستاذ احمد عمران في مقال له المسؤولية الجزائية للصيرفي ،ان فقه القضاء لا يمنع الصيرفي من اعطاء معلومات حول حريفه و لكن هذا الفقه يفرق بين المعلومات السرية Les informations confidentielles و المعلومات غير السرية

informations non confidentielles Les بمعنى ان هناك معلومات يمكن افشاؤها

و معلومات لا يمكن افشاؤها .

فواجب حفظ السر المهني الذي يقوم على كاهل البنكي يخص المعلومات و البيانات

السرية [98] التي يحصل عليها أثناء مباشرته لمهنته أو بمناسبتها [99]، ومن هنا يستنتج أن ما تخرج من إطار واجب حفظ السر البنكي هي :

المعلومات الخاصة بالحريف والتي تحصل عليها البنكي ، ليس من خلال ممارسته لمهنته و إنما عن طريق الغير.
المعلومات الخاصة بالحريف و التي توصل إليها من خلال الصفة التي يتمتع بها كأن يكون صديقا للحريف أو وليا له .[100]
المعلومات الخاصة بالحريف و التي تكون منتشرة بكثرة عند الغير فهذه المعلومات لا تمثل أسرارا من واجب البنكي المحافظة عليها.[101]

الفقرة الثانية : حالات جوزان إفشاء السر البنكي

فيما يتعلق بحالات الافشاء ، هناك صور للافشاء للمصلحة العامة ، عندما يتعلق الامر بقضية منشورة لدى المحاكم و هناك صور افشاء لمصلحة الحريف او العميل ذاته لانه يمكن للحريف ان يحل البنكي من واجب الالتزام و ان يفشي هذه الاسرار .

فالبنكي بصفته شاهدا في قضية جزائية لا يمكن له أن يمتنع من واجبه في إنارة العدالة بتعلة حفاظه على السر البنكي[102] و نفس هذا المبدأ إعتمده فقه القضاء الفرنسي .[103]

ويجب الإشارة في هذا الصدد أن البنكي بصفته شاهدا عليه التقيد بالسر المهني أي عليه الإقتصار في الإجابة فقط على ما يتعلق بالقضية .

كما يستنتج ايضا ان الالتزام بحفظ السر البنكي المحمول على كاهل المصرف تجاه حريفه

يسقط في ضرورة قيام نزاع بين ذلك البنك و حريفه ، و هو امر طبيعي ، اذ انه حتى يتسنى

للبنكي الحفاظ على حقوقه يجب ان يستظهر بالوثائق و المعلومات اللازمة ، و هو ما سيؤول

ضرورة الى افشاء و كشف المعلومات الخاصة بالحريف .

كما يكون البنكي في حل من واجب السر المهني ، اذا تعلق الامر بحريف يمر بصعوبة اقتصادية ، اذ انه يكون مطالبا بتقديم معلومات عنه بمجرد طلب رئيس المحكمة المتعهد بالنظر في مطلب التسوية .[104]

و لسائل أن يسأل عن الهدف من اقرار المسؤولية الجزائية في هذه الصورة حال أن الأمر يتعلق بضرر لحق مباشرة الحريف ، اذ يمكن الاكتفاء بالمسؤولية المدنية ، لكن يمكن القول بان اقرار المسؤولية الجزائية في هذه الحالة الهدف منها : هو حماية مصلحة السياسة

الاقتصادية عبر حماية المؤسسات من كل الممارسات التي من شانها شل قدراتها على التواجد بقوة و اضعاف قدرتها التنافسية .

اذ يمكن ان نتصور حالة افشاء السر المهني من قبيل المنافسة غير الشريفة اذ يحصل ان يفشي البنكي بعض اسرار مؤسسة حريفة لفائدة مؤسسة حريفة اخرى ، فيعد هذا التصرف

من صنف جرائم المنافسة .[105]

كما أن البنكي مطالب بمد البنك المركزي بكل المعلومات الضرورية و لا يمكن له الإحتجاج بالسر المهني نفس الشيء بالنسبة لهيئة السوق المالية و إدارة الديوانة وإدارة الجباية .[106]

المبحث الثالث : الركن المعنوي

” ليست الجريمة مجرد كيان مادي و انما هي كذلك كيان نفسي فلا يكفي الركن المادي وحده لقيامها و انما يجب ان يقترن هذا الركن بركن اخر يطلق عليه اسم الركن المعنوي ،

والذي يعرفه الاستاذ عوض محمد بانه : “تعبير عن علاقة نفسية معينة تربط بين السلوك وصاحبه “.[107]

فاذا تعمد الجاني-البنكي- الاعتداء على الحق الذي يحميه التشريع ، اي احداث النتيجة المعاقب عليها ، كان الركن المعنوي في الجريمة هو القصد اما اذا انصرفت الارادة الى النشاط دون النتيجة ، كان الركن المعنوي هو الخطأ .

فهل ان القصد في جريمة افشاء السر البنكي يتميز عن غيره في باقي الجرائم بالنظر لصفة الجاني ؟

ان القصد في معناه القانوني ، هو ارادة الفرد ارتكاب الجريمة كما حددها القانون ، و تبعا لذلك يتكون القصد الجنائي من العلم و الارادة ، فهل هذه العناصر هي نفسها التي يتكون منها في جريمة افشاء السر البنكي ؟

ليس من نافلة القول اعتبار انه للركن المعنوي بالنسبة للبنكي خصوصيات بالنسبة للجريمة ذلك انطلاقا من ان البنكي هو مهني فيكون الركن المعنوي شبه مفقود باعتبار ان هذا البنكي ، لا يمكن ان يستند الى جهله او الى حسن نيته ام عدم علمه بالواقعة ، اذ هو مطالب بموجب حرفته و باعتباره من الحرفيين معرفة كل التزاماته.

و مهما يكن من امر ، فان الركن المعنوي يتمثل بالاساس في عدم الامتثال لاوامر القانون و ما جريمة افشاء السر البنكي الا خروجا عن النواهي القانونية .

“لكن المشرع اغفل عند صياغة الفصل 254 م ج عن بيان صورة الركن المعنوي ، لذا اعتبر الفقهاء انه : اذا اغفل المشرع عن بيان صورة الركن المعنوي في جريمة ما فان هذه الجريمة تكون قصدية ، و من ثم تم اعتبار هذه الجريمة جريمة عمدية لا تقوم الا بتوفر الركن القصدي للجاني “.[108]

لكن هل يجوز تجاوز هذا التحليل و اعتبار هذه الجريمة جريمة مادية تقوم بمجرد ارتكاب الفعل المجرم بصرف النظر عن اي قصد جنائي ، اذ يعتبر القصد مفترض لصفة الجاني ؟

امام صمت المشرع انصرفت نية الفقهاء الى اعتبار جريمة الافشاء جريمة عمدية ، و يستند هذا الراي على احكام الفصل 254 م ج ذاته ، او بالاحرى موقع الفصل صلب المجلة الجزائية ، اذ يتنزل في الجزء الثاني : “في الاعتداء على الناس “، القسم السابع منه ، اين

صنف المشرع الجرائم حسب الحقوق المعتدى عليها ، مقسما جلها الى جرائم او محاولات حسب ملابسات كل جريمة .

كما استعمل المشرع عبارة ” سابقية القصد ” و هي النية الواقعة قبل مباشرة الإعتداء على ذات الغير .

و طالما لم يخصص المشرع فلا مجال للتفريق ، ولو كانت نيته متجهة الى اعتبار جريمة الفصل 254 م ج جريمة مادية لما احجم عن ذلك، و لاستثناها المشرع عن بقية الجرائم على نحو ما اقتضاه الفصل 37 م ج من وجوب تخصيص الافعال التي لا تستوجب قصدا لقيامها بنص خاص و ذلك لخطورتها.

فلو لم يكن كذلك لأشار للركن العمدي .

و تبعا لذلك لا قيام لجريمة افشاء السر البنكي ما لم يتوافر :”لدى مقترفها القصد الجنائي و لو توافر لديه خطأ في أجسم صوره فلا توجد الجريمة اذا حصل الإفشاء في اهمال أو عدم احتياط “.[109]

الفصل الثاني:المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي خارج إطار قانون المهنة

يمكن أن نجد اقرار للمسؤولية الجزائية في الميدان البنكي في المجلات القانونية على غرار المجلة التجارية و المجلة الجزائية و كذلك في القوانين الخاصة .

الفرع الاول :المسؤولية الجزائية على معنى المجلة التجارية

إن من خلال استقراء أحكام المجلة التجارية و المتعلقة بتنظيم الميدان البنكي نجد انه من أهم واجبات البنك هي تلك المتعلقة بمادة الشيك لذلك سوف نتعرض الى المسؤولية الجزائية للبنك عن عدم احترامه للقواعد الحمائية للشيك و المسؤولية الجزائية له عند امتناعه عن الوفاء بالشيك .

المبحث الاول: المسؤولية الجزائية للبنك عن عدم احترامه للقواعد الحمائية للشيك

إن المسؤولية الجزائية للبنك في مادة الشيك تندرج في اطار السياسة العقابية المنتهجة من قبل المشرع ،و التي تبرز تشددا في معاقبة عدم أحترام البنك للقواعد التنظيمية و الحمائية للشيك بمناسبة توفيره للحرفاء ، و هذا ما تجسم بتجريمه لعدم مسك سجل خاص تضمن به هوية أصحاب الحسابات ، إضافة لعدم تضمين البيانات التي من شأنها ان تعرف بهوية الحريف بصيغ الشيكات ، و أيضا عدم الإسترشاد لدى البنك المركزي حول وضعية الحريف قبل تسلبم صيغ الشيكات له لاول مزة .

الفقرة الأولى :جريمة عدم مسك سجل خاص بهوية صاحب الحساب :

لم ينظم المشرع هذه الجريمة بموجب نص خاص ، وإنما استنباطها يكون بالرجوع للفصل 412 من المجلة التجارية، الذي يعاقب البنك المخالف لاحكام قانون1985[110] و النصوص الصادرة بتطبيقه .

و من بينها منشور البنك المركزي بتاريخ 13 أفريل 1996 الذي جاء ليذكر المصارف بالواجبات القانونية المحمولة عليها ،والتي من بينها مسك سجل تضمن به هوية الحرفاء عند فتح الحساب .

وهذه الإرشادات تتمثل في :

بالنسبة للأشخاص الطبيعيين في

الإسم و اللقب والعنوان
تاريخ و مكان الولادة والمهنة
رقم بطاقة التعريف الوطنية بالنسبة للتونسيين ورقم جواز السفر بالنسبة للأجانب الغير مقييمين وبطاقة الإقامة بالنسبة للأجانب المقيمين .[111]
بالنسبة للأشخاص المعنويين :

الإسم و المقر الإجتماعي
رقم التسجيل بالسجل التجاري
الإرشادات السابق ذكرها بالنسبة للأشخاص الطبييعيين للممثليين القانونيين لهذه الذوات المعنوية .
و يثير تجريم الإخلال بهذا الواجب التساؤل حول مدى الابقاء على هذه الجريمة بعد ان افضى تدخل المشرع بمقتضى قانون الى حذف التنصيص الصريح عليه حسب الفصل410 من المجلة التجارية .

بالرغم من عدم تنصيص الفصل410 من المجلة التجارية مجددا ، بصدور قانون1996 على واجب مسك سجل يتضمن بيانا لهوية صاحب الحساب ، إلا ان هذه الجريمة تستنتج بالرجوع لمنشور البنك المركزي الذي يحدد محتوى واجب مسك السجل الخاص و البيانات اللازم ايرادها به ، لا سيما ان الفصل412 من الم الت يعاقب مخالفة النصوص التطبيقية لقانون1985 و المتمثلة في منشور البنك المركزي المكرس لهذا الواجب . و ما يدعم هذا التوجه هو أهمية هذا الإلتزام المحمول على البنك و خطورة الإخلال به ، و هو ما يبرر حمايته جزائيا .

لكن تبقى الحاجة ملحة لتدخل المشرع لاضفاء مزيد الدقة و الوضوح على النص المجرم ليقطع كل شك بخصوص مدى الابقاء على هذه الجريمة . خاصة و انه لا يمكن اعتماد منشور البنك المركزي كنص مجرم للافعال بالرغم من ان امكانية الاحالة اليه تبقى واردة .

ويعتبر بذلك جريمة عدم مسك سجل خاص بهوية صاحب الحساب جريمة شكلية ، اذ ان تجريم سلوك البنك لا يتوقف على تحقق النتيجة الاجرامية ، فالجريمة تتكون بمجرد اتيان البنك السلوك الاجرامي سواء أل ذلك الى إصدار شيك بدون رصيد ام لا.

و بذلك تمثل هذه الصبغة الشكلية مظهرا من مظاهرصرامة المشرع في التعامل مع الاخلالات المرتكبة من قبل البنك بخصوص هذا الواجب بالنظر لابعاده الوقائية الكبرى[112].

كما ان هذه الجريمة تتميز بصبغتها المادية نظرا لعدم اشتراط توفر عنصر القصد في السلوك الاجرامي للبنك ،بحيث لا يمكن له التمسك بحسن النية .

و بتوافر عناصرها تقوم الجريمة و تكون نسبتها للبنك كذات معنوية و هي كجريمة سلبية تعتبر اكثر ملائمة لخصوصيات الاشخاص المعنوية نظرا لعدم تطلبها نشاطا خارجيا.

فهي تبدأ و تنتهي دون حاجة الفاعل للقيام بعمل او مجهود للوصول لغايته .[113]

الفقرة الثانية : جريمة عدم تضمين هوية الحريف بصيغ الشيكات :

قبل قانون1996 كانت الفقرة الاولى من الفصل410 من الم الت تنص على انه :”على كل مصرف اعداد صيغ شيكات تسلم مجانا لأصحاب الحسابات الجاري بها التعامل بالشيك منصوص بكل واحدة منها على إسم و لقب و عنوان صاحب الحساب وإسم و مقر الذوات المعنوية “.

و جاء في الفقرة الاخيرة من نفس الفصل انه :” يعاقب المصرف عن كل مخالفة لاحكام الفقرة الاولى من هذا الفصل بخطية قدرها ثلاثة دنانير.”

و لقد كان إقرار المشرع لهذه الجريمة ، أنذاك ، مندرجا في اطار معاقبة اخلال البنك بواجب توفير المعلومات الضرورية التي من شإنها ان تمكن حامل الشيك ، من الاطلاع على عنوان الساحب نظرا للاهمية البالغة لقيام البنك بهذا الواجب بالنسبة له .

لكن بصدور قانون1996 حذف المشرع الفقرة الاولى من الفصل410 قديم من الم الت المتعلقة بالبيانات الواجب تضمينها بصيغ الشيكات و فوض مقابل ذلك للبنك المركزي مهمة ضبطها .[114]

كما حذف الفقرة الاخيرة من نفس الفصل و المجرمة لمخالفة البنك لهذا الواجب .فهل معنى ذلك ان المشرع قد أسقط هذه الجريمة من حسابه ؟

بالرجوع الى الفقرة الثانية من الفصل410 جديد من الم الت، يتبين ان المشرع قد إعتمد صيغة تفيد الإلزام من خلال استعماله عبارة و” عليه “.[115]

و يستشف من ذلك أن البنك المسحوب عليه مطالب باحترام هذا الواجب القانوني وفق ما هو محدد بالنصوص التطبيقية الصادرة عن البنك المركزي .و إلا تحمل مسؤوليته جزائيا طبقا لما جاء به الفصل410 من م ت.

غير أنه و لإعتبار السلوك الذي يقدم عليه البنك جريمة ، فإنه يجب أن يقع تحديد البيانات الواجب توفرها بصيغ الشيكات و التي يتأسس على عدم الالتزام بها تجريم سلوك البنك ، لكن المشكل المطروح هو أن منشور البنك المركزي الذي تمت الاحالة اليه لضبط هذه البيانات ، لم يتضمن صراحة تحديد البيانات الواجب توفرها بصيغ الشيكات، اذ تم الاكتفاء صلب المنشور بضبط البيانات الواجب ادراجها بالسجل الخاص الذي يجب على البنوك مسكه و الذي تضمن به هوية الحرفاء عند فتح الحسابات لهم .

و لم يتعرض بذلك المنشور،لا من قريب و لا من بعيد، لمضمون البيانات الواجب ادراجها بالصيغ المسلمة من البنوك للحرفاء.

هذا السكوت التشريعي من شأنه أن يدفع للتساؤل عما اذا كان من الممكن الاستنارة بالبيانات الواجب تضمينها بالسجل الخاص للحريف عند فتح الحساب أم أنه يتم الاستعانة بالفقرة الاولى من الفصل410 قديم من الم الت والتي كانت تضبط هذه البيانات ؟.

إجابة على هذا التساؤل ، يمكن القول أنة لا يبدو من الممكن الاعتماد على البيانات الواجب تضمينها بالسجل الخاص للحريف عتد فتح حساب له لتحديد محتوى البيانات التي ستضمن بصيغ الشيكات .

فالمنشور بين بما لا يدع مجالا للشك ان هذه البيانات تهم الحريف عند فتح الحساب .

و تمسكا بمبدا التاويل الضيق للنص الجزائي لا يمكن تحميله اعباء لم يحمله اياها القانون او النصوص التطبيقية ، خاصة و ان البيانات الواجب تضمينها بالسجل الخاص للحريف تبقى عديدة و غير محددة بشكل دقيق.

و بالتالي و طالما ان الامر يتعلق بالمادة الجزائية فانه لا يمكن التوسع فيها .

و لتجاوز الفراغ التشريعي و التطبيقي الذي خلقه الفصل410 جديد م ت و منشور البنك المركزي عدد96 –03 يمكن الاستئناس بمقتضيات الفقرة الاولى من الفصل410 قديم

و بجريان العمل المصرفي لظبط البيانات التي يجب على البنك ان يضمنها بصيغ الشيكات للتعريف بهوية الحرفاء .

و تاسيسا على ذلك يمكن إعتبار البنك المسحوب عليه مرتكبا للجريمة إذا لم يتول التنصيص على اسم و لقب و عنوان و رقم الحساب بالنسبة للاشخاص الطبييعين ،و الاسم و المقر و رقم الحساب بالنسبة للاشخاص الاعتباريين سواء كانوا شركات او جمعيات .[116]

و تتجلى مظاهر الصرامة بالنسبة لهذه الجريمة ، و الى جانب تجنيحها بعد أن كانت مجرد مخالفة ، في طابعها الشكلي فهي لا تقتضي تحقق النتيجة الاجرامية مثلما هو الشان بالنسبة لجريمة عدم مسك سجل خاص بهوية صاحب الحساب .

كما أنها جريمة مادية لا تستدعي توفر عنصر القصد الجنائي.

الفقرة الثالثة : جريمة عدم الإسترشاد لدى البنك المركزي:

لم ينظم المشرع هذه الجريمة بموجب نص خاص ،و إنما هي مستنتجة بدورها من الفصل 412 م ت الذي ينص على معاقبة كل مصرف مسحوب عليه خالف أحكام هذا القانون أو النصوص الصادرة بتطبيقه .و الملاحظ ان تنظيم المشرع لهذه الجريمة كان منذ قانون1985 ،و بذلك فإن إقرار المسؤولية الجزائية للبنك عند إرتكابها كان سابقا لإقراره مسؤوليته المدنية المنظمة بقانون 1996

و يقتضي تحليل السلوك الإجرامي للبنك ، و المتمثلة في مخالفة واجب الإسترشاد لدى البنك المركزي الرجوع للفصل410 م ت ،بإعتباره يضبط في فقرته الثالثة واجب الإسترشاد لدى البنك ، حبث تنص على : ” و قبل تسليم صيغ شيكات لأول مرة لحريف يسترشد المصرف لدى البنك المركزي التونسي عن وضع صاحب الحساب في نطاق ماهو مبين بالفصل 411 سادسا من هذه المجلة و يحتفظ بما يثبت ذلك ”

كما ينص الفصل 411 سادسا[117] على : ” يتولى البنك المركزي مسك سجل خاص للشيكات

يجمع فيه الإعلامات بعدم الدفع و الاحتجاجات و تحجير استعمال صيغ الشيكات و مخالفة هذا التحجير و الأحكام الصادرة في قضاياها و الإعلامات المتعلقة بالتسوية وقفل الحسابات و كذلك كل ما تكشفه مصالحه من معلومات ذات الصلة على أن يتولى ترويجها على كامل مؤسسات القرض الراجعة له يالنظر في أجل أقصاه يوم عمل من تاريخ تلقيها و إعطائها التعليمات في شأنها ، و هو مؤهل لمراقية حسن تطبيق أحكام القسم من المجلة و معاينة خرقها و إعلام السلط المعنية بها “.

و يمكن القول ان هذه الجريمة تتحقق بالتالي في أربعة فرضيات :

– الفرضية الأولى : تتحقق الجريمة إذا تولى البنك تسليم صيغ شيكات على بياض لأول مرة للحريف دون الاسترشاد عنه مطلقا لدى البنك المركزي في نطاق ما هو مبين بالفصل411 سادسا م ت . معنى ذلك ان يتجاهل البنك واجب الاسترشاد تماما .

و يقدم على تسليم الحريف الجديد صيغا دون الاستفسار عما اذا كان الحريف ممن لهم سوابق في مادة الشيك أم لا. و لا يعتبر البنك مرتكبا للجريمة إلا بتزامن عدم الاسترشاد مع تسليم دفتر الشيكات على بياض.

و تنتفي بذلك الجريمة إذا اقتصر البنك على فتح حساب للحريف دون تسليم الدفتر له اوقام بالإستجابة لمطلب تجديد الدفتر فحسب.[118]

كما تنتفي ايضا بتسليمه صيغا معدة لإنجاز سحب مباشر.[119]

– الفرضية الثانية : يتحقق السلوك الإجرامي في هذه الفرضية بالرغم من قيام البنك بالإسترشاد لدى البنك المركزي لكن دون احترام الشكل المفروض قانونا للقيام بذلك باعتماد وسائل لا تترك اثرا كتابيا ، من ذلك مجرد الإستفسار عن الحريف بصفة شفاهية او حتى مع احترامه لشرط الكتابة ، باقدامه على اتلاف الاثبات او عدم الاحتفاظ به، خاصة و قد اشترطت الفقرة الثالثة من الفصل410 م ت، الاحتفاظ بما يثبت قيامه بواجبه.

-الفرضية الثالثة : في هذه الصورة يتمثل السلوك الإجرامي في عدم احترام البنك للاجل المفروض عليه قانونا انتظارا لرد البنك المركزي على مطلب الإسترشاد،و المحدد بثلاثة أيام عمل مصرفية.

وتتحقق هذه الجريمة عمليا بإقدام البنك على تسليم الدفتر قبل انقضاء الأجل المحدد ، من ذلك عدم مراعاة أيام الاعياد والعطل المصرفية في احتسابه (السبت والاحد).

أو عدم التحول لمركزية الشيكات غير المدفوعة لدى البنك المركزي للحصول على الرد،

و تنتفي الصبغة الاجرامية عن سلوك البنك ، إذا أقدم على مد الحريف بالدفتر بعد مرور الأجل المحدد لإنتظار الإجابة و لو مع عدم توصل البنك بها ، ففي هذه الحالة يعتبر سلوك

البنك المركزي بمثابة الرد الايجابي الذي يخول للبنك تسليم الدفتر لعدم وجود ما يدين سلوك الحريف .

– الفرضية الرابعة :في هذه الفرضية ينطوي سلوك البنك الاجرامي على شيءمن الخطورة لما يحمله من امعان في مخالفة تعليمات البنك المركزي . ويكون ذلك اذا ما عمد البنك لتسليم الحريف الجديد دفتر شيكات على بياض رغم الاعلام المبلغ له من البنك المركزي و الذي يكشف عن وجود هذا الحريف تحت طائلة تحجيرات بخصوص مسك و استعمال صيغ

شيكات على بياض، و هو ما يفترض في البنك المساهمة من موقعه في تنفيذ هذه التحجيرات المقررة لمعاقبة ساحب الشيك بدون رصيد.

ويؤكد التجريم في هذه الفرضية عدم اعتبار الإسترشاد غاية في حد ذاتة ،وانما وسيلة تمكن البنوك من اخذ احتياطاتها قبل الاقدام على تسليم دفتر الشيكات لشخص ثبت سوء استخدامه له. و بذلك تعاقب هذه الجريمة البنك الذي يتستر على شخص يمثل خطورة على حسن

التعامل بالشيك ، و في هذه الحالة،يتخذ سلوك البنك شكلا ايجابيا بامعانه في القيام بما ينهى القانون عن اتيانه.

هكذا يتبين ان جريمة عدم الاسترشاد في فرضياتها الاربعة، تشكل بدورها جريمة شكلية،

اذ ان تجريم سلوك البنك لا يتوقف على تحقق النتيجة الاجرامية باصدار شيكات بدون رصيد.اضافة لصبغتها المادية بحيث لا يمكن التمسك بحسن النية كالوقوع في غلط عند احتساب الاجل المضروب انتظارا لرد البنك المركزي.

المبحث الثاني: المسؤولية الجزائية للبنك عند امتناعه عن الوفاء بالشيك:

إن تضمن الشيك أمرا بالدفع لدى الإطلاع يدفع المستفيد للثقة في الحصول على قيمته بمجرد عرضه للأداء على البنك المسحوب عليه .

لكن قد يؤول عرضه الى امتناع البنك عن الوفاء لوجود ما يحول دون ذلك .و هو ما يتحول معه الشيك في نظر حامله مجرد قصاصة ورق لا قيمة لها ، وليس ذلك السند الذي وثق في قدرته على الوفاء بدينه لدى الاطلاع.

و نظرا لخطورة رفض البنك الوفاء بشيك توفرت فيه جميع المقومات التي من شأنها جعل الأداء أمرا حتميا، فقد أقر المشرع مسؤولية البنك الجزائية في صورة اخلاله بهذا الواجب .

الفقرة الأولى : مسؤولية البنك الجزائية عن الرفض الغير المبرر للوفاء بالشيك:

يستنتج انطلاقا من الفصول410 مكرر،411 ،412 فقرة اولى م ت :ان الرفض غير المبرر للوفاء من جانب البنك المسحوب عليه هو ذاك الذي يحصل رغم توفر الرصيد سواء تم توفيره من طرف الساحب او البنك في اطار فتح الاعتمادات او تسهيلات الدفع ، اضافة الى قابلية التصرف فيه استنادا لشيك سحب سحبا صحيحا عليه.

و نظرا لكون الرفض غير المبرر استنادا لوقوع البنك في غلط بخصوص سلامة الشيك و صحة توقيع الساحب او اهليته يبقى امرا نادرالحصول ،باعتبار ان فحص السند يجعل ذلك امرا مستبعدا ، فان توفر الرصيد القابل للتصرف فيه يبقى السبب الرئيسي لنفي الشرعية عن رفض البنك .[120]

وتكمن خطورة رفض البنك غير المبرر للوفاء بقيمة الشيك في تعطيله لمصالح المتعاملين به، حرمان المستفيد من الرصيد الذي هو مالكه الشرعي ، اضافة الى امكانية تعرض الساحب للمسائلة الجزائية بتهمة اصدار شيك بدون رصيد و ما يترتب عن ذلك من عقوبات و تحجيرات الى جانب المساس بسمعته و اعتباره.

وهو ما قد يؤثرعلى علاقة البنك بحريفه و ربما يصل الامر لحد القطيعة بينهما ، في وقت تتجه فيه السياسة التشريعية الى ترسيخ عقلية التعامل مع البنوك.

وتقوم مسؤولية البنك الجزائية كلما إفتقر رفضه لمبرر ، ويكون الرفض غير مبرر، إذا توفر رصيد سابق و قابل للتصرف فيه .

و يعرف الرصيد بكونه دين نقدي مساو لقيمة الشيك لدى البنك المسحوب عليه للساحب و يمون مستحق الاداء فورا عند السحب بمقتضى الشيك، وهو ولئن لم يكن شرطا لصحته الا انه شرط لإعتبار رفض البنك غير مبرر و موجبا بالتالي لقيام مسؤوليته

ويمكن تقسيم مصادر الرصيد الى قسمين :فتوفيرالرصيد اساسا واجب محمول على الساحب بصفته الضامن الاول لوجوده حيث تنص الفقرة الثالثة من الفصل348 م ت :”على الساحب او من صدر الشيك لحسابه أن يتولى وضع الرصيد”. وهوما يجعله متحملا لعبء انعدامه جزائيا.

كما يتحمل البنك هذا الواجب بصفته مانحا للقرض .ولقد عرف الفصل 4 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض بانها :”كل تصرف يقوم به شخص ما بمقابل يضع او يعد بموجبه بوضع أموال على ذمة شخص اخرأو ياخذ بموجبه لفائدة ذاك الشخص التزاما بالتوقيع كالكفالة أو الضمان الإحتياطي أو أي ضمان اخر.”

ولا يكفي توفر مصادر الرصيد حتي يعتبر رفض البنك الوفاء بالشيك رفضا غير مبرر و موجبا بالتالي لقيام مسؤوليته ، بل يجب الى جانب ذلك ان تتوفر فيه خاصيتي سابقية الوجود و قابلية التصرف فيه.

ويقصد بسابقية الوجود أن يكون الرصيد متوفرا بالحساب منذ إنشاء الشيك و هي تجد أساسها في الفصلين348 و411 م ت. فلقد جعل الفصل348 جوازسحب الشيك متوقفا على توفرالرصيد عند إنشائه لدى البنكي ،في حين عاقب الفصل411 ساحب الشيك بدون رصيد سابق و قابل للتصرف فيه.

أما خاصية قابلية التصرف في الرصيد فهي تفترض أن يكون دين الساحب لدى البنك المسحوب عليه سائلا و متأكدا وواجب الأداء.

الفقرة الثانية : المسؤولية الجزائية للبنك لاخلاله بالواجبات الاجرائية عند وجود عارض في دفع الشيك

رتب المشرع مسؤولية البنك الجزائية عند اخلاله بالواجبات الاجرائية المفروضة عليه بموجب الفصل412 م ت.

وتمكن الفقرة الثالثة من الفصل412 م ت من معاقبة جميع الإغفالات الصادرة عن البنك المسحوب عليه عند قيامه بالواجبات الإجرائية المفروضة عليه عند وجود عارض في الدفع.

وهو بذلك يعاقب مجرد الإهمال، الاغفال او التقصير، وهو أمر غير معهود في المادة الجزائية الهادفة أساسا لتعقب اصحاب النوايا الخبيثة ممن تتجه إرادتهم لإرتكاب الجريمة عن قصد .[121]

أ – عدم إنذار الساحب من إستعمال صيغ الشيكات التي بحوزته

تنص الفقرة الرابعة من الفصل 412 م ت[122]:” يعاقب بالخطية من خمسمائة دينار إلى خمسة ألاف دينار: كل مصرف مسحوب عليه لم ينذر الساحب بوجوب إرجاع جميع صيغ الشيكات التي بحوزته أو بحوزة وكلائه و المسلمة إليه من المؤسسات المصرفية أو لم ينذره بالإمساك من إستعمالها طبقا لأحكام الفصول 410 ثالثا و 674 و 732 من هذه المجلة .”

وتعتبر هذه الجريمة من قبيل الجرائم الشكلية و هي التي:”يستلزم نموذجها اتجاه ارادة فاعلها الى انتاج حدث معين دون ان يكون لازما في سبيل تحققها ان يقع هذا الحدث بالفعل،

فبمجرد اتيان السلوك المتجه ماديا و نفسيا الى تحقيق ذلك الحدث تتوافر به الجريمة دون اكتراث بما اذا كان الحدث ذاته يتحقق بالفعل او يتخلف و دون نظر حتى الى كون خطر وقوعه قد مثل او لم يمثل.[123]

ويقتضي تحليل هذه الجريمة التي يؤدي ارتكابها الى قيام مسؤولية البنك جزائيا تحديد اركانها .

وبخصوص الركن القانوني ،يتبين ان المشرع من خلال الفصل412 م يعاقب المصرف الذي لم يقم بإنذار الساحب عند وجود عارض في الدفع .

والسؤال المطروح ماهي الواجبات الاجرائية التي يعد خرقها جريمة موجبة للعقاب ؟

ما يلاحظ بالنسبة للركن المادي في هذه الجريمة أن المشرع فتح المجال لاستيعاب عدد هام من الافعال المجرمة يطغى عليها الطابع السلبي ، أي أنها تتمثل في إمتناع البنك عن القيام بواجباته الإجرائية .وتتعلق هذه الجرائم بمعاينة عوارص الدفع،الإعلام بها و إيضا تلك المتعلقة بإخلاله بالواجبات المحمل بها عند القيام بالتسوية .[124]

ومن هذه الافعال عدم معاينة عوارض الدفع ،كعدم دعوة الساحب لخلاص الشيك أو حتى دعوته دون تفديم أثبات يترك أثرا مكتوبا.

كما تعتبر جريمة منضوية ضمن الفقرة الثالثة من الفصل412 م ت ،عدم تحريرشهادة في عدم الدفع المنصوص عليها بالفصلين410 ثالثا والفصل410 ثالثا مكررم ت .كما يمكن ان يرتكب البنك جرائم أخرى إذا ماأخل بواجب إعلام أطراف الشيك أو كل من البنك المركزي و النيابة العمومية.

ففي صورة إمتناع مصرف مسحوب عليه شيك من الدفع كليا أو جزئيا لانعدام الرصيد أو نقصانه أو عدم قابليته التصرف فيه أن يدعو الساحب في نفس اليوم بواسطة برقية أو تلكس أو فاكس أو بأي وسيلة أخرى شبيهة تترك أثرا كتابيا إلى توفير الرصيد بحسابه أو جعله قابلا للتصرف فيه وذلك في أجل أقصاه ثلاثة عمل مصرفية من تاريخ الإمتناع عن الدفع .

و إذا إمتنع الساحب من الإستجابة لهذه الدعوة في الأجل المذكور يحرر المصرف المسحوب عليه الشيك وجوبا خلال يوم العمل المصرفي الموالي لإنقضاء الأجل المذكور شهادة في عدم الدفع تتضمن نقلا حرفيا للشيك و للتظهيرات و بيانا لتاريخ العرض و إنعدام الرصيد أو نقصانه أو عدم قابليته للتصرف فيه ويبين إن إقتضى الأمر الأسباب الأخرى التي حالت دون دفعه ، ويحتفظ بنسخة من تلك الشهادة على ذمة النيابة العمومية .

ويوجه خلال الثلاثة أيام عمل المصرفية الموالية لليوم الرابع نسخة أخرى للحامل إما مباشرو أو عن طريق المصرف العارض مرفوقة بأصل الشيك .

ويسلم المصرف المسحوب عليه في نفس ذلك الأجل إعلاما إلى عدل منفذ قصد تبليغه للساحب يتضمن نقلا حرفيا لشهادة عدم الدفع مع إنذاره بأن يقوم خلال أربعة أيام عمل مصرفية من تاريخ الإعلام بالتسوية طبقا لأحكام هذا الفصل و إلا جرى تتبعه عدليا في صورة عدم حصول ذلك في الاجال المحددة بالفصل412 ثالثا من هذه المجلة ، و يتضمن الإعلام إنذاره بالإمساك عن إستعمال جميع صيغ الشيكات التي بحوزته أو بحوزة وكلائه غير التي تسلم للسحب المباشر أو المشهود باعتمادها و المسلمة إليه من المؤسسات المصرفية و بوجوب إرجاعها الى المصارف المعنية .

و بدورها تعتبر مخالفة البنك للواجبات الموكولة له عند قيام الساحب بالتسوية جرائم يعاقب عليها ،و في هذا الإطاريمكن ادراج عدم قبضه لمال التسوية ،عدم اعلام الحامل بتوفر الرصيد بوصفهما أهم واجبات البنك في هذ الإطار.

ب – عدم إحترام المصرف للإجراءات المتعلقة بالتسوية

تنص الفقرة الخامسة من الفصل 412 م ت[125] على :” يعاقب بالخطية من خمسمائة دينار إاى خمسة ألاف دينار : كل مصرف مسحوب عليه قبل القيام بالتسوية خارج أجالها أو دون إحترام الشروط الواردة بهذا القسم من المجلة أو أدخل تغييرات على بيانات السجل و ذلك بقطع النظر عن العقوبات التي يستوجبها من تعمد القيام بها وفق التشريع الجاري به العمل”.

و بالتالي على المصرف إحترام الاجال و الشروط المتعلقة بالتسوية و إلا عرض الى المساءلة الجزائية .

و تحصل التسوية قانونا بخلاص الشيك و مصاريف الإعلام الذي يقوم به المصرف بواسطة العدل المنفذ الذي يدعو به الساحب الى توفير الرصيد بحسابه أو جعله قابلا للتصرف فيه ،و تكون التسوية خلال أربعة أيام عمل مصرفية بداية من تاريخ إبلاغ الإعلام إلى الساحب إذا كان المقر المصرح به داخل التراب التونسي و خلال عشرة أيام عمل مصرفية بداية من تاريخ توجيه المكتوب المضمون الوصول إذا كان المقر المصرح به يوجد بخارج التراب التونسي .

ويتم خلاص الشيك : إما بدفع مبلغه مباشرة إلى الحامل خلال الأجل و في هذه الحالة يجب الإدلاء للمصرف المسحوب عليه بما يثبت ذلك بكتب ثابت التاريخ أو محرر من مأمور عمومي مرفوق بأصل الشيك .

أو بتوفير الرصيد بالحساب المسحوب عليه الشيك ، وفي هذه الحالة يتولى المصرف المسحوب عليه تخصيص هذا الرصيد لفائدة الحامل ، و إعلامه حالا بتوفر الرصيد و ذلك بواسطة مكتوب مضمون الوصول يوجه إليه مباشرة في صورة عرض الشيك للأداء بشبابيك المصرف المسحوب عليه .

أما في صورة تقديم الشيك للخلاص عن طريق مصرف فيتولى المصرف المسحوب عليه إعلام هذا الأخير بتوفر الرصيد ، و يقوم المصرف العارض بدوره بإعلام حامل الشيك بذلك بمكتوب مضمون الوصول . و إذا لم يوجه أي من المصرفين الإعلام المذكور فللحامل المطالبة بالفائض القانوني .و يمكن للساحب أن يسترجع بعد حصول التسوية صيغ الشيكات و إستعمالها .

و بالتالي على المصرف قبض مال التسوية و تخصيصه لحامل الشيك و إعلامه خلال يوم العمل المصرفي الموالي بتوفر الرصيد و ذلك بواسطة مكتوب مضمون الوصول مع الإعلام بالبلوغ و تعتبر عند إذن التسوية قد تمت بصفة قانونية .

وفي صورة إمتناع المصرف المسحوب عليه عن قبض مال التسوية لأي سبب كان فإن للسلطة المتعهدة ذات النظر من نيابة عمومية أو قاضي التحقيق أو المحكمة إن رأت سلامة العرض ،أن تأذن للساحب بإيداع المال لدى المصرف المذكور في أجل ثلاثة أيام عمل من تاريخ صدور الإذن بإتمام التسوية .

الفرع الثاني :المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي على معنى المجلة الجزائية

يمكن أن نتصور قيام المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي على معني المجلة الجزائية قي جريمة التحيل على معنى الفصل291 م ج و كذلك في جريمة المشاركة في التسبب في الافلاس على معنى الفصل290 م ج والفصل32 م ج المتعلق بالمشاركة .

المبحث الاول : التحيل

يمكن قيام المسؤولية الجزائية على معنى المجلة الجزائية من أجل جريمة التحيل طبق ما جاء بالفصل 291 م ج الذي ينص على :” يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام و بخطية قدرها الفان و أربعمائة دينار كل من إستعمل إسما مدلسا أو صفات غير صحيحة أو التجأ

الى الحيل و الخزعبلات التي من شأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو إعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من الإخفاق فيه إو وقوع إصابةأاو غيرها من الحوادث الخيالية و يكون قد تسلم أو حاول أن يتسلم أموالا او منقولات أو رقاعا أو ممتلكات أو أوراقا مالية أو وعودا أو وصولات أو إبراءات او اختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول أن يختلس الكل أو البعض من مال الغير .

إن جريمة التحيل هي جريمة متشعبة ومركبة تقتضي توفر ركن مادي و اخر معنوي :

و يتألف الركن المادي فيها من افعال مختلفة عن بعضها ، يتمثل في وقوع فعل الإحتيال بطرق معينة قانونا ، فيما يتمثل الفعل الثاني في عملية الإستيلاء على مال الغير مع ضرورة توفر علاقة سببية بين تلك الافعال .

ففيما يتعلق بفعل الإحتيال فإنه يجب أن يتخذ احد المظاهر التي أوردها المشرع على سبيل الحصر ضمن الفصل 291 م ج ، كان يلجأالجاني الى إستعمال اسم مدلس أو صفة غير صحيحة أو إستعمل الحيل والخزعبلات .

غير أنه لا يمكن الاقتصار على استعمال مثل هذه الاساليب فقط ، بل يجب أن تحقق طرق الخداع المعتمدة أحد الأغراض المنصوص عليها بالفصل سالف الذكر و هي :

إقناع الغير بوجود مشاريع كاذبة لا اصل لها في الحقيقة
إقناع الغير بوجود نفوذ او اعتماد وهمي
بعث الأمل في نجاح غرض من الاغراض او الخوف من اخفائه او وقوع اصابة او غيرها من الحوادث الخيالية
كما أن من الأركان الأساسية التي تقوم عليها جريمة التحيل الإستيلاء على أموال الغير . وقد حدد المشرع الاشياء التي يمكن أن تكون موضوع تحيل وهي الأموال أو المنقولات أو الرقاع أو الممتلكات او الاوراق المالية أو الوعود أو التواصيل أو البراءات و هي منقولات ذات قيمة مالية .

أما في خصوص الركن المعنوي فهو من الأركان الجوهرية لقيام المسؤولية الجزائية في جريمة التحيل ، و هي تفترض اضافة الى القصد الجنائي العام توفر القصد الجنائي الخاص. و يتكون القصد الجنائي العام من عنصرين هما الارادة و العلم ، أي أن يرتكب الجاني جريمته عن قصد أي عن إرادة حرة و إدراك و تمييز بأنه يستعمل وسائل غير شرعية لتسلم أشياء برضى معيب من صاحبها لما شابه من غلط ترتب عن خداع المحتال ، أما القصد الجنائي الخاص فهو إتجاه نية الجاني الى إحداث أثر معين .

و تأسيسا على ذلك فان البنكي الذي يستعمل وسائل غير مشروعة و الذي يكون من ورائها بعث الغير المتعامل مع البنك على الانخداع و الاعتقاد بوجود مبالغ وهمية هدفه في ذلك تحقيق ارباح غير مشروعة ، يلجا الى الحيل و الخزعبلات و ذلك حتى يكسب

أكاذيبه لون الحقيقة و تبعث على تصديقه أو أن يلجأالى إستغلال وثائق كتابية سواء صحيحة أو مزيفة لإعطاء الأكاذيب لون الحقيقة .

و تقوم المسؤولية الجزائية للبنكي من اجل جريمة التحيل عند منحه قروضا لشركة في حالة صعبة او ميؤوس منها بقصد اقناع الغير المتعامل معها بانها في حالة جيدة .

فمنح القروض في هذه الحالة و مواصلة التعامل مع الشركة يحمل الغير اي الحرفاء على الاعتقاد بانها في وضعية جيدة و انها مازالت تحظى بثقة البنك.

فمنح القروض في هذه الحالة يعد بمثابة الخزعبلات الرامية الى إقناع الغير بأمر لا أصل له في الحقيقة .

كما يمكن تصور المسؤولية الجزائية للبنكي من أجل جريمة التحيل عند ممارسة المهنة البنكية بصورة غير شرعية ، فالحريف في مثل هذه الصورة يسلم للبنك غير القانوني أشياءه و أمواله معتقدا انه يتعامل مع بنك قانوني ، غير أن مجرد الكذب في هذه الحالة لا يمكن أن تتأسس به جريمة التحيل ، بل يجب أن يكون هذا الكذب مصحوبا بأعمال تحيل خاصة عند تعاطي المؤسسة لمهنة بنكية وأيهامها الغير بأنها بنك .

غير أن فقه القضاء إعتبر أن الإتصاف بصفة مدلسة يكفي وحده لإعطاء جنحة التحيل صفتها القانونية طبق الفصل 291 م ج.[126]

ويكون البنك مدلسا عندما لا يتم تكوينه بشكل قانوني و لم يحصل على الرخصة المستوجبة

لتعاطيه النشاط البنكي و في ذلك انسجام مع أحكام الفصل 291 عندما نص على أن الإحتيال يحصل بإستعمال رسم مدلس أو صفة غير صحيحة أو إستعمال حيل أو خزعبلات و يخلص

مما ذكر ان جريمة التحيل هنا تقوم عند تعاطي نشاط بنكي دون وجه شرعي ،

لذلك من يقوم بإيداع أمواله لدى بنك وهمي أو غير قانوني ، يجب أن يثبت أن عملية الإيداع لاحقة لتلك الصفة.

و هذا يعني ضرورة توفر علاقة سببية بين الإيهام بالبنك الوهمي أو بالبنك الغير قانوني و عملية تسلم الاموال.[127]

والجرائم التي يمكن أن يرتكبها البنكي و التي يمكن تكييفها بالتحيل عديدة ، لذا سوف نقتصر

على مثال جريمة الممارسة الغير شرعية للمهنة البنكية ، حيث سنتولى تحليل مدى تطابقها مع جريمة التحيل .

الفقرة الأولى : وسائل التحيل

إن وسائل التحيل الواقع تعدادها على سبيل الحصر بالفصل 291 م ج تنطبق فيأاغلبها على عملية الممارسة غير الشرعية للمهنة البنكية ، فالحريف سوف يتعامل مع شخص على إعتبار أنه بنكي بشكل قانوني . و بناءا على ذلك سوف يسلم للبنك المزعوم أموالا أو إحدى الأشياء الوارد ذكرها بالفصل 291 جنائي .

وقدأاقر فقه القضاء ان :” الإتصاف بصفة مدلسة يكفي لوحده لإعطاء جنحة التحيل صفتها القانونية طبق الفصل 291 جنائي.[128]

و قد جاء في قرار تعقيبي جزائي ان :”المتهم اعترف بأنه بعد تخليه عن العمل بالمؤسسةإاستعمل صفته القديمة ، وأوهم الغير بكونه لازال تابعا لتلك المؤسسة ، متحصلا منه على مبالغ مالية ، فقد توفرت أركان جريمة التحيل طبق الفصل 291 جنائي “[129]

و الملاحظ أن الإختصار على مجرد الكذب بوجود مؤسسة بنكية أو إمتهان مهنة البنكي لا يمكن ان تؤسس جريمة التحيل . فالكذب لا يكون جنحة التحيل إلا حينما يكون مصاحبا

بأفعال تحيل و خاصة عن طريق إبتداع مؤسسة تتعاطى انشطة بنكية و إيهام الناس بكونها بنك .[130]

و يكون البنك مدلسا حينما لا يتم تكوينه بشكل قانوني و لم يتحصل على الرخصة اللازمة وفق الفصل الثاني من القانون البنكي .

و قد جاء بقرارات محكمة التعقيب ما يلي :”يقتضي الفصل 291 من الم الج ان جريمة الاحتيال تحصل باستعمال رسم مدلس او صفة غير صحيحة أو إستعمال حيل أو خزعبلات و تأسيسا على ذلك ، يكون القرار الذي لا يتعرض للوسائل المذكورة أو يقتصر على قيام شهادات باستخلاص أموال زائدة معرضا للنقض ، لأنه لم يبين قيام المنسوب اليه الإحتيال بأي عمل مادي أو مظهر خارجي يتوصل بها على الإستيلاء على أموال الناس .”[131]

الفقرة الثانية : حصول الضرر للضحية

تعتمد جريمة التحيل على قيام المتضرر بتسليم اموال للجاني ، و عليه يحصل هناك اثراء في جانب المتحيل في مقابل افتقار في جانب الضحية .[132]

و عليه فان الضرر المادي مفترض في قيام جريمة التحيل ، و هذا يمثل شرطا اساسيا يخول المتضرر القيام بالحق الشخصي طالبا تعويضا عن الاضرار المادية الاحقة به طبق الفصل 7 ا ج .

الفقرة الثالثة :وجود العلاقة السببية بين الممارسة غير الشرعية و تسلم الأموال

إن استقراء الفصل 291 م ج يبين انه يقوم بتعداد الأفعال قبل أن يتعرض الى الأشياء التي يقع الاستيلاء عليها بفضل تلك الافعال.

و هذا المنحى يؤكد أن التحيل الذي هو في صورة الحال يتمثل في تعاطي نشاط بنكي دون وجه شرعي ، يجب أن يسبق تسلم الأموال . فمن يقوم بإيداع أمواله لدى بنك وهمي ، يجب أن تكون عملية الإيداع لاحقة لتلك الصفة و سببا لها ، وهذا الشرط أساسي حتى يأخذ فعل التحيل التكييف القانوني اللازم .

المبحث الثاني :جريمة المشاركة في التسبب في الافلاس

يمكن ان تقوم المسؤولية الجزائية على معنى المجلة الجزائية ، عندما تتوفر شروط قيام جريمة المشاركة في التسبب في الافلاس على معنى احكام الفصل290 م ج الذي ينص :

“يعاقب بالسجن مدة عامين التاجر الذي صير نفسه معسرا بسبب تبذيره او بمجازفته في مضاربات لا تدخل في دائرة عملياته الاعتيادية.

اذا ثبت انه اغرق احد التجار بالقروض و التسهيلات بما يمكنه ان يصير نفسه معدما بسبب تبذيره و احتكاراته الموكولة للمصادقة غير داخلة في عملياته الاعتيادية”.

ويمكن تصور تسبب البنك في إفلاس أحد المؤسسات ،عندما يعمد الى مدها بقروض مشطة زادت حالتها سوءا، خاصة عندما تكون هذه المؤسسة خاضعة الى برنامج إنقاذ، فيكون البنك بتصرفه قد عطل تنفيذ ذلك البرنامج .

ولتحديد عناصر المشاركة في هذه الحالة يتعين الرجوع للفصل32 م ج ، إذ أن المشرع التونسي خلافا للمشرع الفرنسي لم يحدد عناصر المشاركة ، و هذا الفصل يضع5 حالات ، لكن الفقه يرى أن ثلاثة منها فقط يمكن ان تنال البنكي و يعاقب على اساسها بوصفه مشاركا .

أولا : الأشخاص الذين أرشدوا لإيقاع الجرائم أو تسببوا في إيقاعها بعطايا أو تهديدات أو تجاوز في السلطة أو خزعبلات أو حيل خبيثة .
ثانيا : الأشخاص الذين مع علمهم بالمقصد المراد الحصول عليه أعانوا على ايقاعه أو الألات او غير ذلك من الوسائل للاستعانة بها عن الفعل .
ثاالثا :الأشخاص الذين مع علمهم بالمقصد المذكور أعانوا فاعل الجريمة على الأعمال الإستعدادية أو المسهلة لايقاعها أو على الأعمال التي وقعت بها الجريمة بالفعل بدون أن يمنع ذلك من العقوبات الخاصة المقررة بهذا القانون لمرتكبي المؤامرة او لمستجلبي ما فيه خطر على امن الدولة الداخلي و الخارجي.
وإعتبر فقه القضاء أن عنصر المشاركة يتمثل في قيام المصرف بدعم صاحب المؤسسة وهو يعلم أن حالتها ميؤوس منها ،أما إذا كان البنكي قد أعطى معلومات أو مساعدات يجب ان تكون الأوامر التي اعطاها لذلك الشخص الذي كان قد تسبب في إفلاسه واضحة المعالم و الا تكون غامضة .[133]

ويعرف القانون الفرنسي جريمة المشاركة في التسبب في الافلاس ، بانها الجريمة التي تقوم بمجرد قيام البنك بمنح قروض لمؤسسة في وضعية مالية صعبة و سبق اخضاعها الى برنامج تسوية .و يحدد الفصل197 من قانون25 جانفي1985 اركان هذه الجريمة .

فالركن المادي يتمثل في منح قروض مشطة او ضمانات مجحفة .

ويمكن ان يزيد القرض الممنوح للمؤسسة في تدهور حالتها ، حتى ولو منح بطريقة عادية وقانونية ، اذا كان ذلك القرض يتجاوز المقدرة المالية للمؤسسة .

اما الركن المعنوي فانه يتمثل في علم البنك بالوضعية المالية الحقيقية لحريفه ،

سواء كان شخصا طبيعيا او معنويا

الفرع الثالث : المسؤولية الجزائية على معنى النصوص الخاصة

تقوم المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي على معنى النصوص الخاصة عند خرق البنوك لواجباتها المتمثلة في توفير المعلومات سواء كان ذلك بالنسبة لادارة الجباية او ادارة الديوانة او هيئة السوق المالية ، كذلك عند خرق واجباتها المفروضة عليها في اطار مكافحة تبيض الاموال.

المبحث الاول : خرق واجب الاعلام

يتحرر مستخدمي البنك الملزمون بالسر المهني في كل مرة يفرض القانون الإفضاء بالسر، و يتم ذلك عندما تبرز مصالح تعلو على المصلحة الخاصة بالمهني أو الحريف .” فالسرية

المصرفية ليست مطلقة بل إن إفشاءها مبرر في بعض الحالات التي تتعلق بالمصلحة العامة الإقتصادية و بمصالح العاملين في المجال الاقتصادي[134].

ففي كل هذه الحالات تلتزم المصارف بتقديم المعلومات اللازمة عن العميل”. فالمصلحة العامة التي تفرض إحترام الموجب في الحالات العادية ، ” تقبل على العكس بافشائه من أجل أسباب أكثر أهمية تبرر إفشاء السر وردت في نصوص خاصة “[135].

الفقرة الأولى : خرق واجب إعلام إدارة الجباية

إن تعبئة الموارد المالية و توجيهها الى الاستثمارات تشكل إحدى الإهتمامات الأساسية للسلطات العمومية ، و من هنا فإن الضريبة تعتبر أداة للتنمية الاقتصادية كعنصر أساسي لتوفير الموارد و محث و مشجع على الإستثمار .

لذا فان الواطنين مدعويين الى التقيد الدقيق بالأداء الجبائي بصفته واجبا مقدسا يعتبر اي اخلال به انتهاك لحق المجتمع كله .

مثل هذا القول يعبر عن طبيعة العلاقة التي يجب ان تكون بين المطالب بالأداء و بين ادارة الجباية ، ” فالعلاقة تقوم على فرض إحترام الواجب مع الحفاظ على حقوق الخاضع للأداء ، دون التعدي على حقه المشروع في الملكية .

على ان فرض احترام الواجب الجبائي قد يلاقي تصديا من المطالب بالاداء اما بغية التهرب من الضريبة و إما لكون هذا الأخير يرى أنه قد أدى واجبه الجبائي .”[136]

أ – سلطة الاطلاع المخولة لادارة الجباية

كان هم المشرع الوحيد من خلال تنظيم الميدان الجبائي منح الادارة المعنية سلطة إجراء شبه رقابة على تصرفات الأفراد من خلال منحها صلاحيات هامة .

و تجدر الإشارة أن مثل هذه الصلاحيات التي تمكن أعوان إدارة الجباية من الإطلاع المستمر على حقيقة الوضع المالي ، ينتج عنه الكشف عن أسرار حرفاء البنك . لذا تسعى البنوك الى معارضة أعوان الإدارة بواجب الحفاظ على السر البنكي .

فأحقية إدارة الجباية في الاطلاع على دفاتر و حسابات البنوك لملاحقة الحرفاء و فرض الضريبة المناسبة لم يكن محل اجماع . اذ نجد تباينا في القوانين منها ماهو مقر لهذا الحق[137] و منها ما هو رافض له ، “على غرار المشرع السويسري الذي ” لا يلزم المصارف بتقديم اي بيانات او معلومات تتعلق بحرفائها …..”

و يسري الحظر المنصوص عليه على جميع الاشخاص بما في ذلك الجهات التي يخولها القانون سلطة الاطلاع او الحصول على الاوراق و البيانات المحظور افشاء سريتها طبقا لاحكام القانون .”[138]

في مقابل ذلك تجبر القوانين الفرنسية البنوك على” تقديم يد المساعدة لإدارة الجباية قصد تحصيل الضرائب والرسوم و تعطي لمأموري المالية حق الإطلاع والتفتيش لمراقبة حسن تنفيذ القوانين المالية رغم مخالفة ذلك لمبدأ السرية .”[139]

فالحق في السرية لا يمكن أن يكون مطلقا ، لذا خول المشرع لإدارة الجباية سلطة رقابة تعتمد في المقام الأول على المعلومات الخاصة بالأفراد من بينهم حرفاء البنك و التي تهتم الدولة بالحصول عليها .

مما جعل الأستاذ محمود خليل بحر يعتبر ” أنه يمكن للمرء ان يقرر دون مبالغة أو تشاؤم أن الحياة الإجتماعية تعاني من داء يسمى بالتطفل على الحياة الخاصة و انتهاكها “[140]

و لا تتمثل اليات مراقبة أدارة الجباية في أمكانية مراجعة الوضعية الجبائية و تصحيح التصريح بطلب كل الارشادات والتوضيحات فقط بل تشمل كذلك حق الإطلاع، كالإطلاع على أرقام الحسابا ت المفتوحة لدى الؤسسات البنكية.

فهذه المراقبة تهدف الى إضفاء مزيد من النجاعة على عمل المصالح المالية ، الا أنها كثيرا ما تصطدم بلجوء البنوك الى التذرع بالحفاظ على السر البنكي .

و ” بما أن التشريع الجبائي بوصفه تشريعا اقتصاديا له ذاتية خاصة مستمدة من حمايته لمصالح معينة هي ما يتعلق بمالية الدولة ….. فإن المشرع ركز إهتمامه بتنظيم المسائل الجبائية بما يسد الباب على كل من يحاول الخروج عن احكامها .”[141]

و تعرف سلطة الإطلاع بأنها :” الحق الممنوح لأعوان الإدارات الإقتصادية و الذي يمكن بمقتضاه الحصول على جميع الوثائق التي يحتاجونها لأداء المهام المسندة إليهم مما ينتج عن ذلك من الإطلاع على تلك الوثائق و إمكانية أخذ نسخ منها .”[142]

ب – ميدان المعلومات :

يتمتع البنك بعدة صفات و وظائف فهو مقرض و مقترض و هو في نفس الوقت مؤجر و يتقاضى في اطار هذه المعاملات عمولات و فوائض و يقوم بصرف عمولات و فوائض خاضعة لمعاليم جبائية محددة حسب الصنف و النوع ، كما يندرج ضمن عمليات البنك فتح الصناديق الحصينة و التي تسعى ادارة الجباية الى معرفة محتواها خاصة عند وفاة صاحب الصندوق لتقاضي المعلوم الموظف على الشركات .[143]

و قد نص الفصل 95 من مجلة معاليم التسجيل و الطابع الجبائي أنه : “على كل شخص او شركة يتولى بصفة معتادة تأجير صناديق حصينة أو أقسام منها :

أن يصرح بذلك الى قباضة المالية الراجعة لها بالنظر مقر إقامته و إن لزم الأمر الى القباضات التي ترجع لها بالنظر مقرات فروعه او وكالاته التي تتولى تأجير الصناديق ، و أن يمسك فهرسا هجائيا يبين وثائق الإثبات المقدمة مع ذكر أسماء كل المستأجرين لصناديق حصينة و ألقابهم ومهنهم و مقراتهم الحقيقية وكذلك أرقام تلك الصناديق و أن يقدم هذه الفهارس و الدفاتر عند كل طلب صادر عن ادارة الجباية .”

أما الف الفصل 101 من المجلة المذكورة أعلاه أوجب على الإدارات العمومية والمؤسسات و الهياكل الخاضعة لمراقبة السلطة الادارية و الشركات والبنوك و المؤسسات المالية

و المأموريين العموميين و وكلاء الاعمال و وسطاء البورصة الذين اودع لديهم اوهم ماسكون او مدينون بسندات و مبالغ او قيم تابعة لشركة قد بلغ لعلمهم فتحها ان يرسلوا الى مركز مراقبة الاداءات التابعين له بواسطة ارسالية مضمونة الوصول مع الاعلام بالبلوع قائمة في هذه السندات و المبالغ و القيم و تحرر هذه القائمة على مطبوعة توفرها ادارة الجباية .[144]

علاوة على النصوص القانونية المشار اليها اعلاه اوجب الفصل 17 مجلة الجبائية [145]على المؤسسات البنكية و البريدية في خصوص نشاطها المتعلق بفتح الحسابات بالادلاء الى المصالح الجبائية المختصة عند الطلب كتابيا في اجل اقصاه ثلاثين يوما من تاريخ تبليغ الطلب بارقام الحسابات المفتوحة لديها .

اما الفصل 16 من نقس المجلة فقد تضمن في فقرته الاخيرة انه :” لا يمكن للمصالح والاشخاص الطبيعيين و المعنويين المشار اليهم بهذا الفصل ، في غياب احكام قانونية ،

مخالفة الإعتصام بواجب المحافظة على السر المهني إزاء أعوان مصالح الجباية لممارسة حق الاطلاع .”

و لتحقيق التوازن المنشود بين مصالح الافراد و بين المصلحة العامة و أمام التدخل المكثف للإدارة الذي قد يؤدي الى نشوب نزاع بين الاطراف المتداخلة ، سارع المشرع الى تنقيح الفصل 17 م جبائية في فاصل زمني قصير ليحد من حق إطلاع ادارة الجباية الذي لا يقع الرجوع إليه إلا في حالة المراجعة المعمقة للوضعية الجبائية للمؤسسات و للأشخاص الطبيعيين ، أي عندما توجد قرائن قوية على عدم احترام المطالب بالاداء لواجباته الجبائية .[146]

و للوصول الى هدفها الاساسي لمواجهة التحيل و التهرب الضريبي من الضروري تمكين الادارة المعنية من صلاحية التثبت و التدقيق في حقيقة المعلومات المتوفرة لديها و الممسوكة

لدى الغير كالبنك قصد مراجعة التصاريح و اما لقيام بتقدير اداري للضريبة .

اذا كان البنك يقوم في الميدان الجبائي بتصريحات دورية و مكثفة و بصفة تلقائية فان لتلك الادارة حق إطلاع موسع قصد ممارسة سلطاتها . و ما تجدر الاشارة اليه ان :” سلطة الإطلاع ليست حكرا على الادارة السالفة طالما أن المشرع منح تلك السلطة بصفة عامة للأعوان المكلفين بالتحقيق في المخالفات الاقتصادية . و تبعا لذلك فإن مختلف حقوق الاطلاع المنصوص عليها لفائدة الادارة الجبائية يمكن ممارستها من طرف أعوان الديوانة في إطار مراقبة تطبيق تراتيب الصرف .”[147]

الفقرة الثانية : خرق واجب اعلام ادارة الديوانة

في إطار سعيه الى تنظيم الحياة الإقتصادية تنظيما محكما و التصدي لكل ما من شأنه أن يشكل خطرا على الاقتصاد الوطني حرص المشرع على تمكين عديد الإدارات بإجراء مراقبة في مجال اختصاصها بغاية السهر على حسن تطبيق القوانين و التراتيب الجاري بها العمل .[148]

و تبعا لذلك نص الفصل 26 من مجلة الصرف و التجارة الخارجية على انه في اطار مراقبة تراتيب الصرف انه يمكن لاعوان ادارة الديوانة[149] ممارسة جميع حقوق الاعلام المنصوص عليها لفائدة ادارة الجباية .

و بناءا على ما تقدم فان ادارة الديوانة تتمتع بسلطات غير متباينة مع تلك الممنوحة لادارة الجباية ، لا يمكن ممارستها باي حال من الاحوال خارج ميدان تطبيق تراتيب الصرف .[150]

يتمتع اعوان الديوانة بحق اطلاع “خاص ” ورد بالفصل 54 من مجلة الديوانة ،[151] فقد منح المشرع هؤلاء الاعوان حق اطلاع على كل الوثائق المتعلقة بالعمليات التي تهم مصلحتهم ،كما يلزم جميع الاشخاص الماديين و المعنويين وحتى اولئك الاشخاص الذين ينتمون الى طائفة الامناء على الاسرار المهنية كارباب البنوك و مستخدميها الامتثال لطلب ادارة الديوانة .

و ما غاية المشرع من هذا الواجب الا محاولته مجابهة التهريب و التصدي للجرائم الديوانية التي قد تهدد الاقتصاد الوطني .

و لا يمكن حسب رأي محكمة التعقيب الفرنسية مجابهة أعوان الديوانة بواجب الحفاظ على السر المهني من قبل بعض الأشخاص كالبنوك إذا كانت الوثائق متعلقة بعمليات داخلة

في مشمولات مصلحة الديوانة[152] .

وفي إطار حمايته استقرار الاقتصاد الوطني منح المشرع سلطة الاطلاع الى العديد من الهيئات لمراقبة البنوك كل في حدود اختصاصها حتى تتمكن من القيام بالمهام الموكولة اليها على أكمل وجه .

الفقرة الثالثة : خرق واجب اعلام هيئة السوق المالية

اذا كان السر البنكي يتعلق بالاساس بثروات الاشخاص و أعمالهم فان ميدانه يشمل ايضا أسرار البنك ذاتا معنوية مستقلة عن حرفائه ، و هو في أمس الحاجة الى أن تبقى أعماله مكتومة عن الغير .

هذا ما قد يفسر الاهتمام بالالتزام بالسر إذ لم يعد يقتصر على حماية الحياة الخاصة و ما يتعلق بالذمة المالية قحسب . فبديهي أن ينطبق على البنك في إطار الدور الذي يلعبه في الدورة الاقتصادية و لضمان شفافية معاملتها نظرا لأنها مقرض و مقترض في الان نفسه .

فقد وقع تكليف هيئة السوق المالية ” …… بالسهر على حماية الادخارالمستثمر في الاوراق المالية القابلة للتداول بالبورصة و في توظيف للاموال يتم عن طريق المساهمة العامة …”[153]

كما نص الفصل الاول من قانون عدد 117 لسنة 1994 المؤرخ في 14 نوفمبر 1994 و المتعلق بإعادة تنظيم السوق المالية[154] على” أن البنوك تعتبر من ضمن شركات مساهمات عامة و ذلك بقطع النظر على عدد مساهميها .”

و يترتب على هذا التكييف عدة واجبات تتحملها مؤسسات القرض عموما ، يقصد منها تنظيم القطاع المالي تنظيما محكما .

و قد أخضع المشرع كل المتعاملين مع هيئة السوق المالية الى مراقبتها المستمرة ، عن طريق تمكينها من سلطة الاطلاع على الوثائق التي تحتاجها لاجراء المراقبة و ذلك بواسطة اعوان تؤهلهم لهذا الغرض .

فقد اوجب الفصل الثالث من قانون 14 نوفمبر 1994 على شركات المساهمة العامة ” ان تودع لدى هيئة السوق المالية و بورصة الاوراق المالية بتونس او ان ترسل اليها و ذلك ابتداءا من تاريخ الدعوة الى انعقاد الجلسة العامة العادية :

جدول الاعمال و مشروع اللوائح المقترحين من طرف مجلس الادارة .
الوثائق المنصوص عليها بالفصل 85 من المجلة التجارية .
كما انه على البنك بوصفه شركة مساهمة عامة ان يودع لدى هيئة السوق المالية و بورصة الاوراق المالية بتونس او ان يرسل اليهما في اجل اقصاه

الجلسة العامة العادية اللوائح المعتمدة و القوائم المالية التي وقعت المصادقة عليها و تقارير مراقب الحسابات و قائمة المساهمين و قائمة حاملي الرقاع القابلة للتحويل مع الاشارة الى حقوق الاقتراع المكتسبة والقابلة للاكتساب و الراجعة لكل حامل سندات .[155]

وقد اقر المشرع عقابا جزائيا في صورة الاخلال بهذا الواجب حيث ينص الفصل82 من نفس القانون “يعاقب بخطية من 500 الى 2000 دينارا الرؤساء المديرون العامون و المديرون العامون و اعضاء مجلس الادارة و كدلك الوسطاء ( ………)

و يعاقب بنفس العقوبات الرؤساء المديرون العامون و المديرون العامون لشركات المساهمة العامة الذين يخرقون عمدا الواجبات المنصوص عليها بالفصول 3 و 4 و 21 من هذا القانون “.

و بالتالي فان خرق الفصل الثالث من هذا القانون يدخل تحت طائلة العقاب الجزائي الوارد بالفصل 82 من نفس القانون .

” وبهدف تسهيل مهمة الاعوان و تجنيبهم المضايقات ، حاول المشرع ايجاد ضمانات قانونية تكفل احترام الصلاحيات الممنوحة لاعوان الادارات “[156]

و اعتبر المشرع تبعا لذلك رفض مد الادارات بالوثائق اللازمة او مجابهتها بموجب الحفاظ على السر البنكي من قبيل جرائم العرقلة قصد تجنيبها التعرض الى مضايقات و عوائق .

و قد نص الفصل 82 من القانون المتعلق بالسوق المالية على :” يعاقب بالسجن لمدة تتراوح من ستة عشر يوما الى ستة اشهر و بخطية تتراوح من 500 الى 2000 دينارا او باحدى العقوبتين فقط ، كل شخص يتولى عمدا عرقلة الاعوان المكلفين بالبحث عن مباشرتهم لمهامه .”

و يستخلص من هنا ان الإخلال بهذه الواجبات تمثل كلها جرائم عمدية لا تقوم إلا بتوفر الركن المعنوي و بالتالي يجب أن يكون الشخص الذي إرتكب احدى الاخلالات السالفة الذكر عالما بأنه يقوم بفعل مجرم ومعاقب عليه قانون .

كما يمكن للبنك أن يساءل من أجل جريمة ترويج معلومات زائفة و مضللة ، وذلك للتأثير على الأسعار داخل السوق المالية و تحقيق أرباح على حساب مؤسسات أخرى منافسة ، أو من أجل جريمة القيام بمناورات ، الهدف من ورائها الإخلال بالسير العادي للسوق و إيقاع الغير في الخطأ .

المبحث الثاني : مسؤولية البنك الجزائية في اطار مكافحة تبييض الاموال

إضافة للدورالرئيسي الذي تلعبه البنوك في الحياة الإقتصادية تحضى بدور بالغ الأهمية بمساعدتها للسلط الأمنية لغاية تحقيق العدالة و الأمن والإستقرار بإعتبارها الفاعل الأساسي في الكشف عن ظاهرة غسيل الأموال للحد منها و الحد من الظاهرة الإرهابية .[157]

لذلك فإن توجه التشريع التونسي على غرار مختلف التشريعات الأروبية ترمي إلى إقرار المسؤولية الجزائية البنكية في صورة عدم حرصها على الحد من هذه الظاهرة .

و قبل الخوض في هذه المسؤولية يجدر تعريف جريمة تبييض الاموال حتى نتمكن من تحديد المسؤولية الجزائية البنكية الناتجة عنها .

الفقرة الأولى : تعريف جريمة تبييض الاموال

عرفت اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الإتجار غير المشروع في المخدرات و المؤثرات العقلية لسنة 1988 ضمن مادتها الثالثة ، بفقرتها الاولى ، بالفقرات الفرعية ب1 و ج1 صور غسل الاموال :

اولا : تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها مستمدة من إحدى الجرائم المرتبطة بالمخدرات او من أحد أفعال الاشتراك في مثل هذه الجرائم ، بهدف إخفاء أو تمويه المصدر الغير المشروع للأموال قصد مساعدة أي شخص متورط في إرتكاب مثل هذه الجرائم على الإفلات من العقوبات القانونية عن أفعاله .
ثانيا :اخفاء او تمويه حقيقة الاموال او مصدرها او مكانها او طريقة التصرف فيها او حركتها او الحقوق المتعلقة بها او ملكيتها ، مع العلم بانها مستمدة من احدى الجرائم المرتبطة بالمخدرات او المستمدة من احد افعال الاشتراك في مثل هذه الجرائم .
ثالث : اكتساب او استخدام الاموال مع العلم وقت تسليمها بانها مستمدة من احدى الجرائم المرتبطة بالمخدرات او المستمدة من احد افعال الاشتراك في مثل هذه الجرائم .
و تضيف الفقرة الثالثة من المادة نفسها أنه يجوز الاستدلال في الظروف الواقعية والموضوعية بالعلم أو النية او القصد ليكون ركنا لإحدى الجرائم المرتبطة بالمخدرات.

و لقد كان هذا التعريف مصدر استلهام المشرع التونسي الذي ارتاى دعم المجهود الدولي الرامي الى مكافحة كل مظاهر الارهاب و التصدي لمصدر تمويله و منع غسل الاموال المتأتية من الجريمة و ذلك في اطار الاتفاقيات الدولية و الاقليمية و الثنائية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية .

و قد وقع تعريف غسل الاموال ضمن الفصل 62 من قانون 10 ديسمبر 2003 بانه :”يعد غسلا للاموال كل فعل قصدي يهدف باي وسيلة كانت الى التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع لاموال منقولة او عقارية او مداخيل متاتية بصفة مباشرة او غير مباشرة من جنحة أو جناية .”

و تضيف الفقرة الثانية من نفس الفصل بأنه يعتبر أيضا غسلا للأموال كل فعل قصدي يهدف الى توظيف أموال متاتية بصفة مباشرة من جنحة أو جناية او الى ايداعها او اخفائها او اداراتها او ادماجها او الى المساعدة في ذلك .

و لقد تناول المشرع التونسي صورتين للسلوك الاجرامي المكون للركن المادي لجريمة غسل الأموال :

– الصورة الاولى : التبرير الكاذب للمصدر غير المشروع للاموال المتاتية من الجريمة .

– الصورة الثانية : الصور التفصيلية للافعال او السلوك المكون للركن المادي لجريمة غسل الاموال ، الايداع ، التوظيف ، الاخفاء ، الادارة ، الادماج ، الحفظ و المساعدة في ذلك .

و قد سار المشرع التونسي على درب نظيره الفرنسي[158] حيث جرم ظاهرة غسل الاموال بمقتضى نص قانوني خاص ، خالقا بذلك تجريما عاما لغسل الاموال ، و هذا القانون هو القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في 10 ديسمبر 2003 المتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب و منع غسل الاموال [159].

ووفقا لهذا القانون الجديد فان المشرع التونسي قد وسع في نطاق التجريم من خلال التوسع في محل الجريمة جنحة او جناية .

الفقرة الثانية : مناط التجريم

لقد أحاطت أغلب التشاريع العمليات البنكية بسياج من الكتمان ، و مع ذلك فإن نتيجة الخروج عن هذا الإلتزام تختلف باختلاف حدود السرية المنطبق في كل دولة.

فلا تسمح الدول التي تعتنق مبدأ السرية المطلق بالخروج عنه او السماح بأي إستثناءات الا في أضيق الحدود فتصبح مثل هذه الدول ” أرض الميعاد ” و ملاذ “اصحاب الاموال القذرة”، الذين يلجؤون اليها لغسلها عن طريق ادخالها الى البنوك و المؤسسات المالية و الشركات ثم اعادة توظيفها في مشاريع مشروعة .

و نظرا لكون الاموال ناجمة عن الجريمة المنظمة بشتى انواعها فان عديد الدول و على رأسها تونس تحرص على ملاحقة عمليات التهريب و عدم دخول او خروج أموال المخدرات إليها أو منها .

و لذا تحاول إرساء إجراءات مختلفة لإختراق حاجز السرية البتكية .

إن خطورة الدور الذي تلعبه البنوك كفاعل أصلي أو كشريك في مثل هذه الجرائم دفع بالمشرع للحد من نظام السرية المصرفية بشكل صارم ، اذ يعاقب حسب منطوق الفصل 22

من القانون السابق ذكره بالسجن مدة عام الى خمسة اعوام و بخطية من الف الى خمسة الاف دينار كل من يمتنع و لو كان خاضعا للسر المهني عن اشعار السلط ذات النظر فورا بما امكن له الاطلاع عليه من افعال و ما بلغ اليه من معلومات ….”

لقد دفع نقص أو غياب التنظيم الخاص بمقاومة غسيل الأموال المشرع الى إثقال البنوك بجملة من الواجبات تتراوح بين التدقيق من هوية الحريف و مصدر امواله أي ألزمها بواجب الإحتياط l’obligation de vigilance و واجب اعلام السلط الادارية (البنك المركزي)

و القضائية عندما يشتبه بغسيل للاموال وهو في ذلك ساير المشرع الفرنسي [160] . و يضع القانون عقوبات على مخالفة احكامه تجمع بين الخطايا الثقيلة و تلك السالبة للحرية .

إذ ينص الفصل 69 من قانون 2003 على :”يجب على الذوات المعنوية إتخاذ قواعد التصرف الحذر التالية :

ـالإمتناع عن قبول أي تبرعات أو مساعدات مالية مجهولة المصدر أو المتأتية من أعمال غير مشروعة يعتبرها القانون جنحة أو جناية أو من أشخاص طبيعيين أو معنويين أو تنظيمات أو هياكل عرفوا بتورطهم داخل نطاق الجمهورية أو خارجه ،في أنشطة لها علاقة بالجرائم الإرهابية .

ـالإمتناع عن قبول أي إشتراكات تتجاوز قيمتها السقف المحدد قانونا.

ـالإمتناع عن قبول أي تبرعات أو مساعدات مالية أخرى ،مهما كان حجمها،وذلك في ما عدا الإستثناءات المقررة بمقتضى نص خاص من القانون .

ـالإمتناع عن قبول أي أموال متأتية من الخارج إلا بواسطة وسيط مقبول يوجد مقره بالبلاد التونسية و يشرط أن يحول القانون الجاري به العمل دون قبولها ،

ـالإمتناع عن قبول أي مبالغ مالية نقدا تساوي أو تفوق ما يعادل خمسة ألاف دينار ولو تم ذلك بمقتضى دفعات متعددة يشتبه في قيام علاقة بينها.”

كما ألزم القانون البنوك بارسال تقارير للبنك المركزي مع مسك دفاتر وسجلات تقيد بها العمليات المالية مع الخارج .

فالمشرع ” استعمل اسلوب “اعرف عميلك” المتبع في الولايات المتحدة الامريكية اذ يتعين على كل بنك ان يقوم بتطبيقه بغض النظر عن حجم العملية المصرفية و القانونية ……… كما تقضي قاعدة “اعرف عميلك” ان يحتفظ كل بنك بكل الوثائق المثبتة لهوية العميل و للعمليات المصرفية ……وذلك درءا للمعاملات المشبوهة .”[161]

وينص الفصل 70 من نفس القانون في هذا الصدد على :”يجب على الذوات المعنوية :

ـ مسك حساباتها بدفتر يومي يتضمن جميع المقابيض و المصاريف ،

ـ مسك قائمة في المقابيض و التحويلات التي لها علاقة بالخارج،تتضمن بيانا في المبالغ المتصلة بها و موجبها وتاريخها مع التعريف بالشخص الطبيعي أو المعنوي المعني بها و ينهى نظير منها إلى مصالح البنك المركزي التونسي،

ـ إعداد موازنة سنوية ،

ـ الإحتفاظ بالدفاتر و الوثائق المحاسبية ،سواء كانت محمولة على حامل مادي أو إلكتروني مدة لاتقل عن عشرة أعوام من تاريخ إنهاء العمل بها…”

فالمشرع التونسي على غرار المشرغ الفرنسي [162] حمل الذوات واجب اشعار السلط ذات النظر بما أمكن لهم الاطلاع عليه من أفعال وما بلغ اليهم من معلومات أو ارشادات تتعلق بغسيل الأموال و الا كانت مهددة بعقوبات شديدة .

فمن واجب البنوك التي تقوم لديها الشبهة على غسيل الأموال أن تمتنع عن إجراء العملية لصالح الحريف الا بعد ابلاغ السلطات المختصة .

إذ تفرض الحيطة على البنوك أن تحرص على الفحص الدقيق للعمليات والتثبت من هوية الافراد ، و إلا كانت عرضة للمساءلة الجزائية لمساهمتها في النشاط الإجرامي ، وقد فرض الفصل 74 من قانون 2003 واجب تثبت البنك من هوية الأفراد والإمتناع عن إنجاز أي عملية أو معاملة لاتتضمن هوية المعنيين بها ،والتثبت يكون من خلال الوثائق الرسمية ،وإذا كان الحريف ذاتا معنوية التحقق بالإستناد إلى وثائق أوسجلات رسمية من تكوينها و من شكلها القانوني ومقرها الإجتماعي و هوية مسيريها وممن لهم صفة الإلتزام في حقها.

إذ أن قبول المؤسسة ايداع او تحويل الاموال الغير نظيفة مع علمها بالجريمة الاولية التي تودع لديها ، من شأنها تيسير غسيل الاموال و إعتبار البنك بذلك مساهما .

و يلاحظ في خصوص اتساع معنى العلم ،”انه لا يشترط أن يكون البنك يعلم مبارشة بعدم شرعية مصدر الاموال المشبوهة ، بل يكفي لتحقيق هذا العلم ان يكون من الممكن

استخلاصه من مجموع الظروف الموضوعية التي تحيط بالواقعة نفسها ، وذلك فيما اذا كانت العملية المصرفية مثيرة للريبة بصورة جلية من خلال ظروف الحال .”[163]

كما أن المشرع الفرنسي أقر بصريح النص أنه في صورة قيام البنك بتصريحات حول وجود أموال مشبوهة و تبين فيما بعد عدم صحة هذه الشكوك يكون هذا الأخير معفى من التتبعات الجزائية .[164]

ولقد تولى قانون 2003 إقرار عقوبة صارمة في صورة إخلال البنوك بواجباتها ولقد تولى معاقبة الذوات الطبيعية لمسيري الذوات المعنوية أو ممثلوها الذين خالفوا أحكام هذا القانون وكذلك إقرار العقاب للبنك كذات معنوية وينص الفصل 101 من هذا القانون على :

“يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاثة أعوام وبخطية من خمسة الاف دينار إلى عشرة ألاف دينار مسيرو الذوات المعنوية أوممثلوها الذين ثبتت مسؤوليتهم الشخصية بشأن مخالفة أو عدم الإذعان لمقتضيات الفصول69 و70 و72 و73 و74 و75 و84و86 و87 و96 من هذا القانون.

ولايمنع ذلك من تتبع الذوات المعنوية التي تعاقب بخطية تساوي خمس مرات قيمة الخطية المستوجبة للجريمة الأصلية .”

الـــخـــــاتــمـــــــــة

ان المشرع لم يغفل عن ضرورة اقرار العديد من القواعد ذات الطابع الزجري لتنطيم و حماية الميدان البنكي، وذلك من اجل الحفاظ على اخلاقيات التعامل البنكي و تنزيه معاملاته من كل المطاهر الغير متجانسة مع مقتضياته .

الا انه من الصعب الالمام بكل جوانب المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي سواء كان ذلك

من الناحية النظرية نظرا لتعدد مصادر الجريمة اذ هي لا تتاتى فقط من البنك باعتباره شخص معنوي بل كذلك يمكن لمستخدميه القيام بعديد الجرائم كما ان هذه الجرائم لا تقوم فقط بمجرد مخالفة التشريع المنظم للقطاع البنكي سواء معلق الامر بالقانون المنظم لمئسسات القرض او القانون المتعلق بانشاء و تنظيم البنك المركزي التونسي .

ولهذا السبب جاء هذا البحث مركزا على بعض الجرائم التي تهم بصورة مباشرة القطاع البنكي والاكثر تداولا من الناحية العملية .

كما ان صعوبة الالمام بالمسؤولية الجزائية في كل جوانبها لا يقف عند الصعيد النظري بل ايضا على صعيد العمل البنكي ، اذ تثير هذه المسؤولية عدة اشكاليات تجد منبعها في سكوت المشرع عن بعض الحالات التي يمكن ان تقوم معها المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي.

خاصة و ان منع القياس في المادة الجزائية يقف حائلا دون تجريم بعض التصرفات البنكية المشابهة لبعض التصرفات التي جرمها القانون .

وتجدر الملاحظة ان هذه المسؤولية الجزائية ستتضاعف اهميتها مع ظهورالوسائل الاعلامية الحديثة التي سوف تسهل ارتكاب بعض الجرائم و التي سوف تعقد عملية اثباتها

من ذلك اشكالية الاثبات الالكتروني والصعوبات التي تثيرها المقاصة الالكترونية ،وهي الية جديدة ادخلت بموجب القانون بهدف تسهيل العمل البنكي.

ويمكن القول ان القطاع البنكي قد حدد عدة مكاسب على الصعيد القانونيمن ذلك القانون عدد2000.57 المؤرخ في13 جوان2000 المنقح و المتمم لبعض فصول مجلةالالتزامات والعقود و الذي نقح الفصول1098 اع و الفصل1099 ولقد اعتبرت لجنة هذا القانون ان رسملة القوائض تندزج في النسق العام لبرنامج التاهيل التشريعي للبنوك الذي يقتضي اعادة النطر في سائرالنصوص القانونية المتعلقة بممارسة مهنة البنوك حتى تتمكن البنوك والمؤسسات المالية من ممارسة نشاطها في الظروف العادية لقانون السوق .

وفي نفس السياق جاء القانون عدد64 لسنة1999 مؤرخ في15 جويلية1999 يتعلق بنسبة الفائدة المشطة والذي جاء موجها للمؤسسات الاقتصادية و البنوك

كذلك القانون عدد2006.19 المنقح و المتمم للقانون2001.65 عدد المؤرخ في و الذي يحمل على مؤسسات القرض تكوين جمعية مهنية مصادق على قانونها الاساسي من قبل وزير المالية ز محافظ البنك المركزي التونسي ودور هذه الجمعية هو ضبط العلاقات بين الحريف و مؤسسات القرض.

كذلك القانون عدد2006.26 المؤرخ في15 ماي2006 المنقح و المتمم للقانون المؤرخ في المتعلق بانشاء و تنطيم البنك المركزي

كذلك القانون عدد37 لسنة 2007المؤرخ في4 حوان2007 و المتعلق بتنقيح بعض القصول من المجلة التجارية وخاصة منها المتعلقة بواجبات البنوك ازاء التعامل بالشيك.

هذه الثورة التي عرفها القطاع البنكي ، مرشحة للتنامي في الايام القادمة وفي طل سياسة الانفتاح التي انتهجتها البلاد التونسية ،بهدف تدعيم القدرة التنافسية للقطاع البنكي

وهذه المكاسب القانونية تدعمها مناشير البنك المركزي التي تتدخل بصورة منتظمة لتوظيح العديد من الجزئيات و الاشكالات التي قد تثار على الصعيد العملي ، وهو امر طبيعي لان البنك المركزي هو الساهر على حسن سير القطاع البنكي ،وعلى احترام هذا القطاع للقوانين و التراتيب المصرفية ، وتاهيله ليكوه في مستوى النظام الاقتصادي .

على ان هذه المكاسب القانونية التي اضحى يتمتع بها القطاع البنكي ،لم تجعل المشرع يغض النظر عن المصالح الاجتماعية التي تفترض منه التدخل بهدف حماية الطرف الضعيف في النعاملات الاقتصادية ،ذلك ان انتهاج التحررية في الميدان الاقتصادي لم يقلص من الدور الحمائي الذي اضطلعت به الدولة بل سوف يتدعم بهدف التصدي للتجاوزات التي قد يتضرر منها ضعاف الحال نتيجة تحرر الاقتصاد و اعتبارا لمواصلة تكفل الدولة بالتنمية الاجتماعية.[165]

الجزء الثاني : خصوصية المسؤوليةالجزائية في الميدان البنكي

عرف الفصل الأول من مجلة حقوق عينية المال على أنه “كل شيء غير خارج عن التعامل بطبيعته أو بحكم القانون” ، و نظرا للقيمة الهامة للمال فقد أضحى من الموضوعات الأساسية للقانون الإقتصادي بما أنه يعكس السياسة المالية و النقدية .

وقد عرف النظام المالي على أنه “مجموع القواعد و الأحكام و المبادئ التي تنطبق على العلاقات المالية التي تكون السلطة العامة طرفا فيها .”

هذه الأهمية جعلت من المشرع يسعى لحماية النظام المالي من خلال فرض رقابة عليه و أصبحنا نتحدث عن الجريمة المالية التي لا تزال تفتقر لتعريف تشريعي سواء في القانون التونسي أو القانون الفرنسي.

وهو ما فتح المجال أمام الفقه الذي إعتمد طريقتين للتعريف أولهما موسعة حيث تعتبر الجريمة المالية كل مخالفة لإرادة علاقة إنسانية ذات صبغة مالية و تبعا لذلك تدمج الجرائم التي تهم النظام العام الحمائي و كذلك النظام العام التوجيهي كالقانون التجاري و جرائم تدليس العملة و الإستيلاء على الأموال العمومية .

أما الطريقة الثانية فتحصر الجريمة المالية في الجرائم الضريبية غير أن هناك تحديدا جاء به” برادال”حصر فيه الجرائم المالية في خمس أصناف و هي الجرائم الجبائية و الصرفية و الجمركية وجرائم البورصة و الجرائم البنكية .

وتعرف الجريمة المالية بالتالي بأنها كل فعل أو امتناع تم النص على تجريمه في قانون خاص بالجرائم الاقتصادية وذلك استنادا الى سياسة التجريم الاقتصادي التي تتبعها كل دولة.[166]

وإن المتأمل في القوانين المتعلقة بالمسؤولية الجزائية في الميدان البنكي يلاحظ أنها تخرج نوعا ما عن النظرية العامة أي عن قواعد القانون الجزائي عامة ، وبالتالي فان ما يمكن يمكن أن يطلق عليها هو مصطلح الجريمة البنكية أو المصرفية لما تتميز به بعديد الخصوصيات لا فقط من حيث الأركان التي تقوم عليها و من حيث تحمل تبعات هذه الجرائم ّأيضا .

فالبنكي قد يساءل بوصفه شخصا عاديا ،كما قد يساءل بوصفه ممتهنا للمهنة البنكية ، وقد يساءل في ذات الوقت من اجل الصفتين ، وهو ما يطلق عليه بالتوارد .

وهذه الجرائم تصنف الى صنفين : جرائم لا يرتكبها غيره وجرائم يشترك فيها مع غيره ممن لا يزاول المهنة البنكية و لكنه يرتكبها بمناسبة مزاولته للمهنة و تحت غطائها ، وبالتالي فإ ن البحث عن هذه الخصوصية لن يكون على ضوء جميع القوانين الجزائية التي قد يساءل على أساسها البنكي ، بل فقط على اساس القوانين الجزائية التي تهمه مباشرة .

وكما هو معلوم فإن الجريمة هي كل فعل أو إمتناع عن فعل يعاقب القانون عليه و بالتالي فان المسؤولية الجزائية هي الالتزام بتحمل الجزاءات التي يقررها القانون لمن يخالف أحكامه أي التزام المجرم بتحمل عقوبة الجريمة التي ارتكبها .[167]

الفصل الاول:خصوصية المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي من حيث أركان الجريمة

تقوم الجريمة على ثلاثة اركان ،ركن شرعي وركن مادي و ركن معنوي.

الركن الشرعي ومعناه القانون المجرم ، ركن مادي و معناه الفعل او الامتناع عن الفعل الذي جرمه المشرع ، و ركن معنوي ومعناه القصد و النية الاجرامية .

وتتجلى الخصوصية بالنسبة للجريمة البنكية في كون البنكي هو” مهني ” فيكون الركن المعنوي شبه مفقود بإعتبار أن هذا البنكي لا يمكن أن يستند الى جهله أو الى حسن نيته أو عدم علمه بالواقعة ، إذ هو مطالب بأن يعلم بذلك بموجب حرفته و بإعتباره من الحرفيين و هناك خصوصية ثانية تتمثل في أن الركن الشرعي مجزأ .

أما الخصوصية الثالثة فتتمثل في ان الركن المادي غامض بإعتبارأن جميع النصوص التي تجرم الفعل لا تحدد ماهي عناصر الجريمة ، كما أن المشرع يتوقف عند تحديد الجرائم دون تعريفها .

الفرع الاول:الركن الشرعي

وكما هو معلوم فإن القانون الجزائي و الإجراءات محكوم بمبدأ الشرعية . و هذا مبدأ يعني أن كل فعل أم إمتناع عن فعل لا يعتبر جريمة إلا اذا نص القانون صراحة على ذلك .

ومن خلاله لايمكن أن يتم تتبع مرتكب الفعل المجرم إلا إذا نص القانون على ذلك ، لذا اعتبر الركن الشرعي الضامن الوحيد لحقوق الانسان .

فكل ما لم يحجره المشرع يعتبر مباحا لكن حتى نتمكن من تطبيق القانون يجب ان يكون هذا النص المجرم واضحا بإعتبار أنه إذا كان نص التجريم غامضا يصعب على المواطن أن يفهم أو يعرف ماهي الأفعال المجرمة و الأفعال غير المجرمة .

وبالنسبة للجريمة البنكية نرى أن مبدأ الوضوح في التجريم لا يكون دائما محترما ويفسر هذا الغموض بتعدد مصادر التجريم في المادة البنكية ،إذ أن هناك نصوصا مختلفة غير مجمعة وبالتالي فإن المسؤولية الجزائية في المادة البنكية تكون أكثر و أخطر.

و يمكن أن يبرر هذا بإعتبار أن البنكي هو مواطن عادي وهو صاحب مؤسسة تتمثل في شركة تجارية تأخذ شكل شركة خفية الاسم .

وجميع العقوبات المنصوص عليها في القانون الجزائي للشركات يمكن أن تستهدف المؤسسة البنكية ، كما ان البنكي له مجال معين ينشط في إطاره يخضع الى عقوبات و نصوص خاصة به ،وفي إطار مزاولته لمهنته هناك أفعال منصوص عليها في نصوص أخرى.

فالفصل412 مجلة تجارية و المتعلق بالشيكات مثال على عدم وضوح الركن الشرعي اذ ينص هذا الفصل على :”يعاقب بخطية من خمسمائة دينار الى خمسة الاف دينار كل مصرف مسحوب عليه خالف احكام هذا القانون او النصوص الصادرة بتطبيقه .”

و السؤال الذي يطرح هو الاتي :ماهي المخالفات لأحكام هذا القانون و ماهي النصوص الصادرة بتطبيقه ؟

و كان بإمكان المشرع أن يحدد في هذا الفصل الفعل المجرم ثم يمكن أن يحيل في مادة التجريم الى نصوص تطبيقية .[168]

وتجدر الإشارة أنه في إطار الجرائم الإقتصادية بصورة عامة و الجرائم البنكية بصورة خاصة تم إدخال تغيير على الركن الشرعي ، ذلك ان المشرع أحال على السلطة الادارية او الترتيبية حق التجريم .

فالسلطة الترتيبية تتمتع بسلطة التجريم أو على الاقل سلطة تكييف الجرائم ، إذ أن المشرع لم يكن دقيقا في ضبط عناصرالتجريم رغم اقراره لعقوبات جزائية .

و ينم ذلك عن رغبته في ترك عناصر التجريم متسعة بهدف الإلمام بكل الجرائم التي يمكن ان تنشأ بموجب ممارسة المهنة البنكية .

وهو ما يزيد المسؤولية الجزائية البنكية شدة ،اذ فضلا عما نلمسه من صياغة الفصل412 م ت من اطلاقية في العبارة “المخالفات لاحكام القانون التجاري و النصوص الصادرة بتطبيقة” و عدم تحديد للمخالفات المقصودة ، نجد الفصل42 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض ينص :” يقع تتبع المخالفات للتشريع و التراتيب المصرفية بمبادرة من محافظ البنك المركزي “.

وهوما يعني أن المشرع منح لمحافظ البنك المركزي سلطة تقديرية في تحديد توفر الجريمة

البنكية من عدمه ، وإستنادا الى ذلك له المبادرة في التتبع .

الفرع الثاني :الركن المادي

حين تكون الجريمة تامة فلابد من توافر عناصر الركن المادي لهذه الجريمة كاملة ،بدءا من الفعل المجرم ومن ثم النتيجة و أخيرا العلاقة السببية بين هذا الفعل و تلك النتيجة .

المبحث الأول : خصوصية النشاط المجرم

لا يعاقب المشرع إلا على أفعال اثمة يجرمها القانون فالظواهر النفسية التي تتواجد داخل النفس البشرية لا يتحقق بها السلوك اللازم لقيام الجريمة طالما أنها لم تتجسد في شكل سلوك مادي يظهر في العالم الخارجي ، وهذا السلوك هو النشاط الذي يقوم به الفاعل بغية تحقيق نتيجة إجرامية معينة ، وقد يكون بفعل إيجابي أو بفعل سلبي أي بالترك أو الامتناع .

ولكن النشاط البنكي المجرم يمتاز بطبيعة تميزه عن غيره .لذا سوف نقسم هذا القسم إلى ثلاثة فروع :

الأول نتناول به النشاط الإيجابي المجرم في الجرائم البنكية ، و الثاني نخصصه للنشاط السلبي ، والثالث نخصصة لطبيعة النشاط المجرم في الجرائم البنكية .

الفقرة الأولى : النشاط الإيجابي المجرم في الجرائم البنكية :

يقصد بذلك القيام بسلوك خارجي وذلك بحركة عضوية أو عضلية نهى القانون عن القيام بها ورتب عليها أثار قانونية ، و هذه الحركة العضوية أو العضلية يجب أن تكون إرادية أي أن الشخص حين قيامه بالفعل كان له السيطرة التامة على كامل أعضائه .

ولكن لا بد من الإشارة الى أن الإرادة دائما مفترضة ، و لكنها ليست قرينة قاطعة بل قرينة قابلة لإثبات العكس و يقع عبء ذلك على الفاعل ليثبت للمحكمة بأن الفعل الذي قام به كان غير إرادي .[169]

و الأمثلة على الجرائم البنكية بفعل إيجابي كثيرة منها جرائم التزوير ، جرائم السرقة ،

جرائم الاحتيال ، قيام البنك بعمليات غير سليمة و غير أمنة لمصلحة مساهميه أو دائنيه أو المودعين له ، المساعدة على التهرب من الضريبة بتقديم كشف غير صحيح أو انقاص او حذف اي دخل ، أو إدراج أي بيان كاذب أو قيد صوري أو غير صحيح في كشف أو بيان ، أو إعداد أو حفظ أو السماح بإعداد أية دفاتر أو حسابات مزورة ، بقصد التهرب من الضريبة .

الفقرة الثانية :النشاط السلبي المجرم في الجرائم البنكية :

إنه من المتفق عليه أن الشخص لا يسأل عن أفعال لم يقم بإرتكابها ، و لكن و في حالات معينة فإن المشرع يفرض على شخص معين مجموعة من الواجبات أو الأفعال التي يوجب عليه القيام بها ، ولذلك فإن إحجامه عن القيام بها في ظروف معينة يشكل جريمة ، حيث أن الإمتناع يعرف على أنه احجام الشخص عن اتيان فعل ايجابي معين كان المشرع ينتظره منه في ظروف معينة .ومن الأمثلة على الجرائم البنكية بسلوك سلبي نجد : جرائم التهرب عمدا أو محاولة التهرب أو المساعدة أو التحريض على التهرب من الضريبة ، كذلك عدم تقديم البنك المعلومات الضرورية و حساباته السنوية الختامية الى البنك المركزي .

الفقرة الثالثة : طبيعة النشاط المجرم في الجرائم البنكية :

ينفرد النشاط البنكي بخصائص تميزه عن غيره من النشاطات المختلفة ، و أكثر ما يتصف به هذا النشاط هو الدقة ، من ناحية ، و تطلب الخبرة الفنية و الدراية من ناحية أخرى ، و الأمر يدق بشكل كبير لتحديد أي الأفعال أو الأنشطة خروجا على القواعد ،و أيها لا يعتبر كذلك .مما يشكل مسؤولية ثقيلة يتم إلقاؤها على كاهل القاضي للنطق بالحكم .[170]

أذ أن الأحكام الجزائية تبنى على اليقين ولا تبنى على الشك و التخمين ، و إدانة شخص ما بجرم يعني أن القاضي قد وصل الى القناعة الأطيدة بأن ه مرتكب لذلك الجرم ، وفي ظل الدقة المطلوبة ،و الخبرة التي قد يلجأ إليها قد يفلت العديد من المجرمين من العقاب ،بسبب الشك البسيط في إرتكابهم لنشاط مجرم .

والأمثلة على ذلك كثيرة و نكتفي بما يلي :

النشاط المتمثل بقيام بنك بعمليات غير سليمة و غير امنة لمصلحة مساهميه أو دائنيه أو المودعين له ، و هذا النوع من الأنشطة المجرمة يحتاج الى الدقة المتناهية ،والى الخبرة و الدراية للوقوف على نوعية ذلك النشاط ، وهل يعتبر النشاط المقترف من قبل الفاعل عملية غير سليمة أو غير امنة ، أم عكس ذلك وبالتالي الصعوبة البالغة في الوصول الى اثبات الركن المادي في الجريمة ،استنادا الى ما يشوب طبيعة هذا النشاط من تخصص و دقة .

الفقرة الرابعة : العلاقة السببية

لا يقوم الركن المادي بارتكاب الفعل من قبل الجاني وحصول النتيجة ،بل لابد أن يكون هذا الفعل هو الذي أدي الى تلك النتيجة وهذا ما يسمى برابطة أو العلاقة السببية ما بين الفعل المرتكب و ما خلفه من نتيجة ، فإذا طكان ما قام به الفاعل من نشاط لم يكن السبب في حصول النتيجة ، وإنما كان السبب خارجي مستقل و منفصل عن نشاط الجاني ، فهنا لا مجال لنسبة النتيجة الى الفاعل لإنعدام العلاقة السببية و التي تربط الفعل بالنتيجة ، ولا مجال للقول بقيام الركن المادي .

ولايثير هذا الموضوه أي خصوصية في النصوص الجزائية البنكية ، فالقواعد العامة المنطبقة في القانون الجزائي هي ذاتها القواعد المنطبقة في الجرائم البنكية ، حتى لو تم القول أن معظم الجرائم البنكية من الجرائم الشكلية التي لا ينتظر تحقق نتيجة لوقوعها ، فإن هذا لا ينفي أن القواعد المطبقة على الجرائم البنكية ، فيما يتعلق بهذا الموضوع بلا زيادة أو نقصان ، ودون أن يكون للجرائم البنكية أية خصوصيات كانت .

المبحث الثاني : تحديد الركن المادي

ليتم إحترام مبدأ الشرعية يجب ان يكون الفعل المجرم واضحا و ذلك لأن كل فعل غير مجرم يعتبر مباحا . و إذا قارنا بين القانون الجزائي العام و القانون الجزائي الخاص بالمصارف ، يتبين لنا أنه في القانون الجزائي العام يضع المشرع الى جانب أركان الجريمة الثلاثة ، أركانا خاصة بكل جريمة .

اما بالنسبة للقانون الجزائي للأعمال و خاصة في مادة المصارف ، فإن المشرع يقدم الجرائم دون ان يعرفها او يحدد اركانها و سنقدم مثالا في هذا الصدد :

الفصول المتعلقة بالحفاظ على السر البنكي ، لقد قام المشرع بضبط و تحديد حالات الخروج عن السر كيفا و زمانا إلا أنه في مقابل ذلك لم يقم بتعريف السر المهني .

إذ ينص الفصل254 من المجلة التجارية :”الاطباء والجراحين وغيرهم من ضباط الصحة وكذلك الصيدليين والقوابل و غيرهم من الاشخاص المؤتمنين على الاسرار التي تودع عندهم نظرا لحالتهم او حرفتهم واللذين يفشون هذه الاسرارفي غير الصورالتي رخص او اوجب لهم فيها القانون القيام بالوشاية يعاقبون بالسجن مدة 6اشهرو بخطية قدرها500 دينار.

ولقد تعددت في الاونة الاخيرة النصوص التي تحيل صراحة الى الفصل254 ، ويندرج في هذا الاطار الفصل30 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض دون تحديد معنى الافشاء.

ففقه القضاء لا يمنع الصيرفي من إعطاء معلومات حول حريفه ، لكن هذا الفقه يفرق بين المعلومات السرية و المعلومات الغير سرية ، بمعنى أن هناك معلومات يمكن افشاؤها و معلومات لا يمكن افشاؤها .

ففيما يتعلق بحالات الإفشاء هناك صور للافشاء للمصلحة العامة عندما يتعلق الأمر بقضية منشورة أمام المحاكم وهناك صور للافشاء لمصلحة الصيرفي ذاته ،وهناك صور للافشاء

لمصلحة الحريف لأنه يمكن أن يحلل الصيرفي من واجب الالتزام.

الفرع الثالث : الركن المعنوي

يقصد بالركن المعنوي القصد أو النية الإجرامية ويعرف فقه القضاء القصد الجنائي بكونه يتمثل في النية المتجهة إلى خرق القانون الجنائي ,أو في الإرادة المتجهة إلى إرتكاب فعل مجرم مع العلم بهذا التجريم .

وعلى هذا الأساس فإن القصد الجنائي يستوجب علم مرتكب الجريمة بأن الفعل الذي قام به مخالف للقانون الجنائي ، ففي كل الجرائم التي تستوجب توفر القصد الجنائي يجب أن يكون الجاني قد أراد القيام بالفعل المجرم وهو على علم بعدم مشروعيته .

ولكن هذا العلم مفترض بموجب القرينة القانونية التي تعتبر أن كل الناس على علم بكل ما وقع إصداره ثم نشره من قوانين مهما كان موضوعها أو طبيعتها .[171]

فحسب ما تقتضيه هذه القرينة فإن الجاني لا ينفعه إدعاء جهله للقانون المجرم للفعل الذي قام بإرتكابه ، إذ أنه يعتبر في كل الحالات على علم بهذا القانون . فقرينة العلم بالقانون قرينة داحضة وبذلك يكون القصد الجنائي متوفرا و لو وقع الجاني في غلط في القانون .[172]

وبما أن البنكي هو حرفي يتمتع بمؤهلات علمية و خبرة تمكنه من أداء مهنته على أفضل وجه يعتبر الركن المعنوي في الجريمة البنكية شبه مفقود بإعتبار أن الصيرفي لا يمكن له أن يستند الى جهله أو الى حسن نيته أو عدم علمه بالواقعة ، إذ هو مطالب بأن يعلم بذاك بموجب حرفته .

و يترتب عن ذلك أن الجريمة البنكية هي أساسا جريمة موضوعية أي أن القصد الجنائي يكون مفترض وليست جريمة غير قصدية التي تقوم على الخطأ الجنائي الذي يعرفه الأستاذ فرج القصير بأنه :”تقصير يتمثل في إتجاه الإرادة إلى القيام بسلوك مخالف للقانون الجنائي بدون نية الإضرار أو إحداث النتيجة الإجرامية التي حصلت الشيء الذي يجعل النتيجة تحصل في هذه الحالة بدون قصد . فرغم أن المبدأ يقتضي أن يكون الركن المعنوي للجريمة متمثلا في القصد الجنائي إلا أن القانون يجعل هذا الركن متمثلا بالنسبة لبعض الجرائم في مجرد الخطأ .”[173]

إن الجرائم القصدية هي التي يتمثل ركنها المعنوي في القصد الجنائي أما الجرائم الغير قصدية هي التي لا يتوفر فيها القصد ويتمثل ركنها المعنوي في مجرد الخطأ الجنائي .

ويالتالي تكون كل الجرائم مبدئيا قصدية إلا إذا نص القانون صراحة على أن جريمة معينة يمكن أن تكون غير قصدية .

و على هذا النحو تكون الجرائم البنكية جرائم قصدية بإعتبار أن القانون البنكي أو بقية القوانين الخاصة المنظمة للقطاع البنكي لم تنص صراحة على جرائم يقوم الركن المعنوي فيها على الخطأ الجنائي .

إلا أن القصد الجنائي في الجرائم البنكية يكون دائما مفترضا حتى و لم تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق النتيجة الإجرامية وهو ما يمثل انقلابا في المبادئ الاصولية للقانون الجزائي ،

و إن إقرار الصبغة الموضوعية لهذه الجريمة هو وليد سياسة محكمة تهدف الى التوسع في نطاق المسؤولية الجزائية ، وذلك بهدف حماية السياسة الاقتصادية .

و المقصود بالجريمة الموضوعية هي الجريمة التي يكتفي في إقرار العقاب عنها بالركن المادي أي هي جريمة تتكون من ركنين فقط ، ركن شرعي و ركن مادي .

أما الركن المعنوي فهو مفترض و هو ما ينم عن شدة هذه المسؤولية الجزائية .

لكن ولئن أهمل المشرع الركن المعنوي في أغلب الحالات فإنه في المقابل أولى اهتماما للركن المادي، اذ جاء هذا الركن كما سبق ان ذكرنا متسما بالغموض و عدم الدقة ،

وذلك بهدف الخروج بالجريمة البنكية من القوالب الجامدة المعهودة للجريمة حتى يتسنى مواكبة مستجدات الحياة الاقتصادية.

و نستنتج إذا أن غياب الركن المعنوي في أغلب الجرائم المصرفية يعني أن الخطأ في الجريمة البنكية يتمثل في انتهاك قاعدة قانونية يكون مرتكبها محمولا على معرفتها أو من واجبه أن يعرفها ، فالخطأ هنا هو مخالفة لما تأمر به القوانين بكل درجاتها، و لا مجال

للبحث إن كان بإمكان الشخص أن يتفادى وقوع الخطأ لأن هذه الجريمة هي أساسا جريمة شكلية و هو ما يعني أن المسؤولية في هذه الجريمة قائمة بصرف النظر عن حسن نية مرتكبها .

وقد أكدت محكمة التعقيب ذاك في عدة قرارات ، نظرت خلالها في عدة جرائم اقتصادية وأقرت أن هذه الجرائم هي من الجرائم الموضوعية التي لا تستند الى عنصر القصد ،

وأن المسؤولية عنها تقوم بمجرد توفر الخطأ المتمثل في إنتهاك قاعدة قانونية .

غير أن انتفاء القصد الاجرامي في أغلب الجرائم البنكية لا ينفي إبقاء المشرع عليه في بعض الجرائم و نأخذ مثالا على ذلك الفصل 412م ت ، الذي نص على أنه” يعاقب بالخطية

من500 مائة دينار الى5 الاف دينار…كل مصرف مسحوب عليه تعمد تعيين رصيد بمبلغ اقل من مبلغ الرصيد المتوفر لديه .”

و كما هو واضح فإن المشرع بإستعماله عبارة تعمد يشترط لقيام هذه الجريمة في جانب المصرف توفر النية الاجرامية.

الفصل الثاني : خصوصية المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي على مستوى زجر الجريمة

يمثل الزجر رد الفعل الاجتماعي تجاه الجريمة ، وهذا الرد تحتكره الدولة بوصفها الاداة القانونية للتعبير عن موقف المجموعة و مصالحها .

فالجريمة البنكية ، و ان لم تكن جريمة تمس بقيمة جوهرية من قيم المجتمع ، فإن متعلقها المساس بمصلحة عامة او خرق تراتيب ادارية ، الامر الذي دفع بعديد الفقهاء الى معارضة استعمال لفظ ” الجريمة ” قي حق هذه الافعال و تحبيذ اعتماد عبارة” اخلال البنكي او خرقه لواجباته “[174]

و يقع التعبير عن جزء من هذه الجرائم بالجرائم الإدارية التي يقوم فيها التجريم على حفظ مصالح عامة .

و تنطبق هذه المعايير على موضوع جريمة بحثنا باعتبارها تتجسد بالخصوص في خرق واجبات الغاية من تأسيسها حماية المصلحة العامة الاقتصادية .

و الواقع أن الجريمة عموما تتمثل في القيام بفعل او إغفال واجب على نحو يخالف احكام نص جزائي.[175]

و بناءا على ذلك فإن خرق القواعد البنكية تمثل جرائم ضرورة أن الركن المادي في هذه الجرائم ينهض على أساس إغفال واجبات قانونية ، مما يستحق معه المخالف للعقاب الجزائي .

لكن القيام بزجر الجريمة يسبقه القيام بالدعوى العمومية التي يتم تحريكها بفضل فتح التتبع نحوها ، لدلك يتجه البحث في الجزء الأول خصوصية التتبع قبل أن نتناول في الجزء الثاني خصوصية المؤاخذة عن الجريمة .

الفرع الاول : الخصوصية على مستوى تتبع الجريمة

الجريمة هي واقعة غير مشروعة يحدد القانون إعتمادا على مبدأ الشرعية الاركان التي تقوم عليها و العقوبة المستوجبة لها . فبوقوع الجريمة إذن ينشأ حق في تسليط العقاب على مرتكب الفعل الإجرامي . ولكن هذا الحق ليس من الحقوق الخاصة بالمجني عليه أو المتضرر من الجريمة ولكنه يتصف بالعمومية ، لذلك تسمى بالدعوى العمومية لأن تتبع الدعوى يكون من إختصاص النيابة بوصفها جهازا من أجهزة الدولة التي تمثل المجتمع ككل.

تهدف الدعوى العمومية وفق ما جاءت به أحكام الفصل الأول من مجلة الاجراءات الجزائية الى تطبيق العقوبات .

و التتبع هو العملية التي تهدف الى رفع القضية أمام المحاكم المختصة ، ويمكن تعريفه بكونه ” السلطة التي يخولها القانون للنيابة العمومية أو للضحية بدعوة المحكمة المختصة الى معاقبة الجريمة المعروضة أمامها .”

و ينص الفصل 2 م ا ج على ان :” إثارة الدعوى العمومية و ممارستها من خصائص الحكام و الموظفين الذين أناطها القانون بعهدتهم .و يمكن إثارة الدعوى المذكورة من طرف المتضرر حسب القواعد المبينة بهذا القانون .”

فالنيابة العمومية هي صاحبة الاختصاص الأصلي في هذا المجال لكن دورها لا يقتصر فقط على حد إثارة الدعوى العمومية بل يتعدى ذلك الى مباشرة هذه الدعوى أي القيام بكل الاجراءات التي تساعد على الوصول الى الحقيقة ، فتمارس بذلك النيابة العمومية كل الإجراءات التي من شأنها الوصول للغاية.

إضافة الى أن المتضرر يمكنه إثارة الدعوى على مسؤوليته الخاصة و ذلك بصريح النص . فبالنسبة للحريف المتعامل الذي لحقه ضرر من تصرفات البنكي يمكن له رفع شكاية الى النيابة العمومية مثلا من أجل جريمة التحيل الواردة بالفصل 291 جزائي .

لكن للنيابة العمومية مطلق الحرية في تتبع الدعوى او رفضها اذا قدرت أن المسألة لا تستدعي التتبع ، ففي صورة الإجابة السلبية على رغبة المتضرر يصبح بإمكان هذا الأخير القيام على مسؤوليته الخاصة .

إذ اقتضى الفصل 36 م ا ج ان ” حفظ القضية من طرف وكيل الجمهورية لا يمنع المتضرر من إثارة الدعوى العمومية على مسؤوليته الشخصية ….”

ومن هنا نتبين أن المشرع خول المتضرر إمكانية إثارة الدعوى العمومية رغم إرادة النيابة العمومية لكن هذا الإمتياز يبقى إستثنائيا لذلك أحاطه المشرع بعدة شروط و أخصعه لعديد الإجراءات.

لكن حتى يتسنى ممارسة هذه الإمكانية من قبل المتضرر لا بد أن يصدر قرار بالحفظ من لدن النيابة العمومية فيما يخص الشكاية التي قدمها المتضرر.

إلا أنه يمكن للأدارة بدورها إثارة الدعوى العمومية ، ولعل هذا ما يميز تتبع الجريمة البنكية لوجود عدة هياكل ادارية لها حق إثارة هذه الدعوى حيث تعتبر حالات الإثارة الخاصة بالمهنة البنكية. وتنحصر هذه الحالات الخاصة بالإثارة في الإثارة من طرف محافظ البنك

المركزي و الإثارة من طرف الجمعية المهنية .

المبحث الأول :الإثارة من طرف محافظ البنك المركزي

إن تحقيق المسؤولية الجزائية في حالة إرتكاب البنكي جريمة ماسة بضوابط المهنة و شروطها ، يتم على يد هياكل خاصة بالقطاع البنكي.

إذ اعطى المشرع لسلطة الإشراف في المادة البنكية مهمة معاينة المخالفات للتشريع البنكي.

و ينصهر هذا الدور في الإتجاه التشريعي الذي منح للإدارة سلطة اثارة الدعوى العمومية لمقاومة المخالفات المرتكبة في المجال المالي ، و في ذلك خروج عن القاعدة الإجرائية التي تقتضي بأن جهاز النيابة العمومية هو صاحب الإختصاص الاصلي في اثارة الدعوى العمومية كما يستخلص من أحكام الفصل2 ا ج الذي ينص على أن :” إثارة الدعوى العمومية و ممارستها من خصائص الحكام و الموظفين الذين اناطها القانون بعهدتهم ”

و يعني ذلك ان النيابة العمومية هي التي تثير الدعوى العمومية باسم المجتمع ولا تشاركها الإدارات العمومية في ذلك الاختصاص الا استثناء و بناء على نص صريح ، من ذلك مثلا منح المشرع الى موظفي وزارة المالية و البنك المركزي و غيرهم من الاطراف المحددين بالفصل24 و ما بعده من مجلة الصرف سلطة التتبع بالنسبة للمخالفات الصرفية .

أما في خصوص الجرائم البنكية ينص الفصل42 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض:

” يقع تتبع المخالفات للتشريع و التراتيب المصرفية بمبادرة من محافظ البنك المركزي التونسي….

كما تضيف الفقرة الرابعة من الفصل 10 من القانون المتعلق بإنشاء و تنظيم البنك المركزي التونسي :يقوم المحافظ بجميع الدعاوي العدلية ويتخذ جميع تدابير التنفيذ و جميع التدابير التحفظية التي يراها صالحة”.[176]

ويفسر هذا الإتجاه التشريعي بخصوصية الجرائم المالية و تشعبها ، فالإدارة أصبحت تواجه جرائم لم يعد بإمكان النيابة العمومية وحدها الإحاطة بها.

و لكي يتسنى لمحافظ البنك المركزي أن يقررالتتبع فإن ذلك يجب أن يكون إستنادا لمحاضر معاينة المخالفات البنكية ، فما المقصود بالمعاينة

الفقرة الأولى : معاينة المخالفات :

إن المقصود بالمعاينة هو الإطلاع على حالة معينة و إثباتها ، و يتم ذلك بتوجه مأمور الضبط القضائي إلى مكان حصول المخالفة أو مكان وجود الأدلة . ولقد جاء بالفصل العاشر من مجلة الإجراءات الجزائية

“يباشر وظائف الضابطة العدلية تحت إشراف الوكيل العام للجمهورية و المدعيين العموميين لدى محاكم الإستئناف ، كل في حدود منطقته ، من سيأتي ذكرهم :

وكلاء الجمهورية و مساعدوهم ، حكام النواحي ، محافظوا الشرطة و ضباطها ورؤساء مراكزها ، ضباط الحرس الوطني و ضباط صفة و رؤساء مراكزه ، مشائخ التراب ، أعوان الإدارات الذين منحوا بمقتضى قوانين خاصة السلطة اللازمة للبحث عن بعض الجرائم أو تحرير التقارير فيها حكام التحقيق في الأحوال المبينة بهذا القانون .”

لم يشر القانون البنكي الى الجهة المكلفة بالمعاينة ، لكن حصر مهمة التتبع لفائدة محافظ البنك المركزي ، يعني انه أقر بشكل بشكل ضمني أن المعاينة لا تكون الا من الأعوان الخاضعين لسلطته و هم المراقبون التابعون للبنك المركزي. ويتأكد ذلك من خلال الفصل 32 من القانون عدد 65 لسنة 2001الذي ينص على :” يجري البنك المركزي التونسي على مؤسسات القرض مراقبة على الوثائق و مراقبة في المقر . و يمكن أن تشمل المراقبة مراكز مؤسسات القرض و الذوات المعنوية الخاضعة لها بصفة مباشرة أوغيلر مباشرة وكذلك الفروع المستقلة لتلك الذوات المعنوية …..

وعلى مؤسات القرض أن تدلي للبنك المركزي التونسي بكل الوثائق و المعلومات و الإيضاحات و المبررات اللازمة لدراسة و ضعيتها و التي يتسنى بفضلها التحقق من أنها تطبق التراتيب المقررة فيما يتعلق بمراقبة القرض و الصرف و مراقبة مؤسسات القرض تطبيقا سليما …”[177]

و يخلص مما تقدم أن للأعوان المكلفين بمراقبة المخالفات للتراتيب البنكية الحق في الإطلاع على الوثائق و المعلومات ،للقيام بدراسة كاملة لما يمكن أن يشكل مخالفة ،كما يمكن القول أن من حق هؤلاء الأعوان القيام بعمليات التفتيش اللازمة .

وإن لم يفصل المشرع صلب القانون المنظم للمهنة البنكية فيما يخص صلاحيات أعوان البنك المركزي في معاينة المخالفة البنكية ، خلافا لما هو الأمر بالنسبة لبقية الإدارات المالية ،فإنه يمكن القول أن هذه الصلاحيات هي نفسها ، طالما أن الهدف من تخصيص الإدارة بمعاينة الجريمة البنكية و تتبعها هو واحد . و هو محاولة الإحاطة بالجرائم المالية بصورة عامة

و بالجريمة البنكية بصورة خاصة .إذ أن تعقد و تشعب هذه الجرائم يفترض مد الإدارة بسلطات واسعة في المعاينة و البحث .

غير أن إتساع هذه الصلاحيات يجب أن لا يتعارض مع حماية الحياة الخاصة للأفراد لذلك حمل المشرع أعوان الإدارات و اجب عدم إفشاء الأسرار المهنية التي إطلعوا عليها بمناسبة قيامهم بأعمال المعاينة .

كما نجد إلى جانب هؤلاء الأعوان مراقبوا الحسابات[178] إذ ينص الفصل 35 من نفس القانون على:”بغض النظر على إلتزاماتهم القانونية يجب على مراقبي حسابات مؤسسات القرض أن يعلموا البنك المركزي التونسي فورا بكل عمل من شأنه أن يشكل خطرا على مصالح المؤسسة أو المودعين .

و أن يسلموا للبنك المركزي التونسي خلال الستة أشهر الموالية لختم كل سنة مالية تقريرا عن المراقبة التي قاموا بها و يحرر هذا التقرير حسب الشروط و الطرق التي يضبطها البنك المركزي التونسي .”

و يقع تضمين تلك المعاينات في محاضر يحررها الأعوان الذين لهم الصفة التي تؤهلهم لذلك ثم تقع إحالة هذه المحاضر الى محافظ البنك المركزي، الذي يأمر بالتتبع ضد المخالفين وتشتمل هذه المحاضر على وقائع المخالفات ، نوعية المعاينات و مختلف العمليات الواقع القيام بها .

فإذا تعلق الأمر بمخالفات تستوجب عقابا تأديبيا [179] نجد موقفين ، فأما أن يتولى المحافظ مباشرة تسليط العقاب إذا كان الأمر يتعلق بعقوبات الفصل42 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض وتحديدا العقوبات من 1 إلى 4 ، أو يحيل النظر على اللجنة المصرفية اذا كان العقاب المستوجب للخطأ يندرج ضمن صلاحيات هذه اللجنة حيث ينص الفصل43 من نفس القانون على :” وتقضي بالعقوبات المنصوص عليها بالاعداد من 5 الى 7 من الفصل42 من هذا القانون لجنة خاصة تدعى اللجنة المصرفية…”

أما إذا قامت المسؤولية الجزائية فإن الفصل53 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض ينص على أنه : “بصرف النظر عن العقوبات التأديبية و الجبر بالتغريم و الخطايا المصرح بها حسب الشروط المبينة بهذا القانون ، تعرض المخالفات للتشريع و التراتيب المنظمة للنشاط المصرفي مقترفيها للتتبعات العدلية بمقتضى القوانين الجاري بها العمل .”

و لم يحدد المشرع السلطة المكلفة بعرض تلك المخالفات على النيابة العمومية ، لكن يمكن الجزم ان هذا الواجب ينهض على عاتق محافظ البنك المركزي وهذه الصلاحية تتمتع بها أيضا اللجنة المصرفية .

ويمكن الإعتماد لتقرير واجب محافظ البنك المركزي في الابلاغ عن الجرائم و رفعها أمام النيابة العمومية ، من خلال فصول القانون المتعلق بإنشاء البنك المركزي حيث جاء بفصله العاشر بفقرته الرابعة :” يقوم محافظ البنك المركزي بجميع الدعاوي العدلية و يتخذ جميع تدابير التنفيذ و جميع التدابير التحفظية التي يراها صالحة .

و عليه ، فالنص واضح في تخويل محافظ البنك المركزي صلاحية ممارسة الدعاوي لدى القضاء صد كل المخالفات التي تأخذ صبغة جزائية و تستوجب بناءا على ذلك المتابعة العدلية .

الفقرة الثانية :إثارة التتبع

إن السبب في إسناد مهمة اثارة الدعوى العمومية في مجال الجرائم المالية الى الادارة ، يرجع الى طبيعة الحياة المالية من حيث دقة تعاملاتها و تعقد نشاطها فالإدارة تواجه جرائم متشعبة وردت بها النصوص العديدة ، بحيث لم يعد بوسع النيابة العمومية وحدها امكانية الاحاطة بكل تلك الجرائم ، لا سيما و أن السلطة الادارية باتت تتمتع بسلطة التجريم أو على الأقل تكييف الجرائم .

و هذا الاتجاه يرتكز على مبدا ملائمة السياسة الاجرامية للسياسة الاقتصادية بحيث تكون الاولى في خدمة النظام العام الاقتصادي .

و التشريع البنكي ، على غرار القوانين المالية الاخرى ، أوكل للسلطة الادارية المشرفة على القطاع صلاحيات إثارة التتبع تجاه المخالفات للتشريع المصرفي بعد أن تكون كشفتها و عاينتها بكل عناية .

و الجدير بالذكر أن الفصل42 من قانون المهنة جاء بتوحيد سلطة التتبع في مجال المخالفات المصرفية ، لفائدة محافظ البنك المركزي ، بإعتبار ان الفصل27 قديم كان يعترف لوزير المالية بصلاحية إثارة التتبع الى جانب محافظ البنك المركزي .

و من هنا نلاحظ أن المشرع اتجه الى نزع كل صلاحية لوزارة المالية سواء في التتبع أو في العقاب و ذلك عن طريق سحب كل صلاحية من وزير المالية .

و لعل تمتيع محافظ البنك المركزي بصلاحية التتبع يرجع الى كون المحافظ هو الممثل القانوني ، وقد خصص له القانون المتعلق بالبنك المركزي جزءا كاملا استغرق الفصول من8 الى الفصل18 .

و ينص الفصل 33 المحدد لمهام البنك المركزي على أنه من الوظائف الأساسية للبنك هو :” الحفاظ على استقرار الجهاز المالي و سلامته “، و هذه العبارة عامة تعطى للبنك المركزي قي شخص ممثله القانوني أي المحافظ ، صلاحيات واسعة منها دون ريب صلاحية التتبع .

و البنك المركزي مثلما وردت بذلك أحكام الفصل الثاني من القانون المشار إليه أعلاه هو مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المدنية و الاستقلال المالي .

و يمكن أن نعتبر محافظ البنك المركزي بمثابة الرئيس المدير العام لشركة خفية الإسم ، فهو يتمتع بصفة تاجر بإعتباره يسير شؤون مؤسسة تجارية بطبيعتها على معنى الفصل 3 من القانون الاساسي حيث ينص على أنه :” يعتبر البنك المركزي بمثابة تاجر في علاقته مع الغير ، وتطبق عليه تدابير التشريع التجاري كلما كانت لا تتعارض مع القوانين و النظم الأساسية الخاصة به و لا تطبق عليه القوانين و التراتيب المتعلقة بالمحاسبة العمومية “.

و بالتالي فهو خاضع بصفته تاجر الى المجلة التجارية .

و يتمتع محافظ البنك المركزي ، بصفته سلطة تمثيلية ، بصلاحية واسعة ، فالفصل 11 ينص على ان : ” محافظ البنك المركزي يمثل البنك المركزي لدى السلط العمومية و البنوك المركزية الأخرى و المنظمات المالية و بصفة عامة لدى الغير .

المبحث الثاني : الإثارة من طرف الجمعية المهنية

ينص الفصل 31 من القانون المتعلق بؤسسات القرض أنه :” على مؤسسات القرض تكوين جمعية مهنية يجب ان تقع المصادقة على قانونها الأساسي من قبل وزير المالية و محافظ البنك المركزي التونسي .

و تقوم هذه الجمعية بدور الوسيط بين أعضائها من جهة و السلط العمومية و البنك المركزي التونسي من جهة أخرى فيما يتعلق بكل مسألة تهم المهنة.”

و نستنتج من أحكام هذا الفصل أن الإنتماء الى الجمعية المهنية للبنوك ليس محل اختيار ، ولكن يتحتم على كل بنك تحصل على رخصة قانونية الإلتحاق بعضوية الجمعية ،و ذلك اعتبارا لكون هذه الجمعية ذات مرفق عام فهي تسهر على كل المسائل المتعلقة بمهنة البنوك.

و يعتبر القطاع البنكي من متعلقات المصلحة الاقتصادية ، و بالتالي المصلحة العامة للمجتمع و بالتالي فإن وزارة المالية و البنك المركزي يتوليان المصادقة على القانون الأساسي للجمعية . و قد بعثت الجمعية المهنية للبنوك بمقتضى قانون17 أفريل 1972 الذي صادق على النظام الأساسي للجمعية .

وكان من الممكن منح صلاحية التتبع للجمعية المهنية لبنوك تونس [180]، التي من بين أهدافها فرض تطبيق قرارات السلط العمومية ، و قرارات البنك المركزي التونسي و كذلك التراتيب الخاصة بالمهنة ، من طرف أعضائها أي من طرف البنوك . و هذه الغاية للجمعية يمكن تحقيقها من خلال منحها صلاحية التتبع للمخالفات المرتكبة من طرف أعضائها خاصة و أن لها مصلحة ثابتة في ذلك إذ أن مخالفة التشريع و التراتيب المصرفية من شأنه الإضرار بالمصلحة الجناعية للمهنة التي تمثلها .[181]

وفي غياب نص صريح يوكل للجمعية المهنية من حق التتبع فإن إسناد هذا الحق له العديد

من المبررات تتمثل في :

عجز النيابة العمومية بإعتبارها صاحبة الإختصاص الأصلي في إثارة الدعوى العمومية و تتبعها ، و متابعة جميع المخالفات المادية في المجال المالي، نظرا لتعقدها و صعوبة كشفها و تسليط الاضواء عليها ، وقد سمي هذا النوع من الجرائم ب :” جرائم ذوي الرقاب البيض “، إشارة الى مصدر ارتكابها و هم بالخصوص رجال الأعمال و أصحاب الشهائد العليا الذين تتميز جرائمهم بالذكاء و الدراسة الجيدة”.[182]

لذلك تسمح النيابة العمومية في هذا المجال لأهل الإختصاص الذين أسند إليهم القانون دور البحث و التتبع المشاركة في دورها ، و في المجال البنكي كان من الممكن أن يقع منح الجمعية المهنية للبنوك بنص صريح على غرار محافظ البنك المركزي صلاحية التتبع و التقاضي في كل ما يتعلق بحماية المهنة .

ولقد نص الفصل الثالث من القانون الأساسي للجمعية[183] على أن “الجمعية المهنية للبنوك تتمتع بصفة القيام لدى المحاكم كلما كان هناك بنك طرف .”

وبصورة عامة اعترف المشرع للنقابات بحرية التقاضي استنادا الى دعوى جماعية واشترط توفر مصلحة جماعية حقيقية [184]،و النص الذي يمكن اعتماده في هذا الاطار للتاكيد على ذلك

الحق هو الفصل 244 من مجلة الشغل الذي اعطى للنقابات المهنية حق التقاضي و حق القيام بالحق الشخصي “فيما يتعلق بالوقائع التي تلحق ضررا مباشرا بالمصلحة المشتركة للمهنة التي تمثلها .”

وعليه يمكن تصور اثارة الدعوى العمومية عن طريق القيام بالحق الشخصي من قبل الجمعية المهنية للبنوك في صورة ما إذا ترتب عن الفعل المكون للجريمة مساس بمصلحة المهنة البنكية ، بإعتبار ان هذا المساس هو ضرر يمس بالجمعية نفسها ،التي تتمتع بالشخصية القانونية و بالتالي بأهلية التقاضي .

وقد وقع الإلتجاء الى نظريات فقهية لتأسيس اطار نظري يسمح لهذه الجمعيات بالتحرك .

و إعتمد الفقه في سبيل ذلك ،أول الأمر، نظرية الحقيقة او المماثلة ، و ملخصها أن الجمعية النقابية ترمز الى حقيقة واقعية غير متميزة عنها ، و هي الجماعة التي تكونها ، و عليه ، فكل مساس بمصالح الجماعة يعد مساسا بمصلحة الجمعية النقابية ذاتها . و هكذا تلبي هذه النظرية شروط التقاضي المتمثلة في ضرر شخصي يكسبها الصفة للتقاضي .

لكن فقه القضاء لم يواكب هذه النظرية و قام بإستبدالها بفكرة أخرى أكثر ليونة مفادها الإعتماد على فكرة التمثيل ، وبمقتضاها تتمتع الجمعية النقابية بسلطة تمثيلية عن جميع مصالح المهنة التي تتكلم بإسمها .[185]

و اتجه الفقه ايضا تبريرا لصلاحية الدعوى الجماعية الى إعتماد نظرية الإختصاص ، ومفادها أن القانون أسند للجمعيات صلاحية التحرك لدى القضاء من أجل الدفاع عن مصالح المهنة التي تمثلها نظرا لكونها مختصة قانونا بتلك المأمورية ، لذا فإن قيامها مبني على ضرر شخصي لحق بتلك الجمعية مباشرة.[186]

غير أن هذا الحق يبقى محدودا” بالمصالح الاجتماعية و الإقتصادية لأعضائها “، وذلك استنادا لأحكام الفصل 242 من مجلة الشغل .

ويفترض أن يكون الضرر المتولد عن الجريمة قد أصاب المصلحة الجماعية للمهنة البنكية و ليس مصلحة فرد أو مجموعة أفراد فقط .

ويمكن القول أن إثارة الدعوى العمومية من قبل الجمعية المهنية للبنوك له جدوى عملية ،

فهذه الجمعية هي لسان ناطق عن أعضائها المباشرين للمهنة البنكية ، وبالتالي فهي من هذه الزاوية تكون أعلم من غيرها بما يهدد مصلحة المهنة البنكية .

خاصة وان إثارة الدعوى العمومية وتتبعها من قبل النيابة العمومية في المجال المالي أصبح يمثل مهمة صعبة ،لأنها تجد نفسها عاجزة عن تتبع جميع المخالفات التي فضلا على تصدرها عي جرائم معقدة .

وأخيرا فانه يمكن تصور اثارة الدعوى العمومية من قبل الأجهزة المكلفة برقابة القطاع البنكي كلما تبين لها أن وقائع معينة تشكل جريمة بنكية ،وهذه الأجهزة تتمثل في :

-المجلس القومي للقرض

-اللجنة المصرفية التي تم بعثها بموجب تنقيح فيفري 1994 ومهمتها السهر على مراقبة مدى احترام القطاع البنكي للتشاريع و التراتيب البنكية .

-وزير المالية

كل هذه الاجهزة لها الحق في اثارة الدعوى العمومية وهو حق يدخل في وظيفة الرقابة التي تجريها على القطاع البنكي وهي رقابة لن تجد جدواها دون هذا الجانب الزجري المتمثل في فتح باب التتبع ومن ثمة تسليط العقوبات اللازمة .

الفرع الثاني:الخصوصية على مستوى السلط المخول لها اصدار العقوبات

يتميز النظام التونسي مثل العديد من الأنظمة الأخرى بتعدد الهيئات التي تتدخل في مجال الرقابة على مؤسسات القرض ، إذ يساهم في أداء هذه المهمة المجلس الوطني للقرض[187] و الجمعية المهنية للبنوك [188]ومراقبوا حسابات البنوك و البنك المركزي و محافظ البنك المركزي .

إلا أن ما يهمنا من جملة هذه الهيئات هي تلك التي عند ممارستها للرقابة يخول لها المشرع من إصدار عقوبات ذات صبغة جزائية .

وتتجلى هذه الخصوصية في تعدد السلط المختصة بإصدار العقوبة في الجريمة البنكية ، و هي خصوصية تميز الجريمة المالية بصفة عامة ، فالى جانب السلطة القضائية التي لها صلاحية إصدار العقوبة لمواجهة الجريمة البنكية ، تتدخل الإدارة التي منحها المشرع سلطة اتخاذ عقوبات زجرية .

و يبرر الفقه هذه السلطة الممنوحة للإدارة بأنها تنصهر في إطار الاقتصاد الموجه ، و أن الهدف من وجودها ، هو تحقيق النجاعة المرجوة للزجر عن طريق سرعة المؤاخذة[189] فضلا على ذلك فإن السلطة الإدارية بوصفها تسهر على تطبيق القوانين المالية هي الأجدر في ردع المخالفات بإعتبارها أعرف من السلطة القضائية بتلك القوانين .

غير أن المشرع حينما أعطى للسلطة الإدارية صلاحية تسليط العقوبة الزجرية أخذ بعين الإعتبار المصلحة الإقتصادية والمالية ، فإنه في المقابل أخضع ممارسة تلك السلطة للقواعد الأساسية للإجراءات الجزائية و ذلك لحماية الحقوق و الحريات .

ولعل من أهم سلطة تؤمن الرقابة على البنوك في النظام التونسي تبقى البنك المركزي فهي كما عبر عن ذلك السيد بن فضلة تعد الأكثر نفوذا في النظام المصرفي التونسي .[190]

و بالرجوع للتشريع البنكي نلاحظ أن المشرع منح البنك المركزي و اللجنة المصرفية صلاحية تسليط العقوبات .

المبحث الاول: صلاحيات البنك المركزي التونسي في تسليط العقوبات :

إن المشرع التونسي عند تنظيمه لصلاحية البنك المركزي التونسي ميز بين صلاحيات هذه الهيئة و صلاحيات رئيس هذه الهيئة أي محافظ البنك المركزي التونسي .لذا سنحاول ضمن هذا الفرع أن ندرس على التوالي صلاحية البنك المركزي التونسي و صلاحية محافظه .

الفقرة الأولى : البنك المركزي التونسي

يضطلع البنك المركزي التونسي بدور هام في النظام المصرفي إذ يكاد يكون أهم سلطة تمارس أعمال الرقابة على النشاط المصرفي و تسهر على ضمان توازنه و ذلك بفضل ما يتمتع به من صلاحيات فقد كرس المشرع منذ قانون 19 سبتمبر1958 أهمية هذا الدور معتبرا في فصله 33 أنه يسهر على إستقرار الجهاز المالي و سلامته .وهو يتمتع بجميع الوسائل اللازمة حتي يتمكن من فرض إحترام البنوك للتشريع المصرفي و لتحقيق السياسة المالية للبلاد .[191]

الصلاحيات التي يتمتع بها البنك المركزي في إطار الرقابة على النشاط المصرفي تشبه إلى حد كبير صلاحيات الرقابة التي تختص بها اللجان المصرفية في القانون المقارن و خاصة اللجنة المصرفية و المالية البلجيكية[192] و اللجنة المصرفية في القانون الفرنسي فهذه الأخيرة بالإضافة للعقوبات التي تسلطها ، تجري على البنوك رقابة على الوثائق و رقابة بالمقر، قصد التثبث من حسن تطبيق المؤسسات المصرفية للتشريع البنكي .

وهذا الدور يضطلع به البنك المركزي التونسي خاصة منذ تنقيح 7 فيفري 1994 إذ يجري على البنوك مراقبة على الوثائق و بالمقر .[193]

وبالتالي فإن سلطة الرقابة الحقيقية في القانون التونسي تبقى البنك المركزي التونسي فالمشرع عند إعادتة تنظيمه لصلاحيات اللجنة المصرفية و بالرغم من تأثره الواضح

بالقانون الفرنسي[194] ، فإنه لم يهدف إلى تعزيز و تقوية اللجنة المصرفية على حساب البنك المركزي التونسي بل و بالعكس من ذلك ترجم إرادته في إبقاء و تدعيم سلطة البنك المركزي .[195]

وفي هذا الإطار ينص الفصل 48 من قانون 10 جويلية 2001 على :” تعاقب بخطية يسلطها البنك المركزي التونسي بعد سماع المؤسسة المعنية كل المخالفات المتعلقة بمنح أو قبض فوائد دائنة أو مدينة تتجاوز الحدود المضبوطة من قبل البنك المركزي التونسي و كذلك المخالفات المتعلقة بقبض عمولات لم تنص عليها مناشير البنك المركزي التونسي أو بنسب تفوق النسب التي تم إشعار البنك المركزي التونسي بها.

يمكن أن يبلغ مقدار الخطية خمس مرات المبلغ الذي إنجرت عنه المخالفة و تستخلص لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسية طبقا للإجراءات المنصوص عليها بالفصل 42 من هذا القانون.”

كما أن الفصل 49 من نفس القانون ينص على :” يعاقب كل إخفاء معلومات و كل إدلاء متعمد لمعلومات خاطئة بخطية تساوي نسبتها النسبة المحددة بالفصل 42 [196] من هذا القانون.”

وهكذا يتسنى للبنك المركزي فرض إحترام قواعد سير النشاط المصرفي من خلال مراقبته لمدى إحترام البنوك لقواعد حسن سير المهنة .

الفقرة الثانية : محافظ البنك المركزي التونسي

إن العقوبات الوارد تعدادها بالفصل42 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض مقسمة من حيث تطبيقها بين محافظ البنك المركزي و اللجنة البنكية .

كما ينص الفصل43 من نفس القانون أن :” يتخذ محافظ البنك المركزي التونسي العقوبات المنصوص عليها بالأعداد من1 الى4 من الفصل42 من هذا القانون بعد سماع المؤسسة المعنية .

و تقضي بالعقوبات المنصوص عليها بالأعداد من5 الى7 من الفصل42 من هذا القانون لجنة خاصة تدعى اللجنة المصرفية …”

و تتمثل العقوبات المنصوص عليها بالفقرات1 الى4 فيما يلي : الإنذار و التوبيخ و تعليق كل مساعدة من قبل البنك المركزي التونسي ، و هذه العقوبات تدخل تحت طائلة العقوبات التأديبية .

إلا أنه إضافة إلى هذه العقوبات يمكن لمحافظ البنك المركزي التونسي من تسليط خطية يمكن ان يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة تستخلص لفائدة الخزينة العامة .

و الملاحظ أن محافظ البنك المركزي يتمتع بسلطة إثارة التتبع و هو بذلك يشبه الى حد بعيد دور النيابة العمومية في القانون العام ، و هو الذي يقرر السلطة المختصة بالعقاب الذي

يمكن أن تكون سلطته الخاصة إذا رأى أن المخالفة تندرج تحت أنظاره ، و يمكن أن يقوم بإحالتها على اللجنة المصرفية إذا كانت المخالفة تستوجب عقاب الدرجات5 الى7 فهو بذلك يتمتع بسلطة تكييف المخالفات و تعيين العقوبات المرصودة لها .

وهو يجمع من جهة أخرى ، بين سلطة التتبع و سلطة العقاب . و هذا الجمع يشكل ، ولا شك، خرقا لمبدأ تفريق السلط و مبدأ إستقلالية سلطة العقاب عن سلطة التتبع الذي يمثل ضمانة أساسية للمتهم .

و ربما تفطن المشرع التونسي الى هذا الأمر ، فحصر السلطة العقابية للمحافظ في المخالفات التي تستوجب عقابا خفيفا إذ أن الخطية لا تعد عقوبة يمكن أن تؤثر على مؤسسة تتمتع بإمكانيات مالية هائلة [197] ، و هذا مثلما أشار الى ذلك السيد وزير المالية بمناسبة إجابته على تساؤلات النواب حيث بين أن العقوبات التي ينطق بها محافظ البنك المركزي ” هي أقل خطورة و لذلك فقد تركها المشرع الى المحافظ حتى لا تدعى اللجنة المصرفية الى الإنعقاد بصفة مكثفة و مسترسلة .”[198]

و إذا كانت عقوبة الإنذار و التوبيخ و تعليق كل مساعدة من قبل البنك المركزي التونسي تدخل في إطار العقوبات التإديبية ، فإن عقوبة الخطية التي يمكن أن يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة تدخل في إطار سلم العقوبات الأصلية التي نص عليها الفصل5 من المجلة الجزائية .

و الجدير بالذكر أن الفصل27 قديم المتعلق بسلم العقوبات التي يسلطها محافظ البنك المركزي كان يحدد نوعية العقوبات الواردة فيه بكونها عقوبات تأديبية ، أما إبتداءا من تنقيح فيفري1994 الى غاية التنقيح الأخير ماي 2006 نجد أن المشرع قام بحذف لفظة تأديبية ،

جاعلا عبارة العقوبات مطلقة دون تقييد لطبيعتها ، فهل يعني ذلك إقرارالمشرع و لو بشكل ضمني لبعض العقوبات الجزائية لا سيما منها الخطية التي تبناها التنقيح الجديد ؟

المبحث الثاني : اللجنة المصرفية

لقد نص الفصل27 قديم ضمن فقرته الثانية على وجود :” لجنة خاصة بمقر وزارة المالية ، و مهمتها هو قبول الدعاوي الموجهة من البنوك ضد البنك المركزي التونسي و ذلك فيما يخص الغرامات و الخطايا التي يقررها تجاه البنوك المخالفة .

أما النص الجديد أي الفصل43 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض فقد نص على “…. وتقضي بالعقوبات المنصوص عليها بالأعداد من5 الى7 من الفصل42 من هذا القانون لجنة خاصة تدعى اللجنة المصرفية و تتكون من:

– قاض يشغل على الأقل خطة رئيس دائرة بمحكمة استئناف : رئيس ،

– ممثل عن وزارة المالية له رتبة مدير عام على الأقل :عضو،

ممثل عن البنك المركزي التونسي له رتبة مدير عام على الأقل : عضو،

– و المندوب العام للجمعية المهنية التونسية للبنوك و المؤسسات المالية : عضو ،

تعقد اللجنة المصرفية جلساتها بمقر البنك المركزي التونسي و يتولى هذا الأخير كتابة اللجنة.”

و بالعودة للفصل 42 من هذا القانون نجد أن العقوبات المنصوص عليها بالأعداد من 5 إلى 7 تتدخل في قائمة العقوبات التأديبية التي يمكن للجنة المصرفية تسليطها ، إلى أنه في مقابل ذلك نجد الفصل 45 من نفس القانون ينص :” تعرض المخالفات للتشريع و التراتيب المصرفية أعضاء مجلس الإدارة أو أعضاء هيئة الإدارة الجماعية و أعضاء مجلس المراقبة و المسيرين و الوكلاء الذين إقترفوها أو وافقوا عليها أو شاركوا فيها للعقوبات التالية:(……)

خطية يمكن أن يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة تستخلص لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسية حسب نفس الشروط المنصوص عليها بالفصل 42 من هذا القانون .

و يتم تتبع هذه المخالفات بمبادرة من محافظ البنك المركزي التونسي وتقضي بالعقوبات المتعلقة بتلك المخالفات اللجنة المصرفية المنصوص عليها بالفصل 43 من هذا القانون حسب نفس الشروط و الشكليات المنصوص عليها بخصوص تتبع و معاقبة المخالفات المقترفة من قبل مؤسسات القرض .”

ويستنتج من خلال هذا الفصل أن اللجنة المصرفية[199] يمكن لها أن تسلط خطية يمكن أن يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة على أعضاء مجلس الإدارة أو أعضاء هيئة الإدارة الجماعية و أعضاء مجلس المراقبة و المسيرين و الوكلاء الذين خالفوا التشريع و التراتيب المصرفية .

و بالرجوع للفصل 5[200] من المجلة الجزائية نجد أن الخطية تتدخل في إطار العقوبات الأصلية و بالتالي يمكن إعتبار أن المسؤولية المنجرة في هذه الحالة هي مسؤولية جزائية رغم أن موقع هذا الفصل ورد تحت عنوان العقوبات التأديبية .

وهذه الخطية يقع إستخلاصها وفقا للإجراءات المنصوص عليها بالفصل 42 من نفس القانون فهي تستخلص لفائدة الخزينة العامة بواسطة بطاقة جبر يصدرها و يجعلها نافذة محافظ البنك المركزي التونسي أو نائب المحافظ .

إلا أن ما يميز الخطايا التي تقضي بها اللجنة المصرفية هو أنها تسلط مباشرة على مسيري البنوك فالمشرع منذ تنقيح 1994 أصبح يميز بين مسؤولية البنك أي الشخص المعنوي

و مسؤولية مسير الشخص المعنوي ،ومنذ تنقيح 1994 أصبح القانون البنكي يعتمد التفريق بين إقرار مسؤولية الشخص المعنوي و مسؤولية مسيريه .

ويتميز التشريع التونسي عن القانون الفرنسي بخصوص هذه المسألة إذ أن الفصل 45 من قانون 24 جانفي 1984 الفرنسي ينص على أن العقوبات المالية التي يمكن أن تقضي بها اللجنة المصرفية سواء كعقوبة أصلية أو عقوبة فرعية[201] لعقوبة أخرى تسلط دائما على المؤسسة المصرفية[202] بحيث أنه ليس للجنة المصرفية في فرنسا أن تقضي بالعقوبات المالية ضد مسيري البنوك .

ولكن هذا الحل الذي كرسه المشرع الفرنسي عن طريق الفصل 45 و المتمثل في تسليط العقوبات المالية على المؤسسة وليس على المسيرين ، يمكن أن يحصل في القانون التونسي في التطبيق .إذ بالرغم من وضوح الفصل 45 من قانون 10 جويلية 2006 من حيث تعلق الخطايا التي تقضي بها اللجنة المصرفية بالمخالفات المرتكبة من طرف مسيري البنوك .

فإن الأرجح أن هذه الخطايا سيقع خلاصها من طرف المؤسسة المصرفية ذاتها وذلك للأسباب التالية :

أولا : إن البنك يكون دائما أقدر على دفع هذه الخطايا من المسؤول الذي يمكن أن يكون مجرد أجيرا داخل المؤسسة المصرفية بل إن بعضهم [203] إعتبر أن الخطايا لا تعد وسيلة ناجعة لردع البنوك فهي لا تبالي بدفعها.

ثانيا: إنه يصعب الفصل بين المخالفات المرتكبة من طرف البنك و المخالفات المرتكبة من طرف مسيري البنك إذ أن هذا الأخير يعمل لحساب و بإسم البنك و بالتالي فإنه يمكن أن

يكون إرتكاب المسؤول للمخالفة لحساب البنك.

ثالثا : إن الخطية كما نصت عليها الفصل 45 من نفس القانون توحي بأنها تتعلق بمخالفة يمكن تقدير مبلغها بما أن هذه الخطية” يمكن أن يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة ،”

وبالتالي فإننا نتصور مبدئيا أن هذه الخطية لا يمكن أن تنصب إلا على المخالفات المتعلقة بالفوائض و العمولات و هو ما يجعل ارتكاب المسؤول للمخالفة هو لفائدة البنك بل ان مرتكب هذه المخالفة يعد البنك ذاته.

ولأجل هذه الإعتبارات نعتقد أنه من الصعب أن تسلط اللجنة المصرفية عقوبة الخطية على مسؤولي البنك فالمؤسسة تبدو أكثر عرضة لهذه العقوبة من المسؤول .[204]

الفرع الثالث : الخصوصية على مستوى العقوبة

يمكن القول في هذا المجال أن النزعة التجريمية للمخالفات البنكية التي إنتهجها المشرع

تنصهر في إطار محافظتة على الصبغة الحمائية في القانون الجزائي الإقتصادي و هو يعني أيضا أن إنتماء القطاع البنكي لسياسة الحرية الإقتصادية مازال محتشما .

و يبرر ذلك بحساسية هذا القطاع و برغبة المشرع في تدعيم التراتيب والتشريعات التي تهم القطاع البنكي بجزاءات متعددة للتوصل الى التأكيد على أهمية هذا القانون كغيره من القوانين الإقتصادية في التنمية،” فبمجرد أن يتحقق الوعي الاجتماعي ، و يألف الناس مراعاة أحكام القانون الإقتصادي ،يمكن النظر في العقوبات الإقتصادية بإلغاء بعضها أو تخفيفها.”

و للمحافظة على السير الطبيعي لهذا النشاط ،تتدخل المشرع الجزائي وأقر عقوبات ضد المخالفين للقوانين المنظمة لهذا النشاط ، و لئن اتسم هذا التدخل بعدم الالتزام بالمباءئ العامة للقانون الجنائي فيما يخص العقوبة حيث مكن الإدارة من صلاحية اصدارها و أقر مؤاخذة الشخص المعنوي الذي كان في منأى من المسائلة الجزائية في القانون الجنائي العام فإن الغاية من ذلك هي تحقيق السرعة في الفصل في النزاعات .[205]

أما على صعيد تقدير العقوبة فقد إتسمت السياسة الجنائية أيضا بنوع من الخصوصية تمثلت في تغليب نوعية من العقوبات على حساب أخرى حيث إحتلت العقوبة المالية مكانا هاما مقابل إستبعاد العقوبات ذات الوظيفة الإصلاحية و التأهيلية ألا و هي المقيدة و السالبة للحرية . و القصد من ذلك هو تحقيق غايات متعددة كحرمان المخالف من الفوائد المالية التي يريد تحقيقها بعمله الإجرامي و تكون بذلك العقوبة متناسبة من حيث طبيعتها مع خصوصية المخالف في الميدان البنكي .

و بالتالي فإنه خلافا للقانون الجزائي العام فإن العقوبة المالية هي الأكثر بروزا في المادة البنكية خاصة منها الخطية . و يفسر ذلك بأن اساس ارتكاب الجريمة البنكية هو النزعة نحو

تحقيق الكسب غير المشروع فتكون العقوبة من نفس نوع المخالفة .وتعرف الخطية بوصفها عقابا جزائيا ، بأنها الزام مالي يدفعه المخالف .

و ما يلاحظ بالنسبة للجريمة البنكية ، أن مبالغ الخطايا مرتفعة نوعا ما إلا أن هذا يمكن أن يبرر بحجم رأس مال المؤسسة البنكية ،وبالتالي هناك نوعا من التناسب بين الخطية و رأس مال المؤسسة ، من ذلك مثلا الفصل 51[206]من القانون المتعلق بمؤسسات القرض، حيث يمكن أن يصل مقدار الخطية إلى 50000 دينار.

المبحث الاول : أنواع العقوبات

يمكن تصنيف العقوبات الجزائية الصادرة عن السلطة القضائية المختصة بالنظر في الجريمة البنكية الى صنفين : عقوبات تمس الشخص في حريته و عقوبات تمسه في ماله .

بالنسبة للعقوبات السالبة للحرية : يمكن القول أن العقوبة السالبة للحرية في المادة البنكية على اختلاف مصادر التجريم ضئيلة مقارنة بالعقوبات المالية .

إضافة الى ذلك فإن العقوبات السالبة للحرية في هذا الميدان تتميز بوضع المشرع حدين للعقوبة السجنية من ذلك ما ينص عليه الفصل51 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض:

” يعاقب بالسجن من ثلاثة اشهر الى ثلاثة اعوام و بخطية تتراوح من 5000الى50000 او باحدى العقوبتين فقط….” او الفصل52 من نفس القانون :الذي ينص :

” يعاقب بالسجن من شهر الى عام و بخطية تتراوح من 1000الى10000دينار او باحدى العقوبتين فقط ..”

وهو ما يعني أن المشرع منح القاضي في مثل هذه الحالة سلطة تقديرية واسعة في تقدير العقاب تمكنه بالحكم بالأقصى أو بالأدنى ،كما تمكنه من عدم الحكم بها تماما .

و هذا الإتجاه قد يؤول في اتجاه مخالف لتشديد العقاب.

غير أنه يمكن القول أن تحديد المشرع للعقوبة أو لحد العقوبة السجنية ، يمثل ابرز مظهر من مظاهر شدتها ،خاصة اذا كانت مدتها طويلة ، فقي هذه الحالة تطبق العقوبة دون ان يمنح القاضي سلطة تقديرية .

ومثال ذلك جريمة إفشاء السر البنكي، التي احال الفصل30 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض في شأنها على أحكام المجلة الجزائية و تحديدا للفصل254 م ج الذي نص على عقوبة السجن لمدة 6اشهر و بخطية قدرها دينار.

ففي هذه الجريمة فضلا عن تحديد مدة العقوبة السجنية لم يمنح المشرع للقاضي ، حق تقدير ما اذا كانت هذه الجريمة ، حسب ملابسات القضية تستحق كلتا العقوبتين او احداهما .

كما يمكن ان تسلط على الصيرفي في صورة توفر اركان جريمة التحيل في جانبه عقوبة بالسجن لمدة5 اعوام [207].

اما في خصوص العقوبة المالية يلاحظ انه خلافا للقانون الجزائي العام نجدها الاكثر بروزا في المادة البنكية خاصة منها الخطية .

وما يلاحظ بالنسبة للجريمة البنكية ،ان مبالغ الخطايا مرتفعة نوعا ما من ذلك ما ينص الفصل51 من قانون المهنة بتراوح العقاب من5000 الى 50000 دينار .

كما ينص الفصل48 من نفس القانون على خطية يمكن ان يبلغ مقدارها خمس مرات مبلغ المخالفة تستخلص لفائدة الخزينة العامة بواسطة بطاقة جبر.[208]

و تكتسي الخطية في القانون المنظم للبنوك أو في القوانين المالية بشكل عام طبيعة مزدوجة تميزها عن خطايا الحق العام ، اذ انها تمثل في الان نفسه عقوبة للمخالف ومن ناحية اخرى تعويضا للضرر الحاصل لصندوق الدولة و تبعا لذاك للسياسة الاقتصادية .[209]

المبحث الثاني :محتوى العقوبات

الفقرة الأولى : جزاء خرق القواعد المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية

تتمثل الاخلالات بالقواعد المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية في القيام بعمليات مصرفية بدون رخصة إضافة الى استعمال أساليب من شأنها احداث لبس لدى الغير حول صنف المؤسسة الى جانب خرق التحجيرات المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية .

أ :جزاء القيام بعمليات مصرفية بدون رخصة :

تفترض القيام بالعمليات المصرفية الحصول على ترخيص لممارستها و يمنح هذا الترخيص بقرار من وزير المالية على أساس تقرير من البنك المركزي [210] و في صورة عدم الحصول على ترخيص مسبق و ممارسة العمليات المصرفية تقوم الجريمة و يكون العقاب بالسجن من 3اشهر الى3 أعوام وبخطية من 5 ألاف الى 50 ألف دينار أو بإحدى العقوبتين فقط .[211]

لكن هذا العقاب[212] يطرح تساؤلا بخصوص الشخص المسؤول على الحصول على هذا الترخيص و المعرض في حالة عدم الحصول عليه للعقوبة؟

رغم أن الفقرة الأولى من الفصل51 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض، لا تتضمن أية إشارة الى الشخص المسؤول عن إرتكاب جريمة تعاطي نشاط بنكي دون رخصة فإن الفقرة الأولى من الفصل14 من نفس القانون تضمنت :” يحجر على كل شخص غير مرخص له بصفة مؤسسة قرض”، و بما ان الفصل2 من نفس القانون فد نص على :” تعتبرمؤسسة قرض كل شخص معنوي يحترف اعتياديا العمليات المصرفية …”

و بالتالي يمكن القول أن الشخص المسؤول على معنى الفصل14 هو الشخص المعنوي وبهذا يكون المشرع قد أقر المسؤولية الجزائية للذات المعنوية في إطار القانون المتعلق بمؤسسات القرض.

و في هذا الإطار و إن أمكن نظريا و عمليا تسليط خطية على الشخص المعنوي نظرا لتمتعه بذمة مالية ، فإن الإشكالية تطرح من الناحية العملية في الصورة التي يصدر فيها القاضي عقوبة السجن سواء بمفردها أو مع الخطية .

فهل يمكن أن يتم تعيين الشخص المسؤول إستنادا الى توزيع الإختصاص التي تقيمه المؤسسة بذاتها و بالتالي يتم تحديد أشخاص طبيعين يتحملون على عاتقهم الخطية و العقوبة السالبة للحرية كذلك .

و حتى في هذه الحالة فان غير المسؤولين يكونون على علم بهذا التجاوز ، من هنا يطرح سؤالا اخر : هل يمكن معاقبتهم بإعتبارهم مشاركين في الجريمة ؟

إضافة الى هذا النقص في إطار الجزاء ، فإن المشرع لم يجرم بقية العمليات الخاضعة

للترخيص، إذ ينص الفصل10 من نفس القانون على :” تخضع للترخيص المشار اليه بالفصل7 من هذا القانون :

– كل عملية اندماج بين مؤسسات القرض،

– كل اقتناء بطريقة مباشر ة او غير مباشرة من قبل شخص او مجموعة من الاشخاص لحصص من راس مال مؤسسة قرض يؤدي الى التحكم فيها و في كل الحالات كل عملية تفضي الى امتلاك العشر او الخمس او الثلث او النصف او الثلثين من حقوق الاقتراع.

– كل عملية يمكن ان تنجر عنه احالة قسط من موجودات مؤسسات القرض من شانها ان تفضي الى تغيير في تركيبتها المالية او في توجهات نشاطها .”

و رغم أن المشرع إشترط الترخيص للقيام بهذه التصرفات إلا أنه لم يجعله يرتقي الى قيمة الترخيص المسبق لممارسة النشاط البنكي ، إذ لم يجرم و لم يعاقب عدم الحصول على الترخيص فيها .

ويمكن تبرير ذلك بالقول بأن مؤسسة القرض لم تبدأ في ممارسة مهامها إلا بعد دراسة مطلب الترخيص لها المرفوق بكل الإرشادات من قبل البنك المركزي و لم يمنح ذلك الترخيص إلا بناءا على جملة من المعايير.

و بالتالي يجب إقرار المسؤولية الجزائية في صورة مباشرة النشاط دون الحصول على رخصة ، فذلك يمكن من حماية هذه المؤسسات في حد ذاتها.

و رغم أهمية هذا الترخيص فقد إقتصر المشرع على على فرض جزاء إداري تضمنه الفصل15 من نفس القانون الوارد تحت عنوان في سحب الترخيص و اثاره ،

في إمكانية سحب الترخيص بقرار من وزير المالية عند الإخلال بالشروط التي على أساسها منح هذا الترخيص : كإخلال المؤسسة بالشروط التي منح على أساسها الترخيص ،

أو إذا تحصلت المؤسسة على الترخيص بواسطة تصاريح خاطئة أو بواسطة أي وسيلة أخرى غير شرعية أو غيرها من الأسباب الوارد تعدادها بالفصل السابق ذكره .

فهل في ذلك إرادة من المشرع في حصر الحماية الجزائية فقط فيما يسبق الشروع في ممارسة النشاط ؟

رغم هذه التساؤلات التي توحي بنقص في مجال الحماية الجزائية للعمليات المصرفية إلا أنه لا يمكن التغافل على أن هذا القانون قد ساهم بشكل أو باخر في تطوير و تدعيم هذه الحماية

و هو ما يؤدي الى التساؤل عن كيفية تعامل هذا القانون مع جريمة إستعمال أساليب من شأنها إحداث لبس لدى الغير حول صنف مؤسسة القرض المرخص لها .

ب- جزاء جريمة إستعمال أساليب من شأنها احداث لبس لدى الغير حول صنف المؤسسة

تنص الفقرة الأولى من الفصل 14من القانون المتعلق بمؤسسات القرض على :”مع مراعاة احكام الفصل الاول من هذا القانون ،يحجر على كل شخص غير مرخص له بصفة مؤسسة قرض ان يمارس العمليات المصرفية بصفة اعتيادية و يحجر على كل مؤسسة قرض مرخص لها ان تستعمل اساليب من شانها احداث لبس لدى الغير حول صنفها.”

أما العقاب لهذه الجريمة فوقع التنصيص عليه بالفقرة الأولى من الفصل51 من نفس القانون

حيث ينص على :”تعاقب بالسجن من ثلاثة اشهر الى ثلاثة اعوام و بخطية تتراوح من5000 الى50000 دينار او باحدى العقوبتين فقط كل مخالفة لاحكام الفقرة الاولى من الفصل14 من هذا القانون .وتضاعف العقوبة عند العود.”

أما الفقرة الثانية من الفصل51″ تعاقب بالسجن من شهر الى عام وبخطية تتراوح من1000 الى10000 أو بإحدى العقوبتين فقط ،كل مخالفة لأحكام الفقرة الثانية من الفصل14 من هذا القانون وتضاعف العقوبة عند العود ”

وتتعلق الفقرة الثانية من الفصل14 في التحجير المحمول على كل شخص غير مرخض له بصفة مؤسسة قرض ادراج عبارات بنك او مصرف او صاحب بنك او صاحب مصرف او مؤسسة قرض او مؤسسة مالية في تسميته التجارية .

إن الملاحظ في هذه الفصول يلاحظ أن عقوبة الفقرة2 اخف من عقوبة الفقرة1 وهو ما يحيل الى أن المشرع لا يعتبرالضرر الذي قد ينشأ عن مخالفة الفقرة الأولى بنفس قيمة ما قد يحصل عن مخالفة الفقرة الثانية ،ولكن ألا يمكن القول بأن الافعال الواردة بالفقرة2 من الفصل14 تعتبر جزءا من “الاساليب” التي تضمنتها الفقرة الاولى من نفس الفصل خاصة وقد سبق التسليم بشساعة هذا المصطلح وإذا كانت كذلك فلماذا إعتمد هذه الإزدواجية في العقاب لفعل واحد .

ج- جزاء خرق التحجيرات المتعلقة بتعاطي المهنة البنكية

يقصد بالتحجيرات المتعلقة بالمهنة البنكية ممارسة الأشخاص المحجور عليهم تعاطي المهنة البنكية و كذلك الجمع بين وظيفتين في مؤسستي قرض مختلفتين أو بين مؤسسة قرض و شركة تأمين و ذلك لغاية الحفاظ على إستقلالية المهنة .

ينص الفصل52 من القانون المتعلق بمؤسسات القرض على ما يلي :” يعاقب بالسجن من شهر الى عام وبخطية تتراوح من1000 الى10000 دينار او باحدى العقوبتين فقط كل من

يخالف احكام الفصل26 من هذا القانون و تضاعف العقوبة عند العود .”

و كما سبق أن ذكرنا يتعلق الفصل26 من هذا القانون بالتحجيرات المتعلقة بكل من يدير أو يتصرف أو يسير أو يقوم بمراقبة مؤسسة قرض أو يلتزم باسمهما .

و تجدر الملاحظة أنه فيما يخص الفصل52 فقد تم تجاوز مرحلة البحث عن الترخيص الى الإشكال المتعلق بالشخص الذي يساهم في نشاط هذه المؤسسة سواء بالإدارة أو بالتصرف أو التسيير او المراقبة او الالتزام ، إذ يجب أن يكون الشخص خاليا من بعض السوابق العدلية كجريمة التزوير أو التحيل او خيانة المؤتمن و لم يكن شريكا باخفاء الاشياء التي وقع الحصول عليها بواسطة ارتكاب الجرائم المذكورة اوعن طريق مخالفة التراتيب الخاصة بالصرف.

كما يجب أن لا يكون قد صدر حكم بات بالافلاس أو حكم بالتسبب في الافلاس [213] و أن لا يكون وكيلا أو متصرفا بشركة وقع التصريح بإفلاسها .[214]

لكن الفصل لا يوضح على من يقع تطبيق العقاب ، على المحجر عليه الذي رغم وضعيته تلك التحق بالمهنة أم على المؤسسة البنكية التي قامت بإنتدابه أم الإثنين معا.

و يمكن أن نجد الجواب عن هذا الإشكال ضمن أمر19 سبتمبر1935 المتعلق بالتحجيرات

حيث جاء بفصله الرابع ما يلي :” من صدر عليه حكم طبق مقتضيات هذا القانون لا يمكن أن تستخدمه بأي صفة كانت بالمحل الذي كان يشغله أو الشركة التي كان يقوم بشؤونها أو يتصرف فيها أو يمضي في حقها .

و إن خالف هذا التحجير يعاقب المخالف و مستخدمه بالعقوبة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من الفصل المذكور ، و تكون للمجلس أيضا أن يأذن بغلق المحل .”

و من هنا نتبين أن العقاب لا يقتصر على الشخص المخالف للتحجير بل ينسحب أيضا على البنك الذي استخدمه .

و بالتالي يعاقب البنك الذي يقوم بإنتداب أشخاص لممارسة المهنة البنكية دون إعتبار مقتضيات الفصل26 من قانون 10 جويلية 2001 .

إن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي عموما تبقى ذات طابع استثنائي سواء في القانون التونسي أو في القانون الفرنسي على نحو أغلب التشريعات الوضعية ، و البنك بوصفه شخصا معنويا يخضع لنفس القواعد الأساسية في إقرار مسؤوليته الجزائية .

فالبنك حينما يخالف نصا ذو طابع جزائي ، يمكن تحميله المسؤولية الجزائية، و صورة ذلك قيام البنك بإنتداب أفراد رغم خضوعهم للتحجيرات القانونية .

و على مستوى فقه القضاء ، فإ ن محكمة التعقيب من خلال قرارها في القضية المعروفة “بخليج القردة” أقرت المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي، و ذلك بتحميل مسيري الشركة المسؤولية ” لأنهم مكلفون بحسن إختيار العمال و السهر على سلامة الألات…”

و من هنا نلاحظ أن محكمة التعقيب تقيم قرينة المسؤولية الجزائية في حق المؤسسة وافتراض الخطأ في جانب مسيريها لكونهم لم يبذلوا جهدهم قصد تلافي الوقوع في المحجور.

و نستروح هذا الإتجاه من خلال الحيثية التالية من نفس القرار المذكور حيث جاء فيه :

“وحيث أنه من وظائف المشرفين على الشركات زيادة على إدارة الشركة أن يكونوا يقظيين لكل ما يجري بتلك الشركة نظرا للمسؤولية الملقاة على عاتقهم و أن هذه اليقضة تتطلب

التنبه و الإحتياط و التعرف على دقائق الأمور و عدم الغفلة ، فإذا قصر هؤلاء في القيام بواجبهم ، فإنهم يؤاخذون جزائيا عن أخطائهم “.

و قياسا على ذلك فإن البنك مطالب بالتحقق من وضعية الأفراد المترشحين لإحتلال مواقع لدى المؤسسة البنكية قبل أن يقع تعيينهم بإحدى الوظائف المحددة بالفصل26 و هي الإدارة،

التصرف ، التسيير ، المراقبة ، و كذلك الوكالة عن البنك أو كل خطة من شأنها ان تلزم البنك .

وتتبع البنك في هذه الحالات يعني تتبع المسييرين بوصفهم يمثلون البنك ، و عن طريقهم يتحرك و يقوم بأنشطة و تجسد أهدافه التي بعث من أجلها .

الفقرة الثانية : جزاء خرق القواعد المفروضة من البنك المركزي

إن عقوبة جريمة تطبيق نسبة فائدة مشطة تعرض لها الفصل5 من قانون15 جويلية 1999 [215] المتعلق بالفائدة المشطة حيث ينص على عقوبة بالسجن لمدة 6اشهروبخطية تتراوح

بين 3الاف و10 ألاف دينارأو بإحدى العقوبتين فقط . وتتضاعف العقوبة في صورة العود.

و الملاحظ أن المشرع وسع في نطاق الإشخاص الذين يمكن مؤاخذتهم حسب الحالات حيث جاء بالفقرة الثانية من الفصل الخامس من هذا القانون أنه إذا كان المخالف ذاتا معنوية فإن العقوبات تطبق بصفة شخصية و حسب الحالة على الرؤساء المديرين العامين و المديرين والوكلاء و بصفة عامة على كل شخص تثبت مسؤوليته ممن له صفة لتمثيل الذات المعنوية.

كما أن المشاركة موجبة لنفس العقاب و ما يجدر الإشارة إليه هو أن المشرع لم يكتفي بهذه العقوبات ، إذ نص على إمكانية أن تأذن المحكمة بعقوبات تكميلية كنشر النص الكامل لقرارها ، أو مقتطفات منه في الصحف البومية التي تعينها و يتحمل مصاريفها المحكوم عليه .

إن هذه العقوبات التي تعتبر تكميلية تبدو أنجع من نظيرتها الجزائية إذ أن تأثيرها أكبر لما قد تلحقها بالمؤسسة ككل من خسائر في صفوف المتعاملين معها الذين قد يعزفون عن ذلك في حالة علمهم بما اقترفته من مخالفات .

ولكن السؤال المطروح هو لما لم يقع العمل بهذه العقوبات التكميلية في معاقبة جميع الأفعال التي جرمها المشرع فيما يخص مؤسسة القرض.

الفقرة الثالثة : جزاء افشاء السر المهني

تعرض المشرع لجريمة إفشاء السر المهني في إطار القانون المنظم لمؤسسات القرض من خلال الفصل30 الذي ينص أنه:”يحجر على أعضاء مجلس الإدارة و على أعضاء مجلس المراقبة و أعضاء هيئة الإدارة الجماعية لمؤسسة القرض أو مسيريها او كلاهما أو مراقبيها

أو مستخدميها إفشاء الأسرار التي إطلع عليهم حرفائهم أو التي اطلعوا عليها بموجب قيامهم

بوظيفتهم باستثناء الصور المرخص فيها بمقتضى القانون و تحت طائلة العقوبات المقررة بالفصل254 م ج ، من خلال هذه الإحالة أخضع المشرع جريمة إفشاء السر المهني للقواعد العامة للقانون الجزائي و تجدر الإشارة الى إزدواجية العقاب المسلط على مرتكب هذه الجريمة التي إعتبرها المشرع جنحة و يظهر ذلك من خلاله قرنه لجزاء مادي يتمثل في خطية و جزاء سالب للحرية و هو6 اشهر سجن .

و يرتب القانون هذا الجزاء بمجرد حصول فعل الإفشاء أي التصريح بأسرار مهنية بالتالي فلا عبرة بنتيجة هذا التصريح سواءا حقق نفعا للقائم بالفعل أم لا.

لقد حدد الفصل254 م ج عقوبة جريمة إفشاء السر بالسجن مدة ستة أشهر و هو ما يفيد أن الجريمة من صنف الجنح . و المحاولة فيها غير موجبة للعقاب بإعتبار أن الفصل59 م ج

لا يعاقب على المحاولة في الجنح إلا إذا وقع اقرار ذلك بموجب نص خاص .

بالإضافة الى العقوبة السالبة للحرية يتعرض مقترف الجرم الى عقاب مالي متمثل في خطية مالية قدرها خمسمائة و20 دينارا. مع منح القضاء صلاحية الجمع بين العقوبتين بإستعماله “واو” الجمع على خلاف المشرع المصري الذي ترك الخيارللقاضي .[216]

و يؤدي افشاء السر البنكي الى مؤاخذة المفشي جزائيا من تتبع و محاكمة أمام محكمة الناحية بوصفها المحكمة المختصة حكميا .

أما اجراءات التتبع فلا تثير اشكالا طالما أن الأحكام الجزائية لم تفردها بأية خصوصية .[217]

إن خلو التشريع من أي أفراد لا يمنع من التعرض الى نظيره اللبناني الذي جعل تحريك الدعوى العمومية بالنسبة لجريمة إفشاء السر المصرفي بناء على شكوى المتضرر نفسه ،

و إذا كان الجاني معروفا فإن الدعوى توقع ضده مهما كان مركزه صلب البنك.

أما إذا كان مجهولا أو تعذرتحديده فإن المسؤولية تكون على عاتق البنك وفقا لأحكام الفقرة

الثانية من المادة210 قانون العقوبات التي تنص على :”إ ن الهيئات المعنوية مسؤولة جزائيا

عن أعمال مديريها و أو بإحدى وسائلها ” و في هذه الحالة لا يحكم على البنك إلا بالغرامة و المصادرة و نشر الحكم .

الفقرة الرابعة : جزاء خرق البنك للقواعد الحمائية للشيك

ينص الفصل412 مكرر[218] من المجلة التجارية على :”يجب على كل مصرف أن يدفع الى حد خمسة ألاف دينار ولو كان الرصيد منعدما أو ناقصا مبلغ كل شيك مسحوب عليه بواسطة صيغ سلمها الى الساحب بعد التحجير عليه من إستعمال صيغ الشيكات على بياض بالرغم من الإعلام المبلغ اليه من البنك المركزي .(…)

وتنسحب أحكام الفقرتين السابقتين على كل مصرف يسلم صيغ شيكات لحريف يفتح حسابا جاريا لأول مرة دون أن يسترشد عن وضع ذلك الحساب لدى البنك المركزي التونسي طبقا لأحكام الفصل410 جديد من هذه المجلة.”[219]

وبالتالي فإن جزاء البنك المرتكب لجريمة عدم مسك سجل خاص بهوية صاحب الحساب و جريمة عدم تضمين هوية الحريف بصيغ الشيكات و جريمة عدم الإسترشاد حول وضعية الحريف لدى البنك المركزي، بدفع خطية الى حد خمسة ألاف دينار.

و إجمالا فإن هذه الجرائم المنسوبة للبنك ،تمثل على مستوى التكريس التشريعي ،مظهرا من مظاهر صرامة هذه المسؤولية ذات الصبغة الإستثنائية التي يخضع لها البنك كذات معنوية

لكنها تبقى صرامة محدودة بندرة التطبيقات القضائية و هو ما يتطلب من النيابة العمومية مزيدا من الحرص لممارسة سلطتها في هذا المجال بالتدخل وإثارة الدعوى العمومية ضد البنوك المخالف إذ ليس من الضروري أن يتم إصدار شيكات بدون رصسد حتى تثار التتبعات الجزائية ضد البنك .

الفقرة الخامسة :جزاء خرق البنك لواجباته في إطار مكافحة الإرهاب و منع غسل الأموال

ينص الفصل 22 من قانون 2003 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال على :

“يعاقب بالسجن من عام إلى خمسة أعوام وبخطية من ألف إلى خمسة ألاف دينار كل من

يمتنع و لو كان خاضعا للسر المهني عن إشعار السلط ذات النظر فورا بما أمكن له الإطلاع عليه من أفعال وما بلغ إليه من معلومات أو إرشادات حول إرتكاب إحدى الجرائم الإرهابية.”

هذا النص ورد عاما وهو يتجه إلى جميع الأشخاص المعنويين والطبيعيين وبما أن البنك

بحكم موقعه حيث يتولى تجميع الأموال من أصحابها يلعب دورا محوريا في الكشف عن

أصحاب الأموال القذرة .لذلك لا يمكنه التمسك بواجب الحفاظ على السر المهني و الإمتناع عن إشعار السلط المختصة .

وقد أقر المشرع عقابا مرتفعا في صورة عدم قيام البنك بإعلام السلط المختصة بمعلومات توصل إليها تتعلق بأنشطة إرهابية حتى ولو لم يكن متأكدا من صحتها .

فالمشرع أقر عقوبة السجن مع الخطية فالقاضي ملزم بإقرار عقوبة السجن والخطية معا ولا يمكنه الإكتفاء بإحداهما و ذلك ما يستنتج من واو العطف .

إلا أن المشرع منح للقاضي سلطة تقديرية واسعة في تقدير العقاب إذ أن عقوبة السجن تتراوح بين عام وخمسة أعوام و الخطية تتراوح بين ألف و خمسة ألاف دينار ، فيمكنه الحكم بالأدنى كما يمكنه الحكم بالأقصى فهذه المراوحة يمكن أن تؤول في إتجاه تشديد العقاب إذا إرتأى القاضي الحكم بالعقاب الأشد .

أما الفصل 101 من قانون 2003 فينص:” يعاقب بالسجن من ستة أشهر إلى ثلاثة أعوام وبخطية من خمسة ألاف دينار إلى عشرة ألاف دينار مسيرو الذوات المعنوية أو ممثاوها الذين ثبتت مسؤوليتهم الشخصية بشأن مخالفة أو عدم الإذعان لمقتضيات الفصول 69 و70 و72 و73 و74و 75 و84 و86 و87 و96 من هذا القانون .

ولايمنع ذلك من تتبع الذوات المعنوية التي تعاقب بخطية تساوي خمس مرات قيمة الخطية المستوجبة للجريمة الأصلية .”

وبما أن الفصول 69 و70و74و85 تقر الواجبات المحمولة على البنوك من واجب إتخاذ قواعد التصرف الحذر والمساعدة في منع المسالك المالية الغير مشروعة و التصدي لتمويل الإرهاب و غسل الأموال و الإستجابة لأليات تقصي الحقيقة و المعاملات المسترابة ، فإن مخالفة البنك لواجباتها و عدم حرصها على الفحص الدقيق للعمليات المالية و التثبت من هوية الحرفاء تكون عرضة لعقوبة جزائية تتمثل في السجن لمدة تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات وبخطية تتراوح بين خمسة ألاف وعشرة ألاف دينار .

و الملاحظ هنا أن المشرع كذلك من خلال هذا الفصل أقر عقوبة السجن إلى جانب الخطية إلا أنه منح سلطة تقديرية للقاضي لإختياره بين الحدين الأدنى و الأقصى .

ويعتبر مبلغ الخطية هنا مرتفعا نسبيا إذ يمكن أن يصل إلى عشرة ألاف دينار حتى في صورة عدم تثبت البنك من هوية حرفائها .

المبحث الثالث : التوارد

يقصد بتوارد الجرائم إرتكاب شخص واحد لعدة جرائم لا يفصل بينهما حكم بات ، ويقع التعرض إلى هذه المسألة في مستويين : إما في مستوى الحديث عن العقوبة وإما في مستوى طريقة إرتكاب الجريمة .

فالتوارد هي الحالة التي لا يقع الفصل فيها بحكم بات بين جرائم متعددة يرتكبها نفس المتهم ،

و بذلك تكون العناصر الموجبة لقيام التوارد هي ثلاثة : نفس المجرم ، تعدد الجرائم المنسوبة إليه ، عدم حصول حكم بات يفصل بين تلك الجرائم .

و قد تعرض المشرع التونسي لمسألة توارد الجرائم في الفصول من 54 إلى 57 .

ويثير الحديث عن التوارد مشكل خاص بمقدار العقوبة ، فهل تسلط عليه عقوبات متعددة تبعا لتعدد الجرائم التي إرتكبها أم هل يجب الإكتفاء بعقوبة واحدة من هذه العقوبات بالنسبة لمجموع الجرائم المرتكبة ؟

و يقصد بتنازع القوانين ما يمكن أن يحصل بينهما من تزاحم بينها ، إذ يزعم مل نص من هذه النصوص أنه الأولى بالتطبيق على الجريمة و هو ما يفرض على المحكمة حسم هذا التنازع بإختيار أحدهما مما يكون الأنسب .

و تتميز الجريمة البنكية بإمكانية حملها لعدة أوصاف جزائية و بالتالي تترتب عنها عدة مسؤوليات في نفس الوقت ، مثال ذلك صورة إخفاء البيانات و المعلومات حول الوضع الحقيقي للمؤسسة البنكية .

ففعل الإمتناع هذا يمكن أن يشكل جريمة تتمثل في تحيل موصوف طبق أحكام الفصل 83 من مجلة الضريبة على دخل الأشخاص الطبيعيين و الضريبة على الشركات ، و ذلك إذا كانت الغاية من الإخفاء هي التفصي من دفع الاداءات و الضرائب ، كما شكل نفس هذا الفعل جرما على معنى الفصل 23 جديد من قانون 7 ديسمبر 1997 .

كما أن نشر الموازنات غير الصحيحة يشكل في نفس الوقت جريمة الفصل 86 من المجلة التجارية و تتمثل في نشر موازنات مغلوطة أو غير صحيحة و إشهارا كاذبا على معنى الفصل 13 من قانون حماية المستهلك .

و يمكن ان نجد أمثلة أخرى من خلال جرد حالات المسائلة الجزائية فالفعل الواحد يمكن ان يكون مصدرا لعدة مسؤوليات في نفس الوقت ، كما يمكن أن يكون مصدرا لعدة مسؤوليات في نفس الوقت ، كما يمكن ان يؤدي الى عدة عقوبات جزائية متحدة الطبيعة أي الى عدة عقوبات جزائية او الى صدور عدة أحكام بالتعويض لفائدة أطراف متعددة .

وهذا ما يجعل المسؤولية الجزائية في الميدان البنكي متعددة الوجوه و مشددة ، و لعل هذه الشدة تتلائم مع النظام الإقتصادي الحمائي ، و هو ما يعني أن القطاع البنكي نظرا لحساسيته مازال خاضعا لرقابة مشددة إقتضتها طبيعة المرحلة التي تمر بها بلادنا وهو ما يعني أن السياسة التجريمية المشددة هي سياسة وقتية أو ظرفية .

ولو بحثنا في تطور المسؤولية في ا لميدان البنكي لإنتهينا الى إستنتاج جوهري هو أن التشريع ساير فقه القضاء في إتجاهه نحو التوسع في حالات مسؤولية البنك ، إلا ان هذا النزوع نحو التوسع لم يكن مستمرا و لا شاملا إذ عملت بعض المحاكم على كبح هذا التيار بالنضييق من بعض حالات المسائلة .[220]

خاتمة الجزء الثاني

لقد عرف مجموعة من الفقهاء القانون الجنائي الإقتصادي بأنه :” مجموعة القواعد اللازمة لحماية النظام العام الإقتصادي ذلك النظام الذي يتضمن مجموعة من القواعد الأمرة الخاصة بالبنيان الإقتصادي والتي تختلف طبيعتها وفقا للسياسة الإقتصادية للدولة “.[221]

ولضبط ميدان القانون الجنائي الاقتصادي في إطار هذه النظرية يجب اتباع طريقة التحديد السلبي وذلك باقصاء كل الميادين غير الاقتصادية. و بالتالي فإن القانون البنكي يدخل في إطار ميدان القانون الجنائي الاقتصادي .

إن أهم ما يميز ميدان القانون البنكي هو تعدد القوانين صلبه وتشعبها إذ تتميز هذه الأخيرة بالرغم من عدم تجانسها بالحركية و صبغتها الفنية .

وقد شملت هذه الخصوصيات كل من القواعد الموضوعية و القواعد الإجرائية، فالقواعد الموضوعية تتميز على مستوى التجربم بتنوع نصوصها لأن القانون لا يمثل المصدر الوحيد للجرائم الاقتصادية بل وجد الى جانبها مصدر اخر وهو التراتيب ،كما تتميز بحركيتها الدائمة التي تواكب التغيرات الاقتصادية ،وتتميز اخيرا بصبغتها المتشددة إذ تعبر عن توجه نحو نظام الزجر الموضوعي الذي لا يعتمد على سوء النية من عدمها و بالتالي وقع إقصاء القصد الإجرامي في بعض الجرائم وغالبا ما وقع الإعتماد على قرينة القصد الإجرامي .

أما في خصوص قواعد العقاب فهي متشددة سواء كان ذلك من حيث إرتفاعها أو من حيث تنوعها إذ لم تقتصر على رد فعل جزائي فقط .وأخيرا تتميز القواعد الاجرائية في الميدان البنكي بتدخل الادارة في كل المراحل سواء كان ذلك في مرحلة البحث عن الجرائم أو تتبعها

و زجرها ،ومثل هذه الخصوصيات أقرها العديد من الفقهاء[222]، فالإدارة لا تتدخل في وضع قواعد التجريم أو قواعد العقاب فقط بل تتدخل قي القواعد الاجراءات الجزائية وهي غالبا ما تقصي القاضي عن مهامه الأصلية لتحل محله بمقتضى إجراء الصلح .[223]

ولقد احتكر المشرع التونسي اختصاص الصلح فالمبدأ أن لا إختصاص بدون نص ، لذلك نص صراحة على إمكانية الصلح في القوانين المتعلقة بالميدان الاقتصادي ،وهو تنصيصا جاء تطبيقا لما ورد بالفصل 4 من مجلة الاجراءات الجزائية حيث ورد به :”تنقرض الدعوى العمومية …..سادسا بالصلح إذا نص القانون صراحة غلى ذلك .

ومثل هذا الحل إقتضته التطورات التي تشهدها وظيفة القانون الجنائي فإن كان المبدأهو أن هذا الأخير يهدف إلى تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي فإن تضخم الجرائم وتنوعها حال دون بقاء ذلك القانون في إطاره التقليدي ، وأصبحت وظيفته تتمثل في الدفع بحركة المجتمع و السير به نحو التقدم الاقتصادي ،وقد كرس المشرع فعالية الوظيفة الجديدة في القانون الجنائي الاقتصادي[224]

وتبعا لذلك كان لزاما عليه تنظيم رد الفعل الملائم لمواجهة تلك الجرائم، و يمكن إقرار بأن الصلح الجزائي يمثل إحدى ردود فعل الدولة تجاه الجرائم الاقتصادية ، بل هو بمثابة الثروة الحقيقية في وسائل الدولة إذ عوضت الاشكال القانوني لتدخلها بوسائل أكثر عملية تهدف الى مواجهة الجرائم بطريقة اقتصادية من حيث الوقت و التكاليف .[225]

ويخلص مما تقدم وأنه بناء على أنه لا صلح إلا بنص صريح فإن غياب هذا التنصيص في المادة البنكية يقصي إمكانية إنقضاء الدعوى العمومية بالصلح ،وهو ما يزيد المسؤولية الجزائية البنكية شدة و يحول دون إمكانية التفصي من العقاب ،ولربما يبرر غياب هذا الإجراء بحداثة التشريع البنكي و حساسية هذا القطاع .

الـــــــــــخـــاتــــــمــــة

إن استقراء واقع الميدان البنكي على نحو ما وردت به النصوص المنظمة له و خاصة تنقيحات2006 المتعلقة بموسسات القرض و بالبنك المركزي التونسي ،يبرز ان هذا القطاع يتميز بالتوسع ،الخضوع و التحرر.

فهذا القطاع توسعي من حيث امتداد نشاطه المتمثل في تقديم الخدمات البنكية مثل الإستشارات و المساعدة في التصرف المالي والهندسة المالية بغاية تسهيل بعث المؤسسات و تطويرها وإعادة هيكلتها .[226]

و هو قطاع خاضع، بإعتباره يمارس تحت أنظار رقابة مزدوجة ، رقابة داخلية للبنك ذاته يظطلع بها الجهاز الدائم للمراقبة الداخلية بعد أن كان هذا الأمر بمثابة العرف في عمل البنوك . الى جانب رقابة خارجية يسلطها البنك المركزي بوصفه سلطة الإشراف .

لكن في مقابل ذلك هو قطاع تحرري ، وقد تدعمت هذه النزعة استجابة لمقتضيات الإتجاه الليبرالي وانتهاج سياسة تعتمد التشجيع على بعث المؤسسات البنكية من جهة لما لها من دور في دفع مسيرة التنمية ، الى جانب افساح مزيد من الحرية في مستوى تعامل البنوك مع الحرفاء.

و الواقع أن هذا الإختيار لم يغفل المشرع عن ضرورة إقرارالعديد من القواعد ذات الطابع الزجري لتنظيم وحماية هذا الميدان ، وذلك من أجل الحفاظ على أخلاقيات التعامل البنكي وتنزيه معاملاته من كل المظاهر غير المتجانسة مع مقتضياته لكن المناخ التحرري الذي بات يتدعم في المجال البنكي سوف يرتب بالضرورة تنامي ظاهرة المنافسة بين البنوك في عملية استقطاب اكبر قسط من التعاملات المالية ، الامر الذي يقتضي التفكير في ايجاد الاطار القانوني اللازم لاحترام شفافية و نزاهة هذه المنافسة .

لكن الحفاظ على هيبة مؤسسة معينة لا يقف الى حد تشريع النصوص إذا لم تحالفها على المستوى العملي هياكل تمثيلية صادقة وجدية تقوم بدور الحارس الأمين للقطاع.

ونخص بالذكرهنا ،في المجال البنكي، الجمعية المهنية للبنوك التي يفترض أن تحمل على عاتقها مسؤولية الحفاظ على نواميس المهنة البنكية و أخلاقياتها وذلك بمحاصرة كل مظاهر الانحراف التي تهدد سلامتها و العمل على استئصال شرها واجتثاث اصولها ، ولا يتأتى لهذه الجمعية أداء دورها على الوجه المطلوب إلا اذا تمسكت بالقواعد القانونية و الاخلاقية للقطاع ،بإعتبارها المقياس الموضوعي الوحيد الذي يحمي حماه و يصون هيبته .

و هذا الهدف لايمكن بلوغه إلا اذا تم تسليط الاضواء بكل شجاعة على كل ما يقع كشفه من إنحرافات أو تجاوزات وعدم الاكتفاء بمجرد التدخل بالحسنى لاذابة “الحالات في الكواليس”.

لأن هذا المنحى لئن بدا مفيدا من حيث الحفاظ على تماسك ظاهري للقطاع ، وذلك بالحيلولة دون ان تطفو المشاكل على مسرح الاحداث ،فانه سوف يستطدم بتعاظم التجاوزات و الإنحرافات الخفية ، فيكون مؤداه تنامي الفوضى ، و عاقبته إقصاء القانون أو على الأقل تهميش الدور المناط به وفي نهاية الأمر سوف يحرم فقه القضاء من بناء أعمال إجتهادية حين يريد معالجة القضايا الحادثة في هذا المجال ، لأن فقه القضاء هو بمثابة مراة لواقع الحياة البنكية ، وخير انعكاس لمستوى المعاملات السائدة فيها .

لذلك ، فإن المسؤولية الأولى ملقاة على عاتق الهياكل التمثيلية للمهنة التي ينهض عليها واجب رفع الاشكاليات الطارئة في القطاع .

وعلى ضوء هذه المعطيات نتمكن من تحقيق مهنة بنكية مستجيبة لما تتطلبه ظروف

إغلاق